فعاليات منتديات رأس الوادي نت:
جديد الاستايلات :
أهلا و سهلا بك يا أيها الزائر لزيارتك للمنتدى»[X]«
»»--أستمارة تسجيل الدخول--««

:::»+ الرجاء تسجيل الدخول هنا +«:::
أسم الدخول :
كلمة السر :


تسجيل دخول اوتماتيكي

»++ لست عضوا؟ اضغط هنا للتسجيل + «
  ارسل تقرير عن هذه المساهمة لمدير أو مشرف قفل تقارير هذه المساهمة
انتقل الى الصفحة : 1, 2  الصفحة التالية
معلومات العضو




معلومات إضافية
إحترام قوانين المنتدى إحترام قوانين المنتدى:
المهنة:
ذكر
السٌّمعَة: 57
عدد النقاط: 13620
معلومات الاتصال
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
مُساهمةموضوع: حياة المتنبي كاملة السبت 17 سبتمبر 2011 - 15:04

حياة المتنبي كاملة
حياة المتنبي


بقلم د . زهير غازي زاهى

المتنبي خلاصة الثقافة العربية الإسلامية في النصف الأول من القرن الرابع
للهجرة. هذه الفترة كانت فترة نضج حضاري في العصر العباسي ، وهي في الوقت
نفسه كانت فترة تصدع سياسي وتوتر وصراع عاشها العالم العربي . فالخلافة في
بغداد انحسرت هيبتها والسلطان الفعلي في أيدي الوزراء، وقادة الجيش ومعظمهم
من الأعاجم، ثم ظهور الدويلات والإمارات المتصارعة في بلاد الشام ، ثم
تعرض الحدود لغزوات الروم والصراع المستمر على الثغور الإسلامية ثم الحركات
الدموية في داخل العراق كحركة القرامطة وهجماتهم على الكوفة.

لقد كان لكل وزير ولكل أمير في الكيانات السياسية المتنافسة مجلس يجمع فيه
الشعراء والعلماء يتخذ منهم وسيلة دعاية وتفاخر ثم هم وسائل صلة بين الحكام
والمجتمع بما تثبته وتشيعه من مميزات هذا الأمير وذلك الحاكم ، فمن انتظم
في هذا المجلس أو ذاك من الشعراء أو العلماء يعني اتفق وإياهم على إكبار
هذا الأمير الذي يدير هذا المجلس وذاك الوزير الذي يشرف على ذاك. والشاعر
الذي يختلف مع الوزير في بغداد مثلا يرتحل إلى غيره فإذا كان شاعرا معروفا
استقبله المقصود الجديد، وأكبره لينافس به خصمه أو ليفخر بصوته.

في هذا العالم المضطرب المتناقض الغارق في صراعه الاجتماعي والمذهبي كانت
نشأة المتنبي وقد وعي بذكائه ألوان هذا الصراع وقد شارك فيه وهو صغير،
وانغرست في نفسه مطامح البيئة فبدأ يأخذ عدته في أخذه بأسباب الثقافة
والشغف في القراءة والحفظ. وقد رويت عن أشياء لها دلالاتها في هذه الطاقة
المتفتحة التي سيكون لها شأن في مستقبل الأيام والتي ستكون عبقرية الشعر
العربي. روي أنه تعلم في كتاب كان يتعلم فيه أولاد أشراف الكوفة دروس
العلوية شعرا ولغة وإعرابا. وروي أنه اتصل في صغره بأبي الفضل بالكوفة،
وكان من المتفلسفة، فهوسه وأضله. وروي أنه كان سريع الحفظ، وأنه حفظ كتابا
نحو ثلاثين ورقة من نظرته الأولى إليه، وغير ذلك مما يروى عن حياة العظماء
من مبالغات . . .

ولم يستقر في موطنه الأول الكوفة وإنما خرج برحلته إلى الحياة خارج الكوفة
وكأنه أراد أن يواجه الحياة بنفسه ليعمق تجربته فيها بل ليشارك في صراعاتها
الاجتماعية التي قد تصل إلى أن يصطبغ لونها بما يسيل من الدماء كما اصطبغ
شعره وهو صبي . . هذا الصوت الناشئ الذي كان مؤهلا بما يتملك من طاقات
وقابليات ذهنية أدرك أن مواجهة الحياة في آفاق أوسع من آفاق الكوفة تزيد من
تجاربه ومعارفه فخرج إلى بغداد يحاول أن يبدأ بصراع الزمن والحياة قبل أن
يتصلب عوده، ثم خرج إلى بادية الشام يلقي القبائل والأمراء هناك، يتصل بهم
ويمدحهم فتقاذفته دمشق وطرابلس واللاذقية وحمص. كان في هذه الفترة يبحث عن
فردوسه المفقود، ويهيئ لقضية جادة في ذهنه تلح عليه، ولثورة حاول أن يجمع
لها الأنصار، وأعلن عنها في شعره تلميحا وتصريحا حتى أشفق عليه بعض أصدقائه
وحذره من مغبة أمره، حذره أبو عبد الله معاذ بن إسماعيل في اللاذقية، فلم
يستمع له وإنما أجابه مصرا :

أبـا عبـد الإلـه معاذ أني خفي عنك في الهيجا مقامي
ذكرت جسيـم ما طلبي وأنا تخاطر فيـه بالمهج الجسام
أمثلـي تـأخذ النكبات منـه ويجزع من ملاقاة الحمام ؟
ولو برز الزمان إلى شخصا لخضب شعر مفرقه حسامي


إلا أنه لم يستطع أن ينفذ ما طمح إليه. وانتهى به الأمر إلى السجن. سجنه
لؤلؤ والي الأخشيديين على حمص بعد أن أحس منه بالخطر على ولايته، وكان ذلك
ما بين سنتي 323 هـ ، 324 هـ .



البحث عن النموذج :

خرج أبو الطيب من السجن منهك القوى . . كان السجن علامة واضحة في حياته،
وكان جدارا سميكا اصطدمت به آماله وطموحاته، وأحس كل الإحساس بأنه لم يستطع
وحده أن يحقق ما يطمح إليه من تحطيم ما يحيط به من نظم، وما يراه من فساد
المجتمع. فأخذ في هذه المرحلة يبحث عن نموذج الفارس القوى الذي يتخذ منه
مساعدا على تحقيق طموحاته، وعلى بناء فردوسه. وعاد مرة أخرى يعيش حياة
التشرد والقلق، وقد ذكر كل ذلك بشعره. فتنقل من حلب إلى إنطاكية إلى طبرية
حيث التقى ببدر بن عما سنة 328 هـ، فنعم عند بدر حقبة، وكان راضيا مستبشرا
بما لقيه عنده، إن الراحة بعد التعب، والاستقرار بعد التشرد، إلا أنه أحس
بالملل في مقامه، وشعر بأنه لم يلتق بالفارس الذي كان يبحث عنه والذي
يشاركه في ملاحمه، وتحقيق آماله. فعادت إليه ضجراته التي كانت تعتاده،
وقلقه الذي لم يبتعد عنه، وأنف حياة الهدوء إذ وجد فيها ما يستذل كبرياءه.
فهذا الأمير يحاول أن يتخذ منه شاعرا متكسبا كسائر الشعراء، وهو لا يريد
لنفسه أن يكون شاعر أمير، وإنما يريد أن يكون شاعرا فارسا لا يقل عن الأمير
منزلة. فأبو الطيب لم يفقده السجن كل شيء لأنه بعد خروجه من استعاد إرادته
وكبرياءه إلا أن السجن كان سببا لتعميق تجربته في الحياة، وتنبيهه إلى أنه
ينبغي أن يقف على أرض صلبة لتحقيق ما يريده من طموح. لذا فهو أخذ أفقا
جديدا في كفاحه. أخذ يبحث عن نموذج الفارس القوي الذي يشترك معه لتنفيذ ما
يرسمه في ذهنه.

الموضوع الأصلي : حياة المتنبي كاملة // المصدر : /منتديات رأس الوادي نت/ الكاتب: Admin



توقيع العضو: Admin

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معلومات العضو




معلومات إضافية
إحترام قوانين المنتدى إحترام قوانين المنتدى:
المهنة:
ذكر
السٌّمعَة: 57
عدد النقاط: 13620
معلومات الاتصال
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
مُساهمةموضوع: رد: حياة المتنبي كاملة السبت 17 سبتمبر 2011 - 15:06

حياة المتنبي كاملة
أما
بدر فلم يكن هو ذاك، ثم ما كان يدور بين حاشية بدر من الكيد لأبي الطيب،
ومحاولة الإبعاد بينهما مما جعل أبا الطيب يتعرض لمحن من الأمير أو من
الحاشية تريد تقييده بإرادة الأمير، كان يرى ذلك استهانة وإذلالا عبر عنه
بنفس جريحة ثائرة بعد فراقه لبدر متصلا بصديق له هو أبو الحسن علي ابن أحمد
الخراساني في قوله :

لا افتخار إلا لمن لا يضام مدرك أو محارب لا ينام

وعاد المتنبي بعد فراقه لبدر إلى حياة التشرد والقلق ثانية، وعبر عن ذلك
أصدق تعبير في رائيته التي هجا بها ابن كروس الأعور أحد الكائدين له عند
بدر.

وظل باحثا عن أرضه وفارسه غير مستقر عند أمير ولا في مدينة حتى حط رحاله في
إنطاكية حيث أبو العشائر ابن عم سيف الدولة سنة 336 هـ وعن طريقه اتصل
بسيف الدولة سنة 337 هـ وانتقل معه إلى حلب.

في مجلس هذا الأمير وجد أفقه وسمع صوته، وأحس أبو الطيب بأنه عثر على نموذج
الفروسية الذي كان يبحث عنه، وسيكون مساعده على تحقيق ما كان يطمح إليه.
فاندفع الشاعر مع سيف الدولة يشاركه في انتصاراته. ففي هذه الانتصارات أروع
بملاحمه الشعرية. استطاع أن يرسم هذه الحقبة من الزمن وما كان يدور فيها
من حرب أو سلم. فيها تاريخ واجتماع وفن. فانشغل انشغالا عن كل ما يدور حوله
من حسد وكيد، ولم ينظر إلا إلى صديقه وشريكه سيف الدولة. فلا حجاب ولا
واسطة بينهما، وكان سيف الدولة يشعر بهذا الاندفاع المخلص من الشاعر ويحتمل
منه ما لا يحتمل من غيره من الشعراء. وكان هذا كبيرا على حاشية الأمير .

وكان أبو الطيب يزداد اندفاعا وكبرياء واحتقارا لكل ما لا يوافق هذا
الاندفاع وهذه الكبرياء . . في حضرة سيف الدولة استطاع أن يلتقط أنفاسه،
وظن أنه وصل إلى شاطئه الأخضر، وعاش مكرما مميزا عن غيره من الشعراء. وهو
لا يرى إلى أنه نال بعض حقه، ومن حوله يظن أنه حصل على أكثر من حقه. وظل
يحس بالظمأ إلى الحياة إلى المجد الذي لا يستطيع هو نفسه أن يتصور حدوده
إلى أنه مطمئن إلى إمارة عربية يعيش في ظلها وإلى أمير عربي يشاركه طموحه
وإحساسه. وسيف الدولة يحس بطموحه العظيم، وقد ألف هذا الطموح وهذا الكبرياء
منذ أن طلب منه أن يلقي شعره قاعدا وكان الشعراء يلقون أشعارهم واقفين بين
يدي الأمير، واحتمل أيضا هذا التمجيد لنفسه ووضعها أحيانا بصف الممدوح إن
لم يرفعها عليه . . . ولربما احتمل على مضض تصرفاته العفوية إذ لم يكن يحس
مداراة مجالس الملوك والأمراء، فكانت طبيعته على سجيتها في كثير من
الأحيان. وهذا ملكان يغري حساده به فيستغلونه ليوغروا صدر سيف الدولة عليه
حتى أصابوا بعض النجاح، وأحس الشاعر بأن صديقه بدأ يتغير عليه، وكانت
الهمسات تنقل إليه عن سيف الدولة بأنه غير راض، وعنه إلى سيف الدولة بأشياء
لا ترضي الأمير وبدأت المسافة تتسع بين الشاعر وصديقه الأمير. ولربما كان
هذاالاتساع مصطنعا إلا أنه اتخذ صورة في ذهن كل منهما، وأحس أبو الطيب بأن
السقف الذي أظله أخذ يتصدع، اعتاده قلقه واعتادته ضجراته وظهرت منه مواقف
حادة مع حاشية الأمير، وأخذت الشكوى تصل إلى سيف الدولة منه حتى بدأ يشعر
بأن فردوسه الذي لاح له بريقه عند سيف الدولة لم يحقق السعادة التي نشدها.
وكان موقفه مع ابن خالوية بحضور سيف الدولة واعتداء ابن خالوية عليه ولم
يثأر له الأمير أصابته خيبة الأمل، وأحس بجرح لكرامته لم يستطع أن يحتمل
فعزم على مغادرته ولم يستطع أن يجرح كبرياءه بتراجعه، وإنما أراد أن يمضي
بعزمه. فكانت مواقف العتاب والعتاب الصريح، ووصل العتاب إلى الفراق. وكان
آخر ما أنشده إياه ميميته في سنة 345 هـ ومنها:

لا تطلبن كريمــا بعد رؤيته .........إن الكرام بأسخــاهم يدا ختموا
ولا تبــال بشعر بعد شاعره ........ قد أفسد القول حتى أحمد الصمم

البحث عن الأمل :

فارق أبو الطيب سيف الدولة وهو غير كاره له، وإنما كره الجو الذي ملأه
حساده ومنافسوه من حاشية سيف الدولة. فأوغروا قلب الأمير، فجعل الشاعر يحس
بأن هوة بينه وبين صديقة يملؤها الحسد والكيد، وجعله يشعر بأنه لو أقام هنا
فلربما تعرض للموت أو تعرضت كبرياؤه للضيم. فغادر حلبا، وهو يكن لأميرها
الحب، لذا كان قد عاتبه وبقي يذكره بالعتاب، ولم يقف منه موقف الساخط
المعادي، ولذا بقيت الصلة بينهما بالرسائل التي تبادلاها حين عاد أبو الطيب
إلى الكوفة من كافور حتى كادت الصلة تعود بينهما، فارق أبو الطيب حلبا إلى
مصر . . وفي قلبه غضب كثير، وكأني به أطال التفكير في محاولة الرجوع إلى
حلب وكأني به يضع خطة لفراقها ثم الرجوع إليها ولكن لا يرجع إليها شاعرا
فقط إنما يزورها ويزور أميرها عاملا حاكما لولاية يضاهي بها سيف الدولة،
ويعقد مجلسا يقابل سيف الدولة . . من هنا كانت فكرة الولاية أملا في رأسه
ظل يقوي وأظنه هو أقوى الدوافع . . دفع به للتوجه إلى مصر حيث كافور الذي
يمتد بعض نفوذه إلى ولايات بلاد الشام . .



وفي
مصر واجه بيئة جديدة، ومجتمعا آخر، وظروفا اضطرته إلى أن يتنازل في أول
الأمر عما لم يتنازل عنه، وهو عند سيف الدولة . . ثم هو عند ملك لا يحبه،
ولم يجد فيه البديل الأفضل من سيف الدولة إلا أنه قصده آملا، ووطن نفسه على
مدحه راضيا لما كان يربطه في مدحه من أمل الولاية، وظل صابرا محتملا كل
ذلك. وأخذ يخطط إلى أمله الذي دفعه للمجيء إلى هنا، ويهدأ كلما لاح بريق
السعادة في الحصول على أمله، وهو حين يراوده نقيض لما يراه من دهاء هذا
الممدوح الجديد ومكره تنعصر نفسه، ويحس بالحسرة على فراقه صديقه القديم.
وفي هذه البيئة الجديدة أخذ الشعور بالغربة يقوى في نفسه بل أخذ يشعر
بغربتين غربته عن الأهل والأحبة وعما كان يساوره من الحنين إلى الأمير
العربي سيف الدولة، ويزداد ألمه حين يرى نفسه بين يدي أسود غير عربي إلا
أنه حين يتذكر جرح كبريائه يعقد لسانه ويسكت . . وغربته الروحية عمن حوله
والتي كان يحس بها في داخله إحساسا يشعره بالتمزق في كثير من الأحيان . .
وظل على هذا الحال لا تسكته الجائزة، ولا يرضيه العطاء، وظل يدأب لتحقيق ما
في ذهنه ويتصور أنه لو حصل عليها لحقق طموحه في مجلس كمجلس سيف الدولة
تجتمع فيه الشعراء لمدحه فيستمع لمديحه وإكباره على لسان الشعراء بدلا من
أن يؤكد كبرياءه هو على لسانه، ولربما كان يريد إطفاء غروره بهذا إلا أن
سلوكه غير المداري وعفويته التي رأيناها بابا سهلا لدخول الحساد والكائدين
بينه وبين الحاكم الممدوح، ثم حدته وسرعة غضبه وعدم السيطرة على لسانه. كان
كل ذلك يوقعه في مواقف تؤول عليه بصور مختلفة وفق تصورات حساده ومنافسيه .
. وأكاد أعتقد أنه كان مستعدا للتنازل عن كل جوائزه وهباته لمن كان يتصور
أنه كان يريد أن يتربع على عرش الشعر من أجل جائزة كافور وعطائه، ثم يصوره
بصورة تشوه إحساسه وتزور مشاعره . . وذلك هو الذي يغيظه ويغضبه ويدفعه إلى
التهور أحيانا وإلى المواقف الحادة . . كل ذلك يأخذ طابعا في ذهن الحاكم
مغايرا لما في ذهن الشاعر . .

هكذا بدأت المسافة تتسع بينه وبين كافور . . وكلما اتسعت المسافة كثر في
مجالها الحاسدون والواشون، وكلما أحس الشاعر، ولو وهما، بأزورار كافور عنه
تيقظت لديه آفاق جديدة لغربته، وثارت نفسه وأحس بالمرارة إحساسا حادا . .
لقد كان هو يحس بالحق، وبأنه لم يطلب فوق حقه، ولم يتصرف بما هو خطأ لأنه
لم يصدر منه تجاوز على حق أحد إلا أنه هذا التصور البريء في ذهن الشاعر
بعيد عن واقع الصورة التي في ذهن حاشية كافور، وما يصل إلى كافور من أقوال
عن الشاعر وعادة المتملقين من الوجهاء يتوصلون إلى الحاكم بواسطة حاشيته
وإغراء بعض أفرادها بأن يكونوا جسورا بينهم وبين سيدهم . . هذه الجسور قد
تقطع عند الحاجة بين الحاكم وبين خصومهم . . . أما أبو الطيب فلم يكن يحسن
هذا اللون من التظاهر ولم يكن يفكر بهذا اللون من التصور، وإنما كان صريحا
بكل شيء في رضاه وسخطه صريحا بما يرغب دون احتيال ولا محاورة، فما دام يشعر
بالحق طالب به دون تأجيل.

هذه الصراحة كثيرا ما أوقعته في مواقف حرجة، عند سيف الدولة، وهنا أيضا عند
كافور، لذا صارت للمتنبي صورة الغول في نفس كافور، وبأنه المخيف الذي
سينزو على ملكه إذا أعطاه ما يمكنه من ذلك، وهكذا ظل الشاعر يرغب، ويلح في
رغبته، وظل كافور يداوره ويحاوره، وهو لون من الصراع الدرامي بين حاكم يحسن
الاحتيال والمداورة وشاعر صريح لا يحسن من ذلك شيئا حتى وصل الشاعر إلى
حالة لم يستطع بعدها أن يبقى صامتا، وشعر كافور برغبته في مغادرته فظن أن
تشديد الرقابة عليه وإغلاق الحدود دونه سيخيفه ويمنعه من عزمه، ويخضعه كما
يفعل مع غيره من الشعراء بالترهيب حينا والذهب حينا آخر . . إلا أن أبا
الطيب لم يعقه ذلك كله عن تنفيذ ما عزم عليه بعد أن أحس باليأس من كافور،
ولذعه الندم على ما فعل بنفسه في قصده إياه . .

وعاودته ضجراته التي أحس بها وهو عند أكثر أصدقائه إخلاصا وحبا وظل يخطط
إلى الهرب، ويصر على تحدي كافور ولو بركوب المخاطر حتى وجد فرصته في عيد
الأضحى، وخرج من مصر، وهجا كافورا بأهاجيه المرة الساخرة .

الاضطراب واليأس :

إن تحدي أبي الطيب لسلطة كافور في هروبه وركوبه كل المخاطر، ثم هذه الطاقة
المتفجرة من السخط والغضب في هجائه، كل ذلك يدل على مبلغ اليأس والندم في
نفسه، ويبدو لي أنه كان حائرا حين فارق سيف الدولة، وحاول أن يمنع نفسه من
التوجه إلى كافور إلا أنه رجح أمر توجهه إلى مصر بعد إطالة فكر . . . ويبدو
أنه كان قد فكر بهذه النتيجة اليائسة من ملك مصر لذا نراه وكأنه أراد أن
يتقدم من نفسه على ارتكابه خطيئة التوجه إليه واحتمالها مدحه، والتقيد
بأوامره حينا. فهو حاول بأي وجه أن يشعر بالانتصار على هذه السلطة، نجده
تحداه في هروبه، ثم نقرأ هذا الفخر بالشجاعة والفروسية في اقتحام المخاطر
في طريقه إلى الكوفة في مقصورته :

ضربت بها التيه ضرب القمار ....... إمــا لهـذا وإمــا لـذا
إذا فزعت قدمتـها الجيــاد .......... وبيض السيوف وسمر القنا
فلمـا انحنـا ركزنـا الرماح ........... فـوق مكــارمننا والعمل
وبتنــا نقبـــل أسيافنــا .............ونمسحها من دماء العــدى
لتـــعلم مصر ومن بالعراق ......... ومن بالعواصم أني الفتــى

الموضوع الأصلي : حياة المتنبي كاملة // المصدر : /منتديات رأس الوادي نت/ الكاتب: Admin



توقيع العضو: Admin

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معلومات العضو




معلومات إضافية
إحترام قوانين المنتدى إحترام قوانين المنتدى:
المهنة:
ذكر
السٌّمعَة: 57
عدد النقاط: 13620
معلومات الاتصال
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
مُساهمةموضوع: رد: حياة المتنبي كاملة السبت 17 سبتمبر 2011 - 15:08

حياة المتنبي كاملة
عاد
إلى الكوفة وهو أشد الحاجة إلى الاستقرار إلا أنه لم يستطع الإقامة فيها
طويلا، فذهب إلى بغداد حيث مجلس المهلبي الذي يجتمع فيه جماعة من الشعراء
والأدباء، وكان المهلبي يطمع بمدح أبي الطيب فلم يحصل إلا على زيارة الشاعر
لمجلسه.

أزور أبو الطيب من جو الخلاعة والمجون الذي يحيط بالمهلبي ويظهر لي أنه كان
منذ نزوله الكوفة كان يفكر في صديقه الحمداني وبأسباب الصلة به. فالشاعر
لم يرد أن يتورط بمدح المهلبي والبويهيين في بغداد لكي يحافظ على العلاقة
بينه وبين سيف الدولة لما كان بين سلطة بغداد وحلب من عداء.

ثم أن أبا الطيب في هذه المرحلة التي ينال فيها من الشهرة والمجد لم يجد ما
يحققه من مدحه للمهلبي، بل كان يراه أقل منه شأنا وأدبا . . وظل صامتا حتى
عن رد الشعراء الذين حرضهم المهلبي عليه فهجوه أقذع الهجاء، فلم يجبهم،
وكذلك حرض الحاتمي عليه فكانت تلك المناظرة الحاقدة التي سجلها الحاتمي في
رسالته الموضحة. فكان أبو الطيب وقورا حينا وحادا أحيانا، ويغضي عن كل ذلك
أوانا، وكان مكتفيا في لقاء محبي شعره وطالبي أدبه في دار صديقه علي بن
حمزة البصري الذي كان قد نزل فيها.

عاد إلى الكوفة بعد أن أقام في بغداد سبعة أشهر، ويظهر أنه أراد أن يبتعد
عن هذا الجو الصاخب فيها ليستقر في مكان يفكر فيه بعقد أسباب الصلة بأمير
حلب. وفعلا وصلت إليه هداياه وأرسل إليه شعرا ولم يطق الإقامة في الكوفة
لما كان فيها من الحوادث الدموية بسبب هجوم القرامطة عليها، واشترك المتنبي
في الدفاع عنها. وعاودته الرغبة إلى الرحيل إذ كان يجد فيه متنفسا عن قلقه
ولما جاءته رغبة ابن العميد من أرجان في زيارته رحل إليه ومنه إلى عضد
الدولة في شيراز. وكأن رحلته هذه كانت لقتل الفراغ الذي أحس به بعد طول
معاناة ولامتصاص التمزق الذي كان يعانيه، وربما كان في نفسه غرض آخر هو
تقوية صلته بعضد الدولة وذوي الجاه كابن العميد ليقوى مركزه في بغداد بل
ليكون أقوى من صاحب الوزارة فيها الذي حرض من لديه من الشعراء على هجائه.
وكان عضد الدولة يقيم بشيراز ويتطلع لخلافة أبيه للحكم في بغداد، وبحاجة
لشاعر كبير يقدمه للناس ويعرفهم بخصاله. وفي طريق عودته إلى بغداد كان
مقتله قريبا من دير العاقول 354 هـ وكان مع المتنبي جماعة من أصحابه وابنه
محسد وغلامه مفلح اللذان قتلا معه على يد فاتك بن أبي جهل الأسدي وجماعته.

<table border="0" cellpadding="0" cellspacing="0" width="100%"> <tr valign="bottom"> <td style="font-size:14pt">ابن بغداد</td> <td class="smallfont" align="left">15-08-2005 11:38 PM</td> </tr> </table>
الهمزة
عَــذْلُ العَـواذِلِ حَـولَ قَلبـي التائِـهِ _________________________
وهَــوَى الأَحِبَّـةِ منـهُ فـي سـودائِهِ _________________________

أَســـامَرِّيُّ ضُحْكـــةَ كُــلِّ راءِ _________________________
فَطِنْــتَ وكُــنْتَ أَغبَـى الأََغبِيـاءِ _________________________

أمِـنَ ازْدِيـارَكِ فـي الدُّجـى الرُّقَبـاءُ _________________________
إذْ حَـيثُ كُـنْت مِـنَ الظـلامِ ضِيـاءُ _________________________

لَقــد نَسَــبُوا الخيـامَ إلـى عَـلاءِ _________________________
أَبَيـــتُ قَبولَـــهُ كُــلَّ الإبــاءِ _________________________

أَتُنكِــر يــا ابــنَ إِسـحقٍ إِخـائي _________________________
وتحسـب مـاءَ غَـيري مـن إنـائي ؟ _________________________

اَلقَلــبُ أعلَــمُ يــا عـذولُ بِدائِـهِ _________________________
وأَحَـــقُّ مِنــكَ بِجَفْنِــهِ وبمائِــهِ _________________________

إنَّمــــا التَهنِئَـــاتُ لِلأَكْفـــاءِ _________________________
ولمَـــنْ يــدَّنِي مِــنَ البُعَــداءِ _________________________

مـــاذا يَقُـــولُ الــذي يُغَنِّــي _________________________
يــا خَـيْرَ مَـنْ تَحْـتَ ذي السَّـماءِ _________________________

الباء
بِغَــيرِكَ راعيًــا عَبِــثَ الذئــابُ _________________________
وغَــيرَكَ صارِمًــا ثَلـمَ الضِّـرابُ _________________________

أيــدري مــا أرابَــكَ مَـن يُـريبُ _________________________
وهـل تَـرقَى إلـى الفَلـكِ الخُـطوبُ _________________________

خَرَجـتُ غَـداةَ النَّفْـرِ أَعـتَرِض الدُمَى _________________________
فلـم أَرَ أَحـلَى مِنـكَ فـي العَينِ والقَلبِ _________________________

لأَحِــــــبَّتي أَنْ يَمــــــلأُوا _________________________
بالصَّافِيــــــاتِ الأَكوُبــــــا _________________________

دَمْـعٌ جَـرى فقضـى في الرَّبع ما وَجَبا _________________________
لأهلــهِ وشَــفى أنّــى ولا كرَبــا _________________________

يـا أخَـتَ خَـيرِ أخ يـا بِنتَ خَيرِ أبِ _________________________
كِنايــةً بِهِمـا عـن أشـرَفِ النَسَـبِ _________________________

أَحسَــنُ مــا يُخـضَب الحَـديدُ بـهِ _________________________
وخاضِبَيـــهِ النّجِــيعُ والغَضَــبُ _________________________

أَلا مــا لِسَـيفِ الدَولـةِ اليَـومَ عاتِبَـا _________________________
فَـداهُ الـوَرَى أَمضـى السُيُوفِ مَضارِبا _________________________

مَــنِ الجــاذِرُ فـي زِيِّ الأَعـارِيبِ _________________________
حُــمرَ الحِـلَى والمَطايـا والجَـلابِيب _________________________

لأَيِّ صُــروفِ الدهــرِ فيـهِ نعـاتِبُ _________________________
وأيَّ رَزايـــاهُ بِوِتْـــرٍ نُطــالبُ _________________________

أغـالِبُ فِيـكَ الشَـوقَ والشَـوقُ أَغلَبُ _________________________
وأعْجَـبُ مِـن ذا الهَجْر والوَصْلُ أَعجَب _________________________

بــأَبي الشُّـموسُ الجانِحـاتُ غَوارِبـا _________________________
اللاَّبِســاتُ مِــنَ الحَــريرِ جَلابِبـا _________________________

فَدَينـاكَ مـن رَبـعٍ وإِنْ زِدتَنـا كَرْبـا _________________________
فـإِنَّكَ كُـنتَ الشَـرقَ للشَـمسِ والغَرْبا _________________________

تجــفُّ الأرضُ مــن هـذا الرَبـابِ _________________________
ويخــلقُ مــا كَســاها مـن ثِيـابِ _________________________

لِعَينــي كُــلَّ يَــومٍ مِنْــكَ حَـظٍّ _________________________
تَحَــيَّرُ منــهُ فــي أَمـر عُجـابِ _________________________

إنمــا بَــدرُ بــنُ عَمّـارٍ سـحابُ _________________________
هَطِــلٌ فيــهِ ثَــوابٌ و عِقــابُ _________________________

أَلَــم تَــرَ أيُّهــا المَلِـكُ المُرَجّـى _________________________
عَجــائِب مـا رَأَيـتُ مِـنَ السَّـحابِ _________________________

أَعِيـدُوا صَبـاحِي فَهـوَ عِنـدَ الكَواعِبِ _________________________
ورُدُّوا رُقــادي فَهْـو لَحْـظُ الحَبـائِبِ _________________________

أَيـــا مـــا أُحيسِـــنَها مُقلــةً _________________________
ولَـــوْلا المَلاحــةُ لــم أَعجَــبِ _________________________

الطِّيـــبُ مِمَّـــا غَنِيــتُ عَنْــهُ _________________________
كَـــفَى بِقُــرْبِ الأَمــيرِ طِيبــا _________________________

تَعَــرَّضَ لـي السَّـحابُ وقَـدْ قَفَلْنـا _________________________
فَقُلْــتُ إِلَيْــكَ إنَّ مَعِــي السَّـحابا _________________________

يـــا ذا المَعــالي ومَعــدِنَ الأَدَبِ _________________________
سَـــيِّدَنا وابــنَ ســيِّدِ العَــرَبِ _________________________

المَجْلِســانِ عــلى التَّمْيـيزِ بَيْنَهُمـا _________________________
مُقــابِلانِ ولكِــنْ أَحْسَــنا الأَدَبــا _________________________

ضُــرُوبُ النــاس عُشَّـاقٌ ضُرُوبـا _________________________
فــــأَعذَرُهُم أَشـــفُّهُمُ حَبِيبـــا _________________________

لا يُحــزِنِ اللــهُ الأَمــيرَ فــإِنَّني _________________________
لآخُـــذُ مــن حالاتِــه بنَصيــبِ _________________________

آخــرُ مــا الملْــك مُعــزَّى بِـهِ _________________________
هــذا الَّــذي أثــرَ فــي قَلبِــهِ _________________________

لَقَــد أَصبَــحَ الجُــرَذ المسَــتغيرُ _________________________
أســيرَ المنَايــا صَــريع العَطـبْ _________________________

وأَســوَدَ أَمَّــا القَلْـبُ مِنـهُ فَضَيِّـقٌ _________________________
نَخِــيب وأَمَّــا بَطنــهُ فرَحِــيب _________________________

أَلا كُــــلُّ ماشِـــيَةِ الخـــيَزَلَى _________________________
فِـــدَى كــلّ ماشِــيَةِ الهَيــذَبَى _________________________

أبـــا سَـــعيدٍ جَــنّبِ العِتابــا _________________________
فـــرُبَّ رأيٍ أخْطَـــأَ الصَّوابــا _________________________

مُنًـى كُـنَّ لـي أَنَّ البَيـاضَ خِضـابُ _________________________
فيَخْــفَى بِتَبيــضِ القُـرُونِ شَـبابُ _________________________

لَمَّــا نُسـبتَ فَكـنْتَ ابنـاً لَغـيرِ أبِ _________________________
ثُـم اخْـتُبِرتَ فَلـم تَرْجـعْ إلـى أدَبِ _

الموضوع الأصلي : حياة المتنبي كاملة // المصدر : /منتديات رأس الوادي نت/ الكاتب: Admin



توقيع العضو: Admin

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معلومات العضو




معلومات إضافية
إحترام قوانين المنتدى إحترام قوانين المنتدى:
المهنة:
ذكر
السٌّمعَة: 57
عدد النقاط: 13620
معلومات الاتصال
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
مُساهمةموضوع: رد: حياة المتنبي كاملة السبت 17 سبتمبر 2011 - 15:08

حياة المتنبي كاملة
أُنْصُـر بِجـودِكَ ألفاظًـا تَـرَكتُ بِهـا _________________________
فـي الشَّـرقِ والغَربِ مَن عاداكَ مَكبوتا _________________________

سِــربٌ مَحاسِــنُهُ حُـرِمتُ ذَواتِهـا _________________________
دانــي الصِّفــاتِ بَعِيـدُ مَوصُوفاتِهـا _________________________

أَرَى مُرْهَفًــا مُــدهِشَ الصَّيْقَلِيــنَ _________________________
وبَابَـــةَ كُـــلِّ غُـــلامٍ عَتــا _________________________

رَأَى خَـلّتي مِـن حَـيثُ يَخـفَى مَكانُها _________________________
فَكــانَت قَـذَى عَينَيـهِ حَـتى تَجَـلّتِ _________________________

فَــدَتْكَ الخَــيْلُ وَهْــيَ مُسـوَّماتُ _________________________
وبِيْــضُ الهِنْــدِ وَهْــيَ مُجَـرَّداتُ _________________________

الجيم
لِهَــذا اليــوم بَعــدَ غَــدٍ أَرِيـجُ _________________________
وَنــارٌ فــي العَــدُوِّ لَهــا أَجِـيجُ _________________________

الحاء
يُقـــاتِلُني عَلَيْــكَ اللَّيْــلُ جِــدًّا _________________________
ومُنْصَــرَفي لَــهُ أَمْضَـى السِّـلاحِ _________________________

أَبــاعِثَ كُــلِّ مَكرُمــةٍ طَمُــوحِ _________________________
وفــارِسَ كُــلِّ سَــلْهَبةٍ سَــبُوحِ _________________________

جــللاً كَمــا بــي فَليَـكُ التَّـبريحُ _________________________
أَغِــذاءُ ذا الرَّشــإ الأَغَـنِّ الشّـيحُ _________________________

جاريـــةٌ مـــا لِجِســـمِها رُوحُ _________________________
بـــالقَلبِ مِــن حُبِّهــا تَبــاريحُ _________________________

أنــا عَيــنُ المُســوّدِ الجَحجــاحِ _________________________
هَيَّجَـــتني كِلابُكُـــم بِالنُّبـــاح _________________________

وَطــــائِرةٍ تَتَبعُهـــا المَنايـــا _________________________
عــلى آثارِهــا زَجِــلُ الجَنــاحِ _________________________

بِــأَدنَى ابتِسـامٍ مِنـكَ تَحيـا القَـرائِحُ _________________________
وتَقـوَى مِـنَ الجِسـمِ الضَّعِيفِ الجَوارحُ _________________________

الدال
أَتُنكِــرُ مــا نَطَقــتُ بِــهِ بَدِيهـا _________________________
وَلَيسَ بِمُنْكـــرٍ سَـــبقُ الجَــوادِ _________________________

أحُلمــاً نَــرى أمْ زمانــاً جَــديدا _________________________
أمِ الخَـلْقُ فـي شَـخصِ حَـيٍّ أُعِيـدَا _________________________

أَمِــنْ كُــلِّ شَـيءٍ بَلَغـتَ المُـرادا _________________________
وفــي كُــلِّ شَـأْوٍ شَـأَوْتَ العِبـادا _________________________

وَشـــامِخٍ مِــنَ الجِبــالِ أَقــوَدِ _________________________
فَــرْدٍ كيَــأْفوخِ البَعِــيرِ الأَصيَــدِ _________________________

نَسِـيتُ ومـا أنسَـى عِتابـاً على الصَدِّ _________________________
ولا خَــفَراً زادَت بــهِ حُـمرَة الخَـدِّ _________________________

عيــدٌ بِأيَّـةِ حـالٍ عُـدتَ يـا عِيـدُ _________________________
بِمــا مَضَـى أَم لأَمْـرٍ فِيـكَ تجـدِيدُ _________________________

مــا ذا الـوَداعُ وَداعُ الـوامِقِ الكَمِـدِ _________________________
هــذا الــوَداعُ وَداعُ الـرُوحِ لِلجَسَـدِ _________________________

أقْصِـــرْ فلســـتَ بِزائــدي وُدَّا _________________________
بلـــغَ المــدَى وتجــاوَزَ الحــدَّا _________________________

بكُـــتب الأَنـــام كِتـــابٌ وَرد _________________________
فَـــدَت يَــدَ كاتبِــه كُــلُّ يَــدْ _________________________

وَبَنِيّــةٍ مــن خَــيزران ضُمّنَــت _________________________
بِطِّيخــةً نَبَتَــت بِنــارٍ فــي يَـدِ _________________________

أُحـــادٌ أَم سُــداسٌ فــي أُحــادِ _________________________
لُيَيْلَتُنـــا المنوطَـــةُ بالتَّنـــادي _________________________

إن القــوافيَ لــم تنمــكَ وإِنِّمــا _________________________
مَحَـقَتْك حَـتى صِـرْتَ مـا لا يُوجَـدُ _________________________

أَيَـــا خَــدَّدَ اللــهُ وَردَ الخُــدودِ _________________________
وقَـــدَّ قُــدودَ الحِســانِ القُــدودِ _________________________

يَســتَعظِمُونَ أُبَيّاتًــا نَــأَمتُ بِهــا _________________________
لا تَحسُــدُنّ عــلى أَن يَنـأَمَ الأَسـدا _________________________

مـــا ســـدكَت علَّــةٌ بمَــورُودِ _________________________
أكـــرَمَ مــن تَغلِــبَ بْــنِ داوُدِ _________________________

حَسَـم الصُلـحُ مـا اشـتَهَتْه الأَعـادِي _________________________
وأَذاعَتْــــهُ أَلسُـــنُ الحُسَّـــادِ _________________________

جــاءَ نيروزنــا وأَنــتَ مُــرادُهْ _________________________
ووَرَت بـــــالَّذي أرادَ زنــــادُهُ _________________________

أوَدُّ مـــنَ الأيَّــامِ مــا لا تَــوَدُّهُ _________________________
وأشــكُو إلَيهــا بَينَنـا وَهْـيَ جُـندُهُ _________________________

أَقَــلُّ فَعــالي بَلْــهَ أَكـثَرَهُ مَجـدُ _________________________
وذا الجِـدُّ فيـه نِلْـتُ أَمْ لـم أَنَـلْ جَدُّ _________________________

أَمَّــا الفِــراقُ فإِنــهُ مــا أَعْهـدُ _________________________
هُــوَ تَــوْأَمي لَــوْ أنَّ بَيْنًـا يُولَـدُ _________________________

كــم قَتيــل كَمــا قُتِلــتُ شـهيدِ _________________________
لبيـــاض الطُّــلَى ووَرْدِ الخــدود _________________________

فــارَقتُكُم فــإذا مــا كـانَ عِنـدَكُمُ _________________________
قَبــلَ الفِـراقِ أَذًى بَعْـدَ الفِـراقِ يَـدُ _________________________

لَقَـدْ حـازَني وَجْـدٌ بِمَـنْ حـازَهُ بُعـدُ _________________________
فَيــا لَيْتَنــى بُعْـدٌ ويـا لَيْتَـهُ وَجْـدُ _________________________

لكـل امـرئٍ مـن دَهـرِهِ مـا تَعـوَّدا _________________________
وَعـادةُ سَـيفِ الدولـةِ الطّعْنُ في العِدَى _________________________

عَــواذِلُ ذاتِ الخــالِ فِـيَّ حَواسِـدُ _________________________
وإِنَّ ضَجِــيعَ الخَــوَدِ مِنّـي لَمـاجِدُ _________________________

وَزِيـــارَةٍ عَــنْ غَــيْرِ مَوْعِــدْ _________________________
كــالغُمْضِ فــي الجَــفْنِ المُسَـهَّدْ _________________________

أزائِـــرٌ يـــا خيــالُ أمْ عــائِدْ _________________________
أمْ عِنـــدَ مَــولاكَ أنَّنــي راقِــدْ _________________________

مُحَـمدَ بْـنَ زُرَيـقٍ مـا نَـرى أحَـدًا _________________________
إذا فَقَدنــاكَ يُعْطــي قَبـلَ أنْ يَعِـدا _________________________

يــا مَــن رأَيــتُ الحَـلِيمَ وَغْـدا _________________________
بـــه وحُـــرَّ المُلــوكِ عَبْــدا _________________________

وَشــادنٍ رُوحُ مَـن يَهْـواهُ فـي يـده _________________________
سـيفُ الصُّـدودِ عـلى أَعْـلى مُقلَّـدِه _________________________

وسَــوداءَ مَنظُــومٍ عَلَيهــا لآلـئٌ _________________________
لَهـا صُـورةُ البِطِّيـخِ وَهْـي مِـنَ النَّدَّ _________________________

مـا الشّـوقُ مُقتَنِعًـا مِنِّـي بِـذا الكَمَـدِ _________________________
حَــتَّى أكــونَ بِـلا قَلْـبٍ ولا كَبِـدِ _________________________

اَليــومَ عَهْــدُكُمُ فــأَين الموَعِــدُ _________________________
هَيهــاتِ لَيسَ لِيَــومِ عَهْــدِكُمُ غَـدُ _________________________

الموضوع الأصلي : حياة المتنبي كاملة // المصدر : /منتديات رأس الوادي نت/ الكاتب: Admin



توقيع العضو: Admin

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معلومات العضو




معلومات إضافية
إحترام قوانين المنتدى إحترام قوانين المنتدى:
المهنة:
ذكر
السٌّمعَة: 57
عدد النقاط: 13620
معلومات الاتصال
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
مُساهمةموضوع: رد: حياة المتنبي كاملة السبت 17 سبتمبر 2011 - 15:09

حياة المتنبي كاملة
أُنْصُـر بِجـودِكَ ألفاظًـا تَـرَكتُ بِهـا _________________________
فـي الشَّـرقِ والغَربِ مَن عاداكَ مَكبوتا _________________________

أَمُســاوِر أم قَــرنُ شــمسٍ هــذا _________________________
أم لَيــثُ غــابٍ يَقــدم الأُســتاذا _________________________

الراء
إنّ الأًمـــيرَ أَدامَ اللـــهُ دَولَتَـــهُ _________________________
لَفــاخِرٌ كُسِــيَت فَخـرًا بِـهِ مُضَـرُ _________________________

بـادٍ هـواك صَـبَرت أَم لـم تصـبِرا _________________________
وبُكـاكَ إن لـم يَجْـرِ دَمْعـكَ أَو جَرَى _________________________

لا تُنكِـرنَّ رَحِـيلي عنـكَ فـي عَجَـلٍ _________________________
فــإِنني لِرَحــيلي غَــيرُ مختــار _________________________

اخــتَرْتُ دَهمــاءَ تَيْـنِ يـا مَطَـرُ _________________________
ومَــن لَــهُ فـي الفَضـائِلِ الخِـيَرُ _________________________

بِرجَــاءِ جُــودِكَ يُطــرَد الفَقــرُ _________________________
وبـــأَن تُعــادَى يَنفَــدُ العُمْــرُ _________________________

سِــرْ! حَــلَّ حَـيْثُ تَحُلُّـهُ النُـوُّارُ _________________________
وأَرادَ فِيـــكَ مُـــرادَكَ المِقــدارُ _________________________

أُطـاعِنُ خَـيْلا مِـنْ فَوارِسِـها الدَّهْـرُ _________________________
وَحِـيدًا ومـا قَـوْلي كَـذا ومَعي الصَّبرُ _________________________

وجاريـــةٍ شَـــعرُها شَـــطْرُها _________________________
مُحَكَّمَــــةٍ نــــافذٍ أَمْرُهــــا _________________________

زعَمـتَ أَنَّـكَ تَنفـي الظَـنَّ عن أًدَبي _________________________
وأَنْــتَ أَعظـمُ أَهْـلِ الأَرضِ مِقْـدارا _________________________

نــالَ الَّــذي نِلــتَ مِنْــهُ مِنِّـي _________________________
للـــه مـــا تصنَـــعُ الخــمُورُ _________________________

وَوَقْـتٍ وَفَـى بـالدَّهْرِ لـي عِنْـدَ سَيِّدٍ _________________________
وَفَــى لــي بِأَهْلِيــهِ وَزاد كَثِــيرا _________________________

أَنَشْــرُ الكِبــاءِ وَوَجْــهُ الأَمــيرِ _________________________
وحُسْــنُ الغِنــاءِ وصـافي الخُـمورِ _________________________

لا تَلُـــومَنَّ اليَهُـــوديَّ عـــلى _________________________
أَنْ يَــرَى الشَــمْسَ فَــلا يُنكِرُهـا _________________________

إِنَّمـــا أَحــفَظُ المَــدِيحَ بِعَينــي _________________________
لا بِقَلبــي لِمــا أَرَى فــي الأَمِـيرِ _________________________

تَــرْكُ مَدحِــيكَ كالهِجــاءِ لِنَفْسـي _________________________
وقَلِيـــلٌ لَــكَ المَــدِيحُ الكَثــيرُ _________________________

أَصبَحــتَ تَــأمُرُ بالحِجَـابِ لخِـلوَةٍ _________________________
هَيهـاتِ لسـتَ عـلى الحِجَـابِ بِقادِرِ _________________________

بُسَــيطَة مهْــلاً سُــقيتِ القِطـارا _________________________
تَــرَكْتِ عُيُــونَ عِبِيــدِي حَيـارَى _________________________

الصّـوم والفِطـرُ والأَعيـادُ والعُصُـرُ _________________________
مُنــيرةٌ بِـكَ حـتى الشَّـمسُ والقَمَـرُ _________________________

ظُلـمٌ لِـذا اليَـومِ وَصـفٌ قَبـلَ رُؤيتهِ _________________________
لا يَصـدُقُ الـوَصفُ حَتى يَصدُقَ النَظَرُ _________________________

عَذِيــري مـن عَـذارَى مـن أمُـورِ _________________________
سَــكَنَّ جَوانحــي بــدَلَ الخُـدُورِ _________________________

أريقُــكِ أم مــاءُ الغَمَامَـةِ أَم خَـمرُ _________________________
بِفـيَّ بَـرُودٌ وَهـوَ فـي كَبِـدي جَـمرُ _________________________

بقيـــة قَـــوْمٍ آذَنُـــوا بِبَــوار _________________________
وأنضــاءُ أســفارٍ كشَـربِ عُقـارِ _________________________


طِــوالُ قَنــاً تُطاعِنُهــا قِصــارُ _________________________
وقَطــرُكَ فـي نَـدًى ووَغًـى بِحـارُ _________________________

أَلآلِ إبـــراهيمَ بَعـــدَ محـــمدٍ _________________________
إلا حَــــنينٌ دائِـــمٌ وزفـــيرُ _________________________

مَـرَتْكَ ابـن إِبـراهيمَ صافيـة الخَـمر _________________________
وَهُنِّئْتَهـا مِـن شـارِبٍ مع مُسْكِر السُّكرِ _________________________

أَرَى ذلِــكَ القُــربَ صـارَ ازوِرارا _________________________
وَصــارَ طَــوِيلُ السـلامِ اختِصـارا _________________________

إنّـــي لأعلَــمُ وَاللبيــبُ خــبيرُ _________________________
أَنَّ الحيَــاةَ وإِنْ حَــرصْتُ غُــرورُ _________________________

رِضــاكَ رِضــايَ الــذي أُوثِــرُ _________________________
وســـرُّكَ سِــرِّي فمــا أظهــرُ _________________________

غــاضَت أنامِلُــهُ وهُــنَّ بُحــورُ _________________________
وخَــبَت مَكــايِدُهُ وَهُــنُّ سَــعيرُ _________________________

حاشَــى الــرقيبَ فَخانَتْـهُ ضَمـائِرُهُ _________________________
وغَيَّــضَ الــدمعَ فَـانْهَلَّتْ بَـوادِرُه _________________________

الزاي
كَفِرِنْــدي فرِنْــدُ سَــيْفي الجُـرازِ _________________________
لَـــذَّةُ العَيْـــنِ عُــدَّةٌ لِلــبِرازِ _________________________

السين
يَقِــل لَــهُ القيـامَ عـلى الـرؤوسِ _________________________
وبــذل المكْرَمــاتِ مِــنَ النُفُـوس _________________________

أَلا أَذِّنْ فَمـــا أَذكـــرتَ ناســي _________________________
وَلا ليَّنـــتَ قلبًــا وَهــوَ قــاسِ _________________________

هــذِه بَـرزْتِ لنـا فَهِجـتِ رَسيسَـا _________________________
ثــم انْثَنَيــتِ ومـا شَـفيتِ نَسيسَـا _________________________

ألـــذُّ مِــنَ المُــدامِ الخــنَدَريس _________________________
وأحْــلى مِــنْ مُعاطــاةِ الكُـؤوسِ _________________________

أَنــوَكُ مِــن عَبــدٍ ومِـن عِرسِـهِ _________________________
مَــن حَــكَّمَ العَبــدَ عــلى نفسِـهِ _________________________

أَظَبيَــةَ الوَحْـشِ لَـولا ظَبيَـةُ الأَنسِ _________________________
لَمَـا غَـدَوْت بِجـد فـي الهَـوى تَعس _________________________

أَحَـــبُّ امـــرَئ حَــبَّتِ الأَنفُس _________________________
وأَطيَـــبُ مـــا شَـــمَّه مُعطِسُ _________________________

الشين
مَبِيتــي مـن دِمَشـق عـلَى فِـراشِ _________________________
حَشــاهُ لــي بِحَـرِّ حَشـاي حـاشِ _________________________

الضاد
مَضَـى الليلُ والفَضلَ الذي لَكَ لا يَمضي _________________________
ورُؤيـاكَ أَحْـلى في العُيونٍ مِنَ الغُمضِ _________________________

إذا اعتَـلَّ سَـيفُ الدَولةِ اعتلَّتِ الأَرضُ _________________________
ومَـن فَوقَهـا والبـأسُ والكَرَمُ المَحضُ _________________________

فَعَلَــتْ بِنـا فِعـلَ السَـماءِ بأَرضِـه _________________________
خِــلَعُ الأَمِــيرِ وحَقَّـهُ لـم نَقضِـهِ _________________________

العين
غَــيرِي بـأكثَرِ هـذا النـاس يَنخَـدِعُ _________________________
إن قــاتَلُوا جَـبنُوا أو حَـدَّثُوا شَـجُعُوا _________________________

بـــأبِي مَــن وَدِدْتُــه فَافتَرَقْنــا _________________________
وقَضَــى اللــه بَعْــدَ ذاكَ اجْتِمَاعـا _________________________

لا عَــــدِمَ المُشَـــيِّعَ المُشَـــيَّعُ _________________________
لَيــتَ الرِيــاحَ صُنَّـعٌ مـا تصنَـعُ _________________________

شــوقي إِلَيـكَ نَفـى لَذيـذَ هُجـوعي _________________________
فــارَقتني وأقــامَ بَيــنَ ضُلـوعي _________________________

مُلــثَّ القَطــرِ أعطِشــها رُبوعـا _________________________
وَإلا فاســـقها السُّـــمَّ النقيعـــا _________________________

أرَكـــائِبَ الأًحْبــابِ إنَّ الأدْمُعــا _________________________
تَطِسُ الخُــدودَ كمـا تَطِسْـنَ اليَرْمَعـا _________________________

الحُــزنُ يُقلِــقُ والتَجَــمُّلُ يَـردَعُ _________________________
والــدَمعُ بَينَهُمــا عَصِــيُّ طَيِّــعُ _________________________

حُشاشَــة نَفس وَدعَـت يـومَ وَدَّعـوا _________________________
فلـــم أَدْر أي الظــاعنَيْنِ أُشَــيِّعُ _________________________

الموضوع الأصلي : حياة المتنبي كاملة // المصدر : /منتديات رأس الوادي نت/ الكاتب: Admin



توقيع العضو: Admin

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معلومات العضو




معلومات إضافية
إحترام قوانين المنتدى إحترام قوانين المنتدى:
المهنة:
ذكر
السٌّمعَة: 57
عدد النقاط: 13620
معلومات الاتصال
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
مُساهمةموضوع: رد: حياة المتنبي كاملة السبت 17 سبتمبر 2011 - 15:10

حياة المتنبي كاملة
الفاء
ومُنتَسِــبٍ عِنـدِي إلـى مَـن أُحِبُّـهُ _________________________
ولِلنَبْــلِ حَـولي مـن يَدَيـهِ حَـفِيفُ _________________________

أهــوِن بطــولِ الثــواءِ والتَّلـفِ _________________________
والسِّــجنِ والقَيــدِ يــا أبـا دُلَـفِ _________________________

مــوقِعُ الخَــيلِ مـن نَـداكَ طَفِيـفُ _________________________
وَلَــوَ أنَّ الجيــادَ فيهــا أُلــوفُ _________________________

لِجِنّيّــةٍ أمْ غــادَةٍ رُفــعَ السَّـجْفُ _________________________
لِوَحْشِــيَّةٍ لا مــا لِوَحْشِــيَّة شَـنْفُ _________________________

أَعـــدَدُت لِلغـــادرينَ أســـيافَا _________________________
أجـــدعُ مِنهُـــم بِهِـــنَّ آنافــا _________________________

بِـــهِ وبِمِثلِــهِ شُــقَّ الصُّفــوفُ _________________________
وَزلّــت عــن مُباشِـرِها الحُـتُوفُ _________________________

القاف
تَذَكَّــرتُ مـا بَيـنَ العُـذَيبِ وبـارِقِ _________________________
مَجَــرَّ عَوالينــا ومَجْـرَى السَـوابِقِ _________________________

أرَق عـــلى أرَقٍ وَمثــلي يَــأرَقُ _________________________
وجَــوًى يَزيــدُ وَعَــبرَة تَـتَرَقرَقُ _________________________

سَــقاني الخـمْرَ قَـولك لـي بِحَـقّي _________________________
وودٌّ لـــم تَشُـــبْهُ لــي بمَــذْقِ _________________________

وذاتِ غَدائِـــرٍ لا عَيـــب فيهــا _________________________
سِـــوَى أَنْ لَيسَ تَصلُــحُ للعِنــاقِ _________________________

أيَّ مَحَـــــــلٍّ أَرتَقــــــي _________________________
أيَّ عظيـــــــمٍ أتَّقِــــــي _________________________

وَجَــــدْتُ المُدامَـــةَ غَلابَـــةً _________________________
تُهيِّــــجُ لِلقَلْــــبِ أَشـــواقَهُ _________________________

هُـوَ البَيْـنُ حَـتى مـا تـأنّى الحزَائِقُ _________________________
ويـا قَلْـبُ حَـتى أنْـتَ ممـن أفـارِقُ _________________________

قـالوا لنـا: مـاتَ إسْـحقٌ! فقُلتُ لَهُم: _________________________
هـذا الـدَواءُ الـذي يَشـفِي منَ الحُمُقِ _________________________

أَتراهــــا لِكَــــثرة العُشَّـــاقِ _________________________
تَحسَــبُ الــدّمعَ خِلقـةً فـي المـآقِ _________________________

أيَـــدرِي الـــرَبْعُ أَيَّ دَمٍ أَراقــا _________________________
وأَيَّ قُلــوبِ هــذا الــرَكْبِ شـاقا _________________________

لعينَيـك مـا يَلقَـى الفـؤَاد وَمـا لَقِـي _________________________
ولِلحُـبِّ مـا لـم يبـقَ مِنِّـى وَما بقِي _________________________

لامَ أُنـــاس أَبــا العَشــائِرِ فــي _________________________
جُــودِ يَدَيــهِ بِــالعَينِ والــورَقِ _________________________

مــا لِلمُــرُوج الخُـضرِ والحَـدائِقِ _________________________
يَشْــكُو خَلاهــا كَــثْرةَ العــوائِقِ _________________________

الكاف
فِـدًى لَـكَ مَـن يقصِّـرُ عَـن مَداكـا _________________________
فَــــلا مَلِـــكٌ إذَنْ إِلاّ فَداكـــا _________________________

لَئِــن كــانَ أَحسَــنَ فـي وَصفِهـا _________________________
لَقـد فاتَـه الحُسـنُ فـي الـوَصفِ لَكْ _________________________


يــا أيهــا المَلِــكُ الـذي نُدمـاؤه _________________________
شُــرَكاؤُه فــي مِلْكِــهِ لا مُلكِــهِ _________________________

تُهَنّـــا بصُــورٍ أَمْ نهَنئُهــا بِكــا _________________________
وقَـلّ الـذي صُـورٌ وأنْـتَ لـهُ لَكـا _________________________

لــم تَــرَ مَــنْ نــادَمتُ إلاكــا _________________________
لا لِســــوى وُدِّك لـــي ذاكـــا _________________________

أَنــــا عــــاتِبٌ لتعَتُّبِــــكْ _________________________
متعَجّـــــــبٌ لِتَعَجُّــــــبِك _________________________

بَكَـيتُ يـا رَبـعُ حَـتَّى كِـدتُ أُبكيكـا _________________________
وجُــدتُ بـي وبـدَمعي فـي مَغانيكـا _________________________

إِن هــذا الشِـعرَ فـي الشِـعرِ مَلَـكْ _________________________
ســارَ فَهْــوَ الشَـمسَ والدُنيـا فَلَـكْ _________________________

قَــدْ بَلَغْـتَ الَّـذي أَردْتَ مِـنَ الـبِرِّ _________________________
ومِــن حَــقِّ ذا الشّــرِيفِ عَلَيكـا _________________________

رُبَّ نجــيع بسـيفِ الدَولـةِ انسَـفَكا _________________________
ورُبَّ قافيــةٍ غــاظَت بِــهِ مَلِكــا _________________________

أَمَــا تَــرى مــا أَراهُ أيهـا الملَـكُ _________________________
كأننــا فـي سـماءٍ مـا لهـا حُـبكُ




اللام

أبْعـــدُ نــأيِ المَليحَــةِ البَخَــلُ _________________________
فــي البُعْــدِ مــا لا تكَـلُّفُ الإبِـلُ _________________________

عَزيـزُ إِسًـا مَـن داؤُهُ الحَـدَق النُّجـلُ _________________________
عَيـاءٌ بِـهِ مـاتَ المحـبُّونَ مِـن قَبل _________________________

بَقــائي شــاءَ لَيسَ هُــمُ ارتِحـالا _________________________
وحُســنَ الصــبرِ زمُّـوا لا الجِمـالا _________________________

أَحيـا وَأَيسَـرُ مـا قاسـيتُ مـا قَتَـلا _________________________
وَالبَيْـنُ جـارَ عـلى ضُعفـي وما عَدَلا _________________________

ومَـــنْزِل لَيْسَ لَنـــا بِمَـــنزل _________________________
ولا لِغَـــيرِ الغادِيـــاتِ الهُطــلِ _________________________

قِفــا تَرَيــا ودْقـي فهاتـا المخـايِلُ _________________________
وَلا تخشَــيا خُلفًــا لمـا أنـا قـائِلُ _________________________

صِلَـةُ الهَجْـرِ لـي وهَجْـرُ الوِصـالِ _________________________
نَكَســاني فـي السُّـقْمِ نُكْـسَ الهِـلالِ _________________________

فـي الخَـد أَن عَـزَمَ الخَـليطُ رَحـيلا _________________________
مَطَــرٌ تَزيــدُ بـهِ الخُـدودُ مُحـولا _________________________

أَرَى حُـــلَلاً مُطَـــواةً حِســـاناً _________________________
عَـــدَاني أَنْ أَراكَ بهــا اعْتِلالــي _________________________

عَــذَلَت مُنَادَمَــةُ الأَمــيرِ عَـواذِلي _________________________
فـي شُـربها وكـفَتْ جَـوابَ السـائلِ _________________________

بَــدرٌ فتــىً لـو كـانَ مـن سـؤّالِهِ _________________________
يومــاً تَوَفّــرَ حَظُّــهُ مــن مالِـهِ _________________________

أحْــبَبت بِــرَّكَ إذا أرَدْتَ رَحــيلا _________________________
فَوَجَــدتُ أكــثر مـا وَجـدْتُ قليـلا _________________________

قـــد أُبــتُ بالحاجــةِ مَقضِيَّــةً _________________________
وعِفْــتُ فــي الجَلْسَــةِ تَطْويلَهــا _________________________

قَــد شَــغلَ النــاسَ كَـثرةُ الأمَـل _________________________
وأَنــتَ بِالمَكْرُمــاتِ فــي شُــغُلِ _________________________

مُحِــبي قِيــامي مـا لِـذلِكُمُ النصـل _________________________
بَريئـاً مِـنَ الجرحـى سـليماً مِنَ القَتلِ _________________________

لا تَحْســنُ الوَفْــرَة حَــتى تـرى _________________________
مَنْشــورَةَ الضفْــرَيْنِ يَــومَ القتـالْ _________________________

لَيــالِيَّ بَعــدَ الظــاعِنِينَ شُــكُولُ _________________________
طِــوالٌ ولَيــلُ العاشِــقِينَ طَـوِيلُ _________________________

إلامَ طَماعِيَــــــةُ العـــــاذِلِ _________________________
وَلا رأيَ فـــي الحُـــبِّ لِلعــاقِلِ _________________________

أَعـلى الممـالِك مـا يُبنَـى على الأسَلِ _________________________
والطعــنُ عِنــدَ مُحِــبِّيهنَّ كـالقُبَلِ _________________________

بِنَـا مِنـكَ فَـوقَ الرَملِ ما بِك في الرَملِ _________________________
وهـذا الـذي يُضنـي كـذاكَ الذي يُبلي _________________________

لا الحُــلمُ جــادَ بِــه ولا بِمِثالِــهِ _________________________
لـــولا اذِّكــارُ وَداعِــه وزيالــهِ _________________________

يُــــؤَمِّمُ ذا الســــيفُ آمالَـــهُ _________________________
وَلا يَفعَـــلُ الســـيفُ أَفعالَـــهُ _________________________

أَيَقـــدحُ فــي الخَيْمَــةِ العُــذّلُ _________________________
وتَشــمَل مَــن دَهرَهــا يَشــمَلُ _________________________

أَجـابَ دَمْعـي ومـا الداعي سِوَى طَلَلِ _________________________
دَعــا فلَبَّــاهُ قَبـلَ الـرَكْبِ والإِبِـلِ _________________________

عِشِ ابْـــقَ اســـمُ ســدْ جُــد _________________________
قُــدْ مُــرِ انــهَ اسْـر فُـهْ تُسَـل _________________________

وَصفــتَ لَنــا وَلَــم نَـرَهُ سِـلاحًا _________________________
كــأَنكَ واصِــفٌ وَقــتَ الــنِّزالِ _________________________

شــدِيدُ البُعـد مـن شُـرْبِ الشَّـمُولِ _________________________
تُــرُنجُ الهِنــدِ أَو طَلــعُ النَخِــيلِ _________________________

نُعـــدُّ المَشـــرَفيَّةَ والعَـــوالي _________________________
وتَقتُلُنـــا المَنُــونُ بِــلا قِتــالِ _________________________

إن كُــنت عـن خَـيرِ الأَنـامِ سـائِلا _________________________
فَخَـــيرُهم أَكـــثَرُهُم فَضـــائِلا _________________________

أَتَيــتُ بِمَنطِــقِ العَـرَبِ الأَصِيـلِ _________________________
وَكــانَ بِقَــدرِ مــا عـايَنتُ قِيـليِ _________________________

دروعِ لمَلْــك الـرُوم هـذي الرَسـائِلُ _________________________
يَــرُدُّ بهــا عــن نَفسِـهِ ويُشـاغِلُ _________________________

فُــدِيتَ بمــاذا يُسَــرّ الرَســولُ _________________________
وأَنــتَ الصَحــيحُ بِــذا لا العَلِيـلُ _________________________

إِنْ يَكُــنْ صَـبْرُ ذي الرَزِيئَـةِ فَضْـلا _________________________
تَكُــنِ الأَفضَــلَ الأَعَــزَّ الأَجَــلاّ _________________________

ذِي المَعــالِي فَلْيَعْلُــوَنْ مَـن تَعـالَى _________________________
هكــــذا هكـــذا وإِلا فـــلا لا _________________________

مــا لَنــا كُلنــا جَـوٍ يـا رَسُـولُ _________________________
أنـــا أهــوَى وقَلبُــكَ المتبُــولُ _________________________

فَهِمـــتُ الكِتــابَ أبَــرَّ الكُــتُب _________________________
فسَـــمْعًا لأِمــرِ أمِــيرِ العَــرَبْ _________________________

لا خــيلَ عنــدَك تُهدِيهـا ولا مـال _________________________
فَليُسـعِدِ النطـق إن لـم تُسـعِد الحـالُ _________________________

أَتحـــلِف لا تكَـــلِّفُني مسِـــيراً _________________________
إِلــى بَلَــدٍ أُحــاوِلُ فيــهِ مـالا _________________________

كَدعـواك كُـل يَـدَعي صِحـةَ العَقـلِ _________________________
ومَـن ذا الـذي يَـدري بِما فيهِ مِن جَهل _________________________

إثْلـــثْ فإنَّـــا أيُّهـــا الطَّلَــلُ _________________________
نَبكِـــي وتُــرزِمُ تَحتَنــا الإبِــلُ _________________________

لَقِيــــتَ العُفــــاةَ بِآمالِهــــا _________________________
وزُرتَ العُـــــداةَ بِآجالِهـــــا _________________________

مـــا أجــدَرَ الأيــامَ واللَّيــالي _________________________
بِــأنْ تقُــولَ مــا لَـهُ ومـا لِـي _________________________

رَوَيــدَكَ أيُّهــا المَلِــكُ الجَــلِيلُ _________________________
تَـــأَن وعُـــدَّهُ مِمَّـــا تُنِيــلُ _________________________

لَـكِ يـا مَنـازِلُ فـي القُلـوبِ مَنازِلُ _________________________
أَقفَــرتِ أَنْـتِ وهُـنّ مِنـكِ أَواهِـلُ _________________________

لا تَحسَـــبُوا رَبْعَكـــم ولا طَلَلــه _________________________
أوّلَ حَــــيٍّ فِــــراقُكم قَتَلـــهْ _________________________

أَتــاني كَـلامُ الجـاهِلِ ابـنِ كَـيَغلَغٍ _________________________
يَجُــوبُ حُزونًــا بيْنَنَــا وسُـهولا _________________________

أَمــاتَكُمُ مِــن قبْـلِ مَـوْتِكُمُ الجَـهْلُ _________________________
وجَــرَّكُمُ مِــنْ خِفَّــةٍ بِكُـمُ النَّمـلُ _________________________

يــا أَكْــرَمَ النــاسِ فــي الفِعـالِ _________________________
وأَفْصَــحَ النــاسِ فــي المَقــال _________________________

الموضوع الأصلي : حياة المتنبي كاملة // المصدر : /منتديات رأس الوادي نت/ الكاتب: Admin



توقيع العضو: Admin

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معلومات العضو




معلومات إضافية
إحترام قوانين المنتدى إحترام قوانين المنتدى:
المهنة:
ذكر
السٌّمعَة: 57
عدد النقاط: 13620
معلومات الاتصال
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
مُساهمةموضوع: رد: حياة المتنبي كاملة السبت 17 سبتمبر 2011 - 15:18

حياة المتنبي كاملة
الميم
أنــا لائِـمي إِنْ كُـنْتُ وَقْـتَ اللَّـوائِم _________________________
عَلمْـتُ بِمـا بـي بيْـنَ تِلْـكَ المَعـالِمِ _________________________

أَبــا عبــدِ الإِلــهِ مُعــاذ: إِنّـي _________________________
خَــفِيٌّ عَنــكَ فـي الهَيجـا مَقـامي _________________________

ذِكَـــرُ الصِبَــى ومَــراتَعِ الآرامِ _________________________
جَـلَبَتْ حِمـامِي قَبـلَ وَقـتِ حِمـامي _________________________

عُقَبـى اليَمِيـنِ عـلى عُقَبى الوَغَى نَدَمُ _________________________
مــاذا يَزِيــدُكَ فـي إِقـدامِكَ القَسَـمُ _________________________

قــد سَـمِعنا مـا قُلـتَ فـي الأَحـلامِ _________________________
وأَنَلْنـــاكَ بَـــدْرةً فــي المَنــامِ _________________________

حُــيِّيْتَ مِــنْ قَسَـمٍ وأَفْـدِي مُقْسِـما _________________________
أَمْســى الأَنــامُ لـهُ مُجِـلاًّ مُعْظِمـا _________________________

أَيــا رامِيــاً يُصمِـي فُـؤَادَ مَرامِـه _________________________
تُــرَبِّي عِــداهُ رِيشَــها لِسِــهامِهِ _________________________

أَراعَ كَـــذا كُــلَّ الأَنــامِ هُمــامُ _________________________
وسَــحَّ لــهُ رُسْـلَ المُلـوكِ غَمـامُ _________________________

عَـلَى قَـدْرِ أَهـلِ العَـزمِ تَأتِي العَزائِمُ _________________________
وتَــأتِي عَـلَى قَـدْرِ الكِـرامِ المَكـارِمُ _________________________

إذا مـا شَـرِبتَ الخَـمرَ صِرفًـا مُهَنًّـأ _________________________
شَـرِبْنا الَّـذي مِـن مِثلِـهِ شَرِبَ الكَرمُ _________________________

ضيــفٌ ألَـمَّ بِرأسـي غَـيرَ مُحْتَشِـمِ _________________________
السَّــيفُ أحسَـنُ فِعْـلاً مِنْـهُ بـاللَّمَمِ _________________________

مــا نَقَلَــت عِنْــدَ مَشــيةٍ قَدَمَـا _________________________
ولا اشــتَكَتْ مــن دُوارِهــا أَلَمـا _________________________

ملومُكُمـــا يَجــلُّ عــن المــلامِ _________________________
ووَقـــعُ فَعالِــهِ فَــوقَ الكَــلامِ _________________________

حَتَّـامَ نَحـنُ نُسـارِي النَّجـمَ في الظُلَمِ _________________________
ومــا سُــراهُ عـلى خُـفٍّ وَلا قَـدَمِ _________________________

يُذكِّــــرُني فاتِكــــا حلمُـــه _________________________
وشَــيء مــنَ النَــد فيــهِ اسـمهُ _________________________

وَأَخٍ لنــا بعَــث الطــلاقَ أَلِيَّــةً _________________________
لأُعَلَّلَــــنَ بهـــذِهِ الخُـــرْطومِ _________________________

مِـن أيَّـةِ الطُـرْقِ يَـأتي مِثلَـكَ الكَرَمُ _________________________
أيــنَ المَحــاجِمُ يـا كـافُورُ وَالجَـلَمُ _________________________

أمَــا فــي هــذه الدُنيــا كَــرِيمُ _________________________
تَــزُولُ بِــهِ عَـنِ القلـبِ الهُمـومُ _________________________

لا افتِخـــارٌ إِلا لِمَـــنْ لا يُضــامُ _________________________
مُـــدرِك أَو مُحـــارِبٍ لا يَنــامُ _________________________

إلـى أَيّ حـين أنـت فـي زِيّ مُحـرِم _________________________
ِ وحَـتى مَتَـى فـي شـقوَةٍ وإلـى كَمِ _________________________

كُـفّي ! أَرانـي، وَيْـكِ، لَـوْمَكِ ألومـا _________________________
هَــم أقــامَ عــلى فــؤاد أَنجَمَـا _________________________

أَلاَ لا أُرِي الأَحــداث مَدحًـا ولا ذَمَّـا _________________________
فمــا بَطشُـها جَـهلاً ولا كَفُّهـا حِلْمـا _________________________

قَـدْ صَـدَقَ الـوردُ فـي الـذي زَعَمـا _________________________
أَنـــكَ صَـــيرتَ نَــثْرَهُ دِيَمــا _________________________

فِــراقٌ ومَــنْ فـارَقْتُ غَـيرُ مُـذَمَّمِ _________________________
وأَمٌ ومَــنْ يَممــت خَــيْرُ مُيَمَّــمِ _________________________

رَوينــا يــا ابـنَ عَسْـكرٍ الهُمامـا _________________________
ولــم يَــترُك نَــداكَ لَنــا هُيامـا _________________________

وَاحَــرَّ قَلبــاهُ مِمَّــن قَلْبُـهُ شَـبِمُ _________________________
ومَــن بِجِسـمي وَحـالي عِنْـدَهُ سَـقَمُ _________________________

أحَـــقُّ عــافٍ بِــدَمعِكَ الهِمــمُ _________________________
أَحــدَثُ شَــيءٍ عَهـداً بِهـا القِـدَمُ _________________________

فُـــؤادٌ مـــا تُسَـــلِّيهِ المُــدامُ _________________________
وعُمْــرٌ مِثــلُ مــا تَهَـبُ اللّئـامُ _________________________

أجــارُكِ يـا أُسْـدَ الفَـراديسِ مُكْـرَمُ _________________________
فتَسْــكُنَ نَفْســي أمْ مُهــانٌ فمُسْـلَمُ _________________________

أَعَــنْ إذنــي تَمُـرّ الـريحُ رَهـوًا _________________________
ويَســرِي كُلمــا شِــئتُ الغَمــامُ _________________________

إِذا كــانَ مــدحٌ فالنَّســيبُ المُقَـدَّمُ _________________________
أَكُــلُّ فصيــحٍ قــالَ شِـعرًا مَتَيَّـمُ _________________________

مَلامـي النـوى فـي ظُلمِها غايَةُ الظلمِ _________________________
لَعَـل بهـا مثْـل الـذي بـي مِنَ السُّقْمِ _________________________

أنــا مِنْــكَ بَيـن فَضـائِلٍ ومكـارِمِ _________________________
ومِــنِ ارتيــاحِكَ فـي غَمـامٍ دائِـمِ _________________________

وَفاؤُكمــا كــالرَبعِ أشـجاهُ طاسِـمُهْ _________________________
بــأن تُسـعِد والـدَمعُ أشـفاه سـاجِمُهْ _________________________

أيــنَ أزمَعــتَ أيُّ هــذا الهُمــامُ _________________________
نَحــن نَبـتُ الـرُّبى وأَنـتَ الغمـامُ _________________________

إِذا غــامَرْتَ فــي شَــرَفٍ مَـرُومِ _________________________
فَـــلا تَقْنَــعْ بِمــا دُونَ النُّجــومِ _________________________

غَـــيرُ مُســتَنكَرٍ لَــكَ الإِقــدامُ _________________________
فَلِمَـــنْ ذا الحَـــدِيثُ والإِعــلامُ _________________________

المَجْــدُ عُـوفِي إِذ عُـوفِيتَ والكَـرمُ _________________________
وَزالَ عَنــكَ إلــى أَعــدائكَ الأَلَـمُ _________________________

وَلا عَيْــبَ فِيهِـم غَـيرَ أَنّ سُـيُوفَهُم _________________________
بِهِــنَّ فُلــولٌ مـن قِـراعِ الكَتـائِبَ _________________________

نَـرى عِظَمـاً بـالبَيْنِ والصَّـدُّ أَعْظَـمُ _________________________
ونَتَّهِــمُ الواشــينَ والــدَّمْعُ مِنهُـمُ _________________________

النون
كَــتَمتُ حُـبكِ حَـتَّى مِنـكِ تَكرمَـةً _________________________
ثُـم اسـتَوى فيـهِ إسـراري وإعلانـي _________________________

قُضاعَــةُ تَعلَــمُ أَنّــي الفَتـى الّـ _________________________
ذي ادَّخَــرَتْ لِصــروف الزَّمــانِ _________________________

جَــزَى عَرَبـاً أَمسـت بِبُلْبيسَ رَبُّهـا _________________________
بِمسْــعاتِها تَقْــرر بِــذاكَ عُيونهـا _________________________

نـزُورُ دِيـارًا مـا نُحِـبُّ لَهـا مَغنَـى _________________________
ونَســأَلُ فيهـا غَـيرَ سـاكِنها الإذنـا _________________________

مَغـانِي الشِّـعبِ طِيبـاً فـي المغَـانِي _________________________
بِمَنزِلــةِ الــرَبيعِ مــنَ الزَمــانِ _________________________

أبْـلى الهَـوى أسـفاً يَـوْمَ النًّوى بَدني _________________________
وفَـرقَ الهَجْـرُ بَيْـنَ الجـفنِ والوَسَـنِ _________________________

لَـــو كَــانَ ذا الآكــلُ أَزْوادَنــا _________________________
ضيفــــاً لأوْســـعناهُ إِحسَـــانا _________________________

يــا بَــدرُ إِنَّـكَ والحـدِيثُ شُـجُونُ _________________________
مَــنْ لــم يَكُــنْ لِمِثالِــهِ تَكْـوينُ _________________________

زالَ النَّهــارُ ونُــورٌ مِنْـكَ يُوهِمُنـا _________________________
أَنْ لــم يَـزُلْ ولجِـنْحِ اللَّيْـلِ إِجْنـانُ _________________________

أَفـاضِلُ النـاسِ أَغْـراضٌ لَـدَى الزَّمَنِ _________________________
يَخـلُو مِـنَ الهَـمِّ أَخـلاهُم مِـنَ الفِطَنِ _________________________

اَلحُــبُّ مــا مَنَـعَ الكَـلامَ الأَلسـنا _________________________
وأَلَــذُّ شَــكوَى عاشـقٍ مـا أَعْلَنـا _________________________

اَلــرَأْيُ قَبــلَ شَــجَاعَةِ الشُـجعانِ _________________________
هُــوَ أَوَّلٌ وَهِــيَ المَحَــلُّ الثـاني _________________________

إذا مــا الكَــأسُ أَرعَشَــتِ اليَـدَينِ _________________________
صَحَــوت فلـم تَحُـل بَينـي و بَينـي _________________________

قَــد علّـم البَيـن مِنـا البَيـنَ أَجفانـا _________________________
تَـدمَى وأَلَّـفَ فـي ذا القَلـب أَحْزانـا _________________________

مـــا أَنـــا والخَــمر وبطِّيخــةً _________________________
سَــوداءَ فـي قِشـرٍ مِـنَ الخَـيزُرانْ _________________________

حَجَّــبَ ذا البحــرَ بحــارٌ دُونَــهُ _________________________
يَذُمُّهــــا النـــاسُ ويَحمَدُونَـــهُ _________________________

بِــمَ التَعَلُّــلُ لا أَهــلٌ وَلا وَطَـنُ _________________________
وَلا نَـــدِيمٌ وَلا كَــأس وَلا سَــكَنُ _________________________

صَحــب النــاسُ قَبلَنـا ذا الزَمانـا _________________________
وعَنــاهُم مــن شــأنِهِ مـا عَنانـا _________________________

عَـــدُوكَ مَذمُــومٌ بكُــلِّ لِســانِ _________________________
ولَــو كَــانَ مـن أَعـدائِكَ القَمَـرانِ _________________________

ثِيــابُ كَـرِيمٍ مـا يَصُـونُ حِسـانَها _________________________
إذا نُشِــرَتْ كـانَ الهِبـاتُ صِوانَهـا _________________________

الهاء
النّــاسُ مــا لَــم يَــرَوكَ أَشـباهُ _________________________
والدّهـــرُ لَفــظ وأَنــتَ مَعْنــاهُ _________________________

أغلَــبُ الحَــيّزَينِ مـا كُـنتَ فيـهِ _________________________
ووَلِـــيُّ النَمــاءِ مَــن تَنْميــهِ _________________________

أحَــقُّ دارٍ بِــأَن تُــدعَى مُبارَكـةً _________________________
دارٌ مُبارَكــةُ المَلــك الــذي فِيهـا _________________________

أَنــا بالوُشــاةِ إذا ذكــرتُكَ أَشـبهُ _________________________
تــأْتي النَـدَى ويُـذاعُ عَنـك فتَكـرَهُ _________________________

قَــالُوا أَلَــم تَكنِــهِ فَقُلــتُ لهـم: _________________________
ذلِــــكَ عِــــيٌّ إذا وصفنـــاهُ _________________________

أَوْهِ بَـــدِيلٌ مــن قَــولتِي واهــا _________________________
لَمِــنَ نــأَت والبَــدِيلُ ذِكراهــا _________________________

أَهـــلاً بِــدارٍ سَــباكَ أغيَدُهــا _________________________
أَبعَــد مــا بَــانَ عَنــكَ خُرَّدُهـا _________________________

لَئِــنْ تَــكُ طَيِّــىءٌ كَـانَت لِئَامـاً _________________________
فَألأمهــــا ربيعَـــةُ أَو بنـــوه _________________________

الياء
كَـفَى بِـكَ داءً أن تَـرى المَـوتَ شافِيَا _________________________
وحَسْــبُ المَنايــا أنْ يَكــنَّ أمانِيـا _________________________

أُرِيـكَ الـرِضَى لَـو أخَفتِ النَفسُ خافِيا _________________________
ومـا أنـا عـن نَفسِـي وَلا عَنكَ رَاضِيا _________________________

الموضوع الأصلي : حياة المتنبي كاملة // المصدر : /منتديات رأس الوادي نت/ الكاتب: Admin



توقيع العضو: Admin

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معلومات العضو




معلومات إضافية
إحترام قوانين المنتدى إحترام قوانين المنتدى:
المهنة:
ذكر
السٌّمعَة: 57
عدد النقاط: 13620
معلومات الاتصال
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
مُساهمةموضوع: رد: حياة المتنبي كاملة السبت 17 سبتمبر 2011 - 15:20

حياة المتنبي كاملة
اللام
إِذا قيــلَ رِفقًـا قـالَ للِحـلمِ مَـوضِعٌ _________________________
وَحِـلمُ الفَتـى فـي غَـيرِ مَوضِعِهِ جَهْلُ _________________________

* * *
أبْلَــغُ مـا يُطلَـبُ النَّجـاحُ بـهِ الـ _________________________
طَّبـــعُ وَعِنْــدَ التعَمُّــقِ الــزَّلَلُ _________________________

* * *
ومَــنْ يَــكُ ذا فَــمٍ مُـرٍّ مَـريضٍ _________________________
يَجــد مُــرّاً بــه المـاءَ الـزُّلالا _________________________

* * *
إِنَعَـــم ولَــذَّ فللأُمــورٍ أواخِــرٌ _________________________
أَبَـــدًا إِذا كــانَتْ لَهُــنّ أَوائَــلُ _________________________

مـا دُمـتَ مـن أَرَبِ الحسـانِ فإِنّمـا _________________________
رَوق الشــبابِ عَلَيــكَ ظِـلٌّ زائِـلُ _________________________

للهـــوِ آوِنَـــة تمُـــرُّ كأَنهــا _________________________
قُبَــلٌ يزَودهــا حَــبِيبٌ راحِــلُ _________________________

جَــمَح الزّمــانُ فـلا لَذيـذٌ خـالِصٌ _________________________
مِمــا يَشــوبُ ولا ســرُورٌ كـاملُ _________________________

* * *
إذا مــا تَــأمَّلتَ الزَمــانَ وصَرفَـهُ _________________________
تَيَقَّنْـتَ أَنَّ المَـوتَ ضَـربٌ مِـنَ القَتلِ _________________________

* * *
خـذ مـا تَـراه ودَع شَـيئاً سـمِعتَ بهِ _________________________
فـي طَلعـة البـدرِ مـا يُغنِيكَ عن زُحَلِ _________________________

* * *
وليسَ يَصِــحُّ فــي الأَفهـام شَـيءٌ _________________________
إذا احتــاج النَهــارُ إلــى دَلِيــلِ _________________________

* * *
إِذا الطَعـنُ لـم تُدخـلك فيـه شَـجاعةٌ _________________________
هـي الطَعـن لـم يُدخِـلكَ فيـهِ عَذُولُ _________________________

* * *
سِــوَى وَجــع الحُسَّــادِ داوِ فإِنَّـهُ _________________________
إذا حَــلَّ فــي قلــبٍ فَليسَ يَحُـولُ _________________________

ولا تَطمَعَــنْ مـن حاسِـدٍ فـي مَـوَدَّةٍ _________________________
وإِنْ كُــنتَ تُبدِيهــا لــهُ وتُنِيــلُ _________________________

* * *
يهــونُ علَينـا أن تُصـابَ جسُـومُنا _________________________
وتســلمَ أَعــراضٌ لَنــا وعُقــولُ _________________________

* * *
وأَتعَــبُ مَـن نـاداكَ مَـن لا تُجيبُـهُ _________________________
وأَغَيـظُ مَـن عـاداكَ مَـن لا تُشـاكِلُ _________________________

* * *
وإِذا لــم تَجِــدْ مِــنَ النـاسِ كُفْـأً _________________________
ذاتُ خِــدْرٍ أَرادَتِ المَــوتَ بَعــلا _________________________

ولَذِيــذُ الحَيــاةِ أَنفَسُ فــي النَـفْـ _________________________
سِ وأَشــهَى مِــن أَنْ يُمَـلَّ وأَحـلَى _________________________

وإِذا الشَـــيخُ قــالَ أُفٍّ فَمــا مَـ _________________________
لّ حَيــاةً وإِنَّمــا الضّعْــفَ مَــلا _________________________

آلـــةُ العَيْشِ صِحَّـــةٌ وشَــبابٌ _________________________
فــإِذا وَلَّيــا عَــنِ المَـرءِ وَلَّـى _________________________

أَبَــداً تَسْــتَرِدُّ مــا تَهَـبُ الـدُّنـ _________________________
يــا فيـا ليـتَ جُودَهـا كـانَ بُخـلاْ _________________________

* * *
وَهْـيَ مَعْشُـوقةٌ عـلى الغَـدْرِ لا تَحْـ _________________________
فَــظُ عَهْــداً ولا تُتَمِّــمُ وَصــلا _________________________

* * *
شِـــيَمُ الغانِيــاتِ فيهــا فَمــا أَدْ _________________________
رِي لِــذا أَنَّـثَ اسْـمَها النـاسُ أم لا _________________________

* * *
وإِذا مــا خَــلا الجَبــانُ بــأَرضٍ _________________________
طَلَــبَ الطَعْــنَ وَحْــدَهُ والـنِزالا _________________________

* * *
إِنَّمـــــا أَنْفُسُ الأَنِيسِ سِــــباعٌ _________________________
يَتَفارَســـنَ جَـــهرةً واغتِيـــالا _________________________

مَــن أَطـاقَ التِمـاسَ شَـيءٍ غِلابـاً _________________________
واغتِصابــاً لــم يَلْتَمِسْــهُ سُــؤَالا _________________________

كُـــلُّ غـــادٍ لِحاجــةٍ يَتَمنَّــى _________________________
أَنْ يَكُـــونَ الغَضَنْفَـــرَ الرِئبــالا _________________________

* * *
لــولا المشــقةُ سـادَ النـاسُ كُـلَهم _________________________
الجـــودُ يُفقِــر والإقــدامُ قَتَّــالُ _________________________

* * *
كَدعـواك كُـل يَـدَعي صِحـةَ العَقـلِ _________________________
ومَـن ذا الـذي يَـدري بِما فيهِ مِن جَهل _________________________

* * *
ذَرِينـي أَنِـلْ مـا لا يُنـال مِـنَ العُلى _________________________
فصَعـبُ العُـلَى فـي الصَّعْـبِ والسَّهْلُ _________________________

تُريــدين لُقْيــانَ المَعـالي رَخيصـة _________________________
ولا بُـدَّ دُون الشّـهدِ مِـن إبَـرِ النَحـل _________________________

* * *


الميم
يَجْــني الغِنــى لِلئــامِ لَـو عقَلـوا _________________________
مــا ليسَ يجــني عليهِــمِ العُــدُمُ _________________________

هُـــمُ لأمـــوالهِم وَلســن لَهُــمْ _________________________
والعــارُ يَبقــى والجــرحُ يَلتَئــمُ _________________________

* * *
خَــليلُكَ أنْــتَ لا مَـنْ قُلْـتَ خِـلِّي _________________________
وَإنْ كَـــثُرَ التَّجَـــمُّلُ والكَـــلامُ _________________________

* * *
وَشِــبْهُ الشَّــيءِ منْجَــذِبٌ إلَيْــهِ _________________________
وأشْــــبَهُنا بِدُنْيانـــا الطَّغـــامُ _________________________

ولـــو لَــمْ يَعْــلُ إلاَّ ذو مَحَــلٍّ _________________________
تَعــالى الجَــيْشُ وانْحَــطَّ القَتــامُ _________________________

* * *
ومَــنْ خَــبَرَ الغَــواني فـالغَواني _________________________
ضِيـــاءٌ فــي بَواطِنِــهِ ظَــلامُ _________________________

* * *
ومـــا كُـــلّ بمَعْــذورٍ ببُخْــلٍ _________________________
ولا كُـــلّ عــلى بُخْــلٍ يُــلامُ _________________________

* * *
تَلَــذُّ لَــهُ المُــروءةُ وَهْـيَ تُـؤْذي _________________________
ومَــنْ يَعْشَــقْ يَلَــذُّ لَــهُ الغَـرامُ _________________________

* * *
لا افتِخـــارٌ إِلا لِمَـــنْ لا يُضــامُ _________________________
مُـــدرِك أَو مُحـــارِبٍ لا يَنــامُ _________________________

لَيْسَ عَزمًـا مـا مَـرَّض المَـرءُ فيـهِ _________________________
لَيْسَ هَمًّــا مـا عـاقَ عنـهُ الظَّـلامُ _________________________

واحتِمــالُ الأَذَى ورُؤْيَــةُ جــانيـ _________________________
ه غِــذاءٌ تَضْــوَى بِــهِ الأَجْسـامُ _________________________

ذَلَّ مـــن يَغبِـــطُ الــذًّليلَ بِعَيشٍ _________________________
رُبَّ عَيشٍ أَخَـــفُّ منــهُ الحِمــامُ _________________________

كُــلُّ حِــلمٍ أتــى بِغَــير اقتِـدارٍ _________________________
حُجَّـــةٌ لاجِــىءٌ إليهــا اللِّئــامُ _________________________

مَــن يَهُــن يَسـهُلِ الهَـوانُ عَلَيـهِ _________________________
مـــا لُجِـــرْحٍ بِمَيِّــتٍ إِيــلامُ _________________________

* * *
إن بعضًــا مِــنَ القَــريض هُـذاءٌ _________________________
لَيسَ شَـــيئًا وبَعضَـــهُ أَحكـــامُ _________________________

* * *
إِذا غــامَرْتَ فــي شَــرَفٍ مَـرُومِ _________________________
فَـــلا تَقْنَــعْ بِمــا دُونَ النُّجــومِ _________________________

فطَعْــمُ المَــوتِ فـي أَمـرٍ حَـقِيرٍ _________________________
كــطَعْمِ المَــوتِ فـي أَمـرٍ عَظِيـمِ _________________________

* * *
يَــرَى الجُبَنــاءُ أَن العجـز عَقـلٌ _________________________
وتلـــكَ خديعــةُ الطّبــع اللئــيمِ _________________________

وكُــلُّ شَــجاعةٍ فـي المَـرء تُغنِـي _________________________
ولا مِثــلَ الشّــجاعة فــي الحَـكِيمِ _________________________

وكــم مــن عـائِبٍ قَـولاً صَحيحًـا _________________________
وآفَتـــهُ مِـــنَ الفَهــمِ السّــقِيمِ _________________________

ولكِــــنْ تَـــأخذُ الآذان منـــهُ _________________________
عــلى قَــدَرِ القَــرائِحِ والعُلُــومِ _________________________

* * *
وإذا كـــانتِ النُفـــوسُ كِبـــاراً _________________________
تَعِبَــتْ فــي مُرادِهــا الأَجســامُ _________________________

* * *
ومــا انتِفـاعُ أَخـي الدُنيـا بِنـاظرِهِ _________________________
إِذا اســتَوَتْ عِنـدَهُ الأَنـوارُ والظُلَـمُ _________________________

* * *
إِذا رَأيــتَ نُيُــوبَ اللّيــثِ بـارِزَةً _________________________
فَــلا تَظُنَّــنَ أَنَّ اللَيــثَ يَبْتَسِــمُ _________________________

* * *
شَــرُّ البِـلادِ مَكـانٌ لا صَـديقَ بـهِ _________________________
وشَـرُّ مـا يَكْسِـبُ الإِنسـانُ مـا يَصِمُ _________________________

* * *
عَـلَى قَـدْرِ أَهـلِ العَـزمِ تَأتِي العَزائِمُ _________________________
وتَــأتِي عَـلَى قَـدْرِ الكِـرامِ المَكـارِمُ _________________________

وتَعظُـمُ فـي عَيـنِ الصّغِـيرِ صِغارُها _________________________
وتَصغُـر فـي عَيـنِ العَظِيـمِ العَظـائِمُ _________________________

* * *
ومـا تَنفَـعُ الخَـيلُ الكِـرامُ وَلا القَنـا _________________________
إِذا لــم يَكُــنْ فَـوقَ الكِـرامِ كِـرامُ _________________________

* * *
تَغُــرُّ حَــلاواتُ النُفــوسِ قُلوبَهـا _________________________
فتَخْتــارُ بعـضَ العَيشِ وَهْـوَ حِمـامُ _________________________

وشَــرُّ الحِمـامَينِ الـزُؤَامَينِ عِيشـةٌ _________________________
يَــذِلُّ الَّــذي يَختارُهــا ويُضــامُ _________________________

* * *
إِذا سـاءَ فِعْـلُ المَـرء سـاءَت ظُنُونُهُ _________________________
وصَــدقَ مــا يَعْتــادُهُ مِـن تَـوَهمِ _________________________

وعــادَى مُحبيــهِ بِقَــولِ عُداتِــهِ _________________________
وأَصْبَـحَ فـي لَيـلٍ مـنَ الشَـك مُظْلِمِ _________________________

* * *
وَمــا كُــل هـاو للجَـمِيلِ بِفـاعلٍ _________________________
وَلا كُـــل فَعـــالٍ لَــهُ بمتَمــم _________________________

* * *
لِمَـنْ تَطْلُـب الدُنيـا إِذا لـم تُـردْ بِها _________________________
ســرور محــب أو مَسـاءَةَ مُجـرِم _________________________

* * *
يُحــبُّ العــاقلونَ عـلى التَصـافِي _________________________
وحُــبُّ الجــاهلِينَ عــلى الوسـام _________________________

* * *
أرَى الأجـــدادَ تغلبُهـــا كَثــيرًا _________________________
عـــلى الأولادِ أخـــلاقُ اللِّئَــامِ _________________________

* * *
ولــم أرَ فـي عُيـوبِ النـاس شَـيئًا _________________________
كــنَقصِ القــادِرِينَ عــلى التَّمـامِ _________________________

* * *
حَـتَّى رَجَـعتُ وأقلامـي قَـوائلُ لـي _________________________
المَجْــدُ لِلســيفِ لَيسَ المَجْـدُ لِلقَلَـمِ _________________________

أُكــتُبْ بِنـا أبَـداً بَعـدَ الكِتـابِ بـهِ _________________________
فإنَّمــا نَحــنُ لِلأســيافِ كــالخَدَمِ _________________________

* * *
ولــم تَـزَلْ قِلَّـةُ الإِنصـافِ قاطِعـةً _________________________
بَيـنَ الرِجـالِ ولَـو كـانُوا ذَوِي رَحِـمِ _________________________

* * *
وَلا تَشَــكَّ إلــى خَــلقٍ فتُشــمِتَهُ _________________________
شَـكْوَى الجَـرِيحِ إلـى الغِربانِ والرَخمِ _________________________

وكُــنْ عــلى حَـذَرٍ لِلنـاسِ تَسـتُرُهُ _________________________
ولا يَغُــرَّكَ مِنهُــم ثَغــرُ مُبتَســمِ _________________________

غَـاضَ الوَفـاءُ فمـا تَلقـاهُ فـي عِـدَةٍ _________________________
وأعـوَزَ الصِـدقُ فـي الإخبـارِ والقَسمِ _________________________

* * *

الموضوع الأصلي : حياة المتنبي كاملة // المصدر : /منتديات رأس الوادي نت/ الكاتب: Admin



توقيع العضو: Admin

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معلومات العضو




معلومات إضافية
إحترام قوانين المنتدى إحترام قوانين المنتدى:
المهنة:
ذكر
السٌّمعَة: 57
عدد النقاط: 13620
معلومات الاتصال
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
مُساهمةموضوع: رد: حياة المتنبي كاملة السبت 17 سبتمبر 2011 - 15:24

حياة المتنبي كاملة
النون
أَفـاضِلُ النـاسِ أَغْـراضٌ لَـدَى الزَّمَنِ _________________________
يَخـلُو مِـنَ الهَـمِّ أَخـلاهُم مِـنَ الفِطَنِ _________________________

* * *
فَقــرُ الجـهُولِ بـلا قَلـبٍ إلـى أَدَبٍ _________________________
فَقْـرُ الحِمـارِ بـلا رأسٍ إلـى رَسَـنِ _________________________

* * *
لا يُعجِــبنّ مَضيمًــا حُســنُ بِزّتِـهِ _________________________
وهَــل تَـرُوقُ دَفينًـا جُـودَةُ الكَـفَنِ _________________________

* * *
اَلــرَأْيُ قَبــلَ شَــجَاعَةِ الشُـجعانِ _________________________
هُــوَ أَوَّلٌ وَهِــيَ المَحَــلُّ الثـاني _________________________

فــإِذا هُمــا اجتَمَعــا لِنَفسٍ حُــرَّةٍ _________________________
بَلَغــتْ مــنَ العَليــاءِكُلَّ مَكــانِ _________________________

ولَرُبَّمــا طَعَــنَ الفَتَــى أَقرانَــهُ _________________________
بِــالرَأْيِ قَبْــلَ تَطــاعُنِ الأَقـرانِ _________________________

لَــولا العُقـولُ لَكـانَ أَدنَـى ضَيغَـمٍ _________________________
أدْنَــى إلــى شَـرفٍ مـنَ الإنْسـانِ _________________________

* * *
تَلْقَــى الحُسـامَ عـلى جَـراءةِ حَـدِّهِ _________________________
مِثْــلَ الجَبــانِ بِكَـفِّ كُـلِّ جَبـانِ _________________________

* * *
صَحــب النــاسُ قَبلَنـا ذا الزَمانـا _________________________
وعَنــاهُم مــن شــأنِهِ مـا عَنانـا _________________________

وتَولـــوا بِغُصــةٍ كُــلهُمْ مِــنـ _________________________
هُ وإِنْ سَـــرَّ بَعضَهُـــم أَحيانــا _________________________

رُبَّمــا تُحْسِــنُ الصَنِيــعَ ليـالِيـ _________________________
هِ ولكــــنْ تُكـــدِّر الإِحســـانا _________________________

وكأَنَّـا لـم يَـرْضَ فينـا بِـريب اَلدَّهـ _________________________
رِ حَـــتَّى أَعانَــهُ مَــنْ أعانــا _________________________

كُلَّمـــا أَنبَـــتَ الزَمــانُ قَنــاةً _________________________
رَكَّــبَ المَــرْءُ فـي القَنـاةِ سِـنانا _________________________

ومُــرادُ النُفُــوس أَصغَـرُ مِـن أَنْ _________________________
تَتَعـــادَى فيـــهِ وأَنْ تتَفـــانَى _________________________

غَــيْرَ أَنَّ الفَتَــى يُلاقِــي المَنايـا _________________________
كالحـــاتٍ وَلا يُلاقِـــي الهَوانــا _________________________

ولَــــوَ أنَّ الحَيــــاةَ تَبْــــقَ _________________________
لَعَدَدْنــــا أَضَلَّنـــا الشُـــجْعانا _________________________

وإِذا لَــم يَكُــن مِــنَ المَـوتِ بُـدُّ _________________________
فمِــنَ العَجــزِ أَنْ تَكُــونَ جَبَانــا _________________________

كُـلَّ مـا لـم يَكُن مِنَ الصَعْبِ في الأَنْـ _________________________
فُسِ سَــهلٌ فيهــا إِذا هــو كَانــا _________________________

* * *
الياء
كَـفَى بِـكَ داءً أن تَـرى المَـوتَ شافِيَا _________________________
وحَسْــبُ المَنايــا أنْ يَكــنَّ أمانِيـا _________________________

* * *
فَمـا يَنفَـعُ الأُسْـدَ الحَيـاءُمنَ الطَـوى _________________________
وَلا تُتقَــى حَــتَّى تَكُـونَ ضَوارِيـا _________________________

* * *
إِذا الجُـودُ لـم يُرزَقْ خَلاصًا منَ الأذَى _________________________
فَـلا الحَـمدُ مَكسُـوباً وَلا المـالُ باقِيـا _________________________

وللنَّفْسِ أخــلاقٌ تَــدُلَّ عـلى الفَتَـى _________________________
أكــانَ سَـخاءً مـا أتـى أم تَسـاخِيا _______


ب : إشكالية التاريخ الأدبي عند طه حسين :

إذا كان الأدب في نظر طه حسين مستقلا بموضوعه، فإن تاريخ الأدب لا
يمكنه أن يستقل عن مجموعة من المعارف والعلوم التي تمده بالأدوات والوسائل
الإجرائية، أما الدعوة إلى علمنة تاريخ الأدب، فإنها ليست خالصة لأن تاريخ
الأدب لا يستطيع أن يعتمد على مناهج البحث العلمي الخالص وحدها، وإنما هو
مضطر معها إلى الذوق، هو مضطر معها إلى هذه الملكات الشخصية الفردية التي
يجتهد العالم في أن يتحلل منها ".

إن طه حسين يدرك الفروق بين طريقة البحث في العلوم الحقة والعلوم
الإنسانية، إذ العلاقة بين الذات والمـوضـوع في المعرفة الخالصـة هي علاقة
تباعد، أما في البـحـث الأدبي فإن العلاقة تأثرية، " فتاريخ الأدب علم من
جهة، ولكنه لا يستطيع أن يكون علما كالعلوم الطبيعية والرياضية، لأنه متأثر
بهذه الشخصية، ولأنه لا يستطيع أن يكون بحثا "موضوعيا"، وإنما هو بحث ذاتي
من وجوه كثيرة، ففيه موضوعية العلم وذاته الأدب ".

إن مرد هذا الفهم لتاريخ الأدب، هو تصور طه حسين لموضوع تاريخ
الأدب، حيث أن هذا الأخير يعنى بدراسة جملة النصوص الأدبية المأثورة، ولكنه
لا يكتفي بذلك، حيث أنه يتناول أشياء أخرى لا سبيل إلى فهم النصوص الأدبية
وتذوقها إلا إذا فهمت، وعرف تأثيرها فيها وتأثرها بها " : فمؤرخ الأدب
يتحلى بالروح العلمية عندما يبحث من مختلف العوامل التي أثرت في إنتاج
النصوص الأدبية، أما عندما يريد الحكم على جمالية النص فإنه يعتمد على ملكة
الذوق، ويمكننا أن نرى من هذا التصور لتاريخ الأدب تأثير " غوستاف لانسون "
على طه حسين حيث أن هذا الأخير تعلم من لانسون " أن العمل الأدبي يختلف عن
الوثيقة التاريخية بما تثيره صياغته من استجابة عاطفية وجمالته، كما تعلم
منه أن على الناقد أن يتوقف إزاء هذه الصياغة معتمدا على ذوقه التاريخي،
فليس هناك مبادئ صارمة لدراسة كل عمل أدبي، فالمهم هو التوقف عند صياغة هذا
العمل، والاستجابة إلى الهزة التي تحدثها في الناقد، والكشف من خلال هذه
الهزة عن منحى خاص في الصياغة، ثم ربط هذا المنحى بروح الكاتب أو حياة
الأفراد، وبذلك يصبح النقد عملية تذوق لكل كاتب بنسبة ما في أسلوبه من كمال
.

إن هذا الدرس اللانسوني، دفع طه حسين إلى انتقاد كل من سانت بوف
وتين وبرونتير، من زاوية أن كلامهم ركز على جانب من جوانب الظاهرة الأدبية
وأغفلا جوانب أخرى، وقد كانوا يهدفون إلى إثبات إمكانية دراسة الأدب بطريقة
موضوعية، في حين أن هذا المنزع العلمي لا يمكنه التحقق، لأن النقد الأدبي
لا يمكن أن يصبح علما، أو أن يحاكي أي علم من العلوم، وإنما عليه أن يستقل
بمنهجه، ويربط بين طبيعته الخاصة وطبعة الأدب الذي يدرسه، لذلك فطبيعة
تاريخ الأدب عند طه حسين هي عمل أدبي في حد ذاته، إذ أنه سيستحيل " أن يؤرخ
الآداب غير الأديب" لما بينهما من صلات ووشائح تمنع من أن يقوم التاريخ
الأدبي علما مستقلا بذاته.

إذن، فتاريخ الأدب عند طه حسين يتناول النصوص الأدبية، فيؤرخ لها،
ولكنه " يوسع ميدان بحثه، ويتناول أشياء قد لا يستطيع أن يتناولها من يعنى
بالأدب، من ذلك أنه يدرس تاريخ السياسة والاقتصاد، ولكنه يدرسها من حيث هي
مكملة لبحثه " فلفهم خمرية من خمريات أبي نواس يضطر مؤرخ الأدب إلى أن
يدرس التوحيد واختلاف أهل السنة والمعتزلة ، ناهيك على أنه يبحث أيضا في
نشأة الأدب وفي تاريخ ظهور أغراضه وفنونه واتجاهاته ومدارسه، ويؤرخ للنصوص
وللأعلام الذين أنتجوها، ويحاول الوقوف على حركة سير الاتجاهات الأدبية.

من خلال تتبعا لإشكالية التاريخ الأدبي عند طه حسين، تبين أن
تصوره يندرج ضمن مشروعه الإصلاحي، فهو يؤكد أنه لا يريد أن يستحدث منهجا
للتاريخ الأدبي لم يعرفه العرب ، وإنما يهدف إلى تطوير وسائل البحث في
الأدب تراعي خصوصية اللحظة الزمنية التي يعيشها، فالممارسات النقدية للجاحظ
والمبرد. وابن قتيبة وابن سلام تعتبر في نظره أدبا وصفيا، حاول من خلاله
هؤلاء النقاد أن يصفوا أدبهم ويرتبوه ويستنبطون من الأصول والنظريات، غير
أن ما كان يحملهم في وصفهم للأدب ظروفهم الموضوعية، وتاريخ الأدب كائن حي
يتطور بتطور المكان والزمان ؛ " فكما أن التاريخ لا يوصف بصفة محددة كذلك،
فإن التاريخ الأدبي يتجدد بلا انقطاع لأن حوادث جديدة تكتشف دائما، كما أن
تفسير هذه الحوادث واستخدامها لا يعني يقينا مطلقا، وأن الفن لا يقتضي
الدقة والصحة وحسب، وإنما يلزمه أيضا نوعا من العبقرية "، لذلك فعملية
التاريخ الأدبي عند طه حسين لا تمثل قطيعة مع ما بدأه القدماء، وإنما هي
استمرار وتطوير للأداة الإجرائية يقول طه حسين بهذا الصدد "فتاريخ الأدب
الذي نريد أن نستحدثه الآن ليس إنشاء ولا اختراعا، وإنما هو تجديد و إصلاح
لما تركه القدماء لا أكثر ولا أقل، فعلى أي قاعدة وعلى أي منهج نريد أن
نأخذ في هذا التجديد والإصلاح".

ولتنفيذ هذا المشروع لابد من اعتماد مقياس معين، هذا المقياس
سيتبلور بعد عملية نقدية للمقاييس التي اعتمدها مؤرخون آخرون، وأبرز
المقاييس التي اعتمدت في التاريخ الأدبي هو المقياس السياسي، خاصة في
النظرية المدرسية، التي يمثلها كل من حسن توفيق العدل، وأحمد الإسكندري
وأحمد حسين الزيات، وفي هذه النظرية يتم ربط الأدب بالسياسة ربطا ميكانيكيا
يعطينا تحقيقا للأدب حسب العصور السياسية.

وطه حسين يرفض أن يقسم الأدب إلى عصور سياسية، وأن نربط الأدب
بالازدهار السياسي إذ قد " يكون الانحطاط السياسي مصدر الرقي الأدبي أيضا،
والقرن الرابع الهجري دليل واضح على أن الصلة بين الأدب والسياسة قد تكون
صلة عكسية في كثير من الأحيان "، فالحياة السياسية لا تصلح أن تكون مقياسا
للحياة الأدبية، وإنما هي مؤثر من المؤثرات، فينبغي أن يتأسس تاريخ الأدب
داخل الأدب " من حيث هو ظاهرة مستقلة يمكن أن تؤخذ من حيث هي وتحدد لها
عصورها الأدبية الخالصة". وبالإضافة إلى نقده النظرية المدرسية، فإنه ينتقد
أصحاب المقياس العلمي في التاريخ الأدبي وقد رأيناه آنفا ينتقد كلا من
سانت بوف وتين اللذين حاولا أن يقيما تاريخا أدبيا يستلهم النماذج العلمية،
فالمقياس العلمي في نظره يعجز عن تفسير النبوغ، و " مادام التاريخ الأدبي
لا يستطيع أن يفسر لنا بطريقة علمية صحيحة نفسية المنتج والصلة بينها وبين
ما تنتج، ومادام التاريخ الأدبي لا يستطيع أن يبرأ من شخصية الكاتب وذوقه،
فلن يستطيع أن يكون علما، والحق أني لا أفهم لم يحرص على أن يكون علما ".

بعد عدوله عن المقياس السياسي والعلمي سيتبنى مقياسا أدبيا، وقد
تجلى ذلك في تنبيه لنظرية المذاهب الفنية، وقد عرض نظريته بشكل تطبيقي عند
دراسته لمدرسة زهير، حيث عرض في كتابه " في الأدب الجاهلي إلى مدرسة زهير
الفنية وأبان عن خصائص هذه المدرسة وما تمتاز به، وكشف عن طريقتها من تناول
الأشياء وعرضها، ووضع يده على طائفة كبرى من هذه المميزات التي شارك فيها
زهير أوس بن حجر من قبله والحطيئة وكعب بن زهير من بعده وجميل بعد الحطيئة،
ووجد في هذه السلسلة مذهبا فنيا متكاملا يأخذ به جيل بعد جيل.

وتجدر الإشارة إلى أن هذا التصور لمذاهب الفنية يعتبره طه حسين
امتدادا لما سجله النقاد القدامى من ملاحظات حول العلاقات الفنية التي تجمع
بين مجموعة من الشعراء، فطه ينفي أن يكون قد استنبط هذا المذهب من عنده،
وإنما هو شيء تحدث به الأقدمون حين أشاروا أن زهيرا كان راوية أوس وأن
الحطيئة كان راوية زهير.

وتتجلى قيمة هذه النظرية في التاريخ الأدبي في أنها تقلب وجه
الدراسة الأدبية وتغير معالمها " ذلك أنها إنما تنشد التقاء الخصائص الفنية
في جماعة من الأدباء أو جماعة من الشعراء نزعوا عن رغبات متقاربة ونهجوا
مسالك متوازية واستطاعوا في نتاجهم الأدبي أن يكون لهم من السمات ما يوحد
بينهم ... وأنها ستحل الوحدة الفنية محل الوحدة الزمنية.. وأن هذه الوحدات
الفنية ستكون مجالا واسعا للجهد والخضب وللعمل المنتج ولهذا التجديد في
تناول الأدب العربي وعرضه وفي تجديد صورته تجديدا لا يقوم على أساس خارجي
من السياسة مثلا أو من التاريخ.. وإنما على أساس داخلي هو الإحساس العميق
بما توفر لهذه الوحدة الفنية من جهد وما انطوت عليه من إبداع ".

غير أننا ينبغي أن ننبه إلى أن هذه النظرية بقيت محكومة بالتصور
العام للتأريخ الأدبي عند طه حسين، فقد اقتصرت على تناول القمم الشامخة في
الأدب، ولا جرم أن هذا التصور في التأريخ يرجع إلى المفاهيم التي يحملها طه
حسين حول الأدب ووظيفة الأدب، لأن " الطريقة التي نتناول بها النصوص
القديمة ترتكز على نمط وعلى تعريفات تختلف درجة وضوحها بحسب الباحثين،
وعندما يتعلق الآمر بنصوص أدبية، فإن الباحث يعتمد طيلة عمله، سواء شاء ذلك
أم كره على تعريف للأدب وعلى مفاهيم تعيب أحيانا عن وعيه ".

ويبدو أن مفهوم التعبير هو النواة المحركة لتصور تاريخ الأدب عند
طه حسين، هذا المفهوم يلزم المؤلف الكلاسيكي أن يكون مرآة لعصره، وعندما لا
يتيسر المرور من النص إلى المجتمع أو المؤلف، فإن الباحث يلوم المؤلف
ويؤنبه، أو قد يشك في كينونته كما حصل ذلك مع الشعراء الجاهلين وشعراء
الغزل العذري عند طه حسين.

ومرد ذلك أن تاريخ الأدب عند طه حسين لا يعنى بالأنواع الأدبية
وبمنطقها الداخلي ، ناهيك على أن مفهوم النص الأدبي لم يكن بالدقة المطلوبة
لديه، فتاريخ الأدب لابد وأن يحدد مجموعة من المفاهيم تخص المؤلف، و النص،
و الأدب. إن تصوراتنا حول هذه المصطلحات هو الذي يبلور لدينا تأريخا للأدب
بطريقة سليمة.

فالغائب عن التأريخ الأدبي عند طه حسين هو أن النص الأدبي " لا
يعرف الاستقرار والجمود، ذلك أنه يخضع لمنطق خاص هو " منطق السؤال والجواب
"، النص يجيب عن سؤال يضعه المخاطب، وبتعدد المخاطبين والأزمنة تتعدد
الأسئلة والأجوبة... وبالمقابل فإن النص بدوره يطرح أسئلة وعلى المتلقي هذه
المرة أن يجيب ".

إن إهمال هذا التصور للنص الأدبي يقود إلى تأريخ ناقص، حيث أن
التأريخ الأدبي يسعى إلى تأريخ للقراءة التي مورست على النص عبر العصور،
ورصد أنواع الاستجابات لدى القراء المتنوعين والمختلفين عبر الأزمنة، فإذا
كان تاريخ الأدب هو تأريخ نشأة النصوص الأدبية ومنتجيها، فإنه لا محالة
سيغفل جوانب أساسية في بلورة تاريخ أدبي دقيق ومن أبرز هذه الجوانب المغفلة
لدى طه حسين أو غيره من المؤرخين الذين عاصروه هو إهمال ظروف إنتاج النصوص
الأدبية وطرق نشرها وإذاعتها في الناس، وإهمال للمقاييس التي تختار بها
النصوص وتتوج أدبا. " إذ التأريخ للنصوص الأدبية وحدها والرجال الذين
أبدعوها فحسب يؤول إلى عناية بسيطة بنشأتهما وبظهور أصحابها وبانضمام بعضهم
إلى بعض على خط الزمن، وهي عناية تفتقر إلى البحث عن عمل الظاهرة الأدبية
واستعمالها في المجتمع، وتفتقر بالتالي إلى تحليل ظروف نشأة النصوص وطرق
حياتها ومكانتها بين المعارف وعلاقتها بالنظام الاجتماعي والاقتصادي التي
تظهر فيه ".

بعد مناقشتها لمفهوم تاريخ الأدب عند طه حسين، سننتقل في الشطر
الثاني من الفصل إلى بحث تجليات هذا المنهج في الدراسة المخصصة للمتنبي.

الموضوع الأصلي : حياة المتنبي كاملة // المصدر : /منتديات رأس الوادي نت/ الكاتب: Admin



توقيع العضو: Admin

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معلومات العضو




معلومات إضافية
إحترام قوانين المنتدى إحترام قوانين المنتدى:
المهنة:
ذكر
السٌّمعَة: 57
عدد النقاط: 13620
معلومات الاتصال
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
مُساهمةموضوع: رد: حياة المتنبي كاملة السبت 17 سبتمبر 2011 - 15:26

حياة المتنبي كاملة
- الطفولة محددة للشخصية :

لقد انطلق طه حسين في العملية التاريخية من نقطة البداية، من
طفولة المتنبي، واعتبر هذه اللحظة مسؤولة على تكوين شخصية المتنبي مطبقا
نظرته في الجبر النفسي والتاريخي، فشعور المتنبي " بهذه الصفة أو بهذا
الضعف من ناحية أسرته وأهله الأدنين قد كان العنصر الأول الذي أثر في
شخصيته، وبغض إليه الناس، وفرض عليه أن يرى أن حياته بينهم لم تكن كحياة
أترابه ورفاقه، وإنما كانت حياة يحيط بها كثير من الغموض ويأخذها كثير من
الشذوذ "، ويشير طه حسين إلى أن هناك عناصر أخرى كونت شخصية المتنبي التي
لم يستطع طه حسين أن يفهمها أو يحللها ، إن عجز طه حسين عن فهم طبيعة شخصية
المتنبي يعود إلى الطريقة التي تعامل بها مع النص الشعري باعتباره وثيقة،
إذ كان يسلك طريقة انتقائية، يحاول من خلالها رسم شخصية المتنبي، فهو لم
يتعامل مع النصوص الشعرية باعتبارها مجالا للتخييل والإبداع وإنما كان
يستغلها استغلالا وثائقيا، وراح يحشد مجموعة من العناصر لا علاقة لها بفهم
النص وطريقة اشتغاله ولكي يحافظ على منطقه في التاريخ الأدبي انتقل للحديث
عن تأثير البيئة في تكوين شخصية الشاعر، فتحدث عن البيئة الكبرى أي عن
الحياة العراقية في القرن الثالث والرابع، راصدا ما آلت إليه الأمور من
فساد سياسي واقتصادي، وما وصلت إليه من رقي عقلي.مطبقا مفهومه الخاص
للقومية المنبني على الاعتداد بالجانب الاقتصادي، فقد ركز في حديثه عن هذه
اللحظة التاريخية عن الحالة السياسية مبرزا ما اتسمت به من قلاقل وثورات،
مثلت هذه الأخيرة ذات البعد الاجتماعي، لديه حركات تحررية تسعى بالأساس إلى
تحسين الوضع الاقتصادي بالإضافة إلى أنها ثورات تهتم بتقوية الشخصية
الفردية يقول " ولعل أخص ما تمتاز به هذه الثورات الثلاث (البابكية، ثورة
الزنج، ثورة القرامطة) أنها كلها كانت تقصد إلى تغيير الحالة الاقتصادية
بحيث تريد توزيع الثروة بين الناس، وبتحقيق شيء من العدل والمساواة بين
الأفراد والجماعات، وكذلك إلى تقوية الشخصية الفردية، وتحريرها من القيود
والأغلال التي فرضها عليها النظام الديني والسياسي والاجتماعي "، نلاحظ أن
طه حسين يقرأ الماضي بهموم الحاضر، انطلاقا من اتجاهه الليبرالي الذي يعلي
من شأن الفرد والحرية.

لقد ساق هذا الحديث المطول عن العصر وتقلباته ليصل إلى المتنبي،
ويبين أثر العصر في تركيب شخصيته، وأن المتنبي ما هو إلا ثمرة لهذا العصر
فقد " ولد المتنبي في بيئة كان الدم يصبغها من حين إلى حين ... وإنما كان
يصبغها صبغ آخر ليس أقل نكرا من سفك الدماء هو النهب والسلب، واستباحة
الأعراض وانتهاك الحرمات، والاستخفاف بقوانين الخلق والدين ".

إن طه حسين يطبق نظرية هيبوليت تين في التاريخ الأدبي، هذه النظرية التي تقوم على عنصر (البيئة- العصر-الجنس).

إن تأطير المتنبي ضمن البيئة الكرى التي عاش فيها والزمن
التاريخي، بالإضافة إلى الحديث عن جنسه (العربي)، كلها مداخل تبرز لنا مدى
استمرارية وامتداد منهج تاريخ الأدب وأدوات التحليل في مشروعه النقدي.

إن هذه المداخل التي اعتبرها طه حسين مسؤولة عن تشكيل شخصية
المتنبي، ستبرز في طريقة تناوله للشعر الذي قاله المتنبي في صباه، بحيث
توقف عنده طويلا ليستخلص منه أثر البيئة.

لقد حاول طه حسين أن يستخرج من هذا الشعر مجموعة من الخصال حددها في ثلاث :

الخصلة الأولى أن الصبي مقلد في الفن الشعري.
إن هذا الشعر، شعر صبي متشيع للعلويين، متأثر بآراء الشيعة وبآراء الغلاة منهم.
أن هذا الشعر شعر صبي لم يكن بعيدا كل البعد عن أمور القرامطة وأخبارهم2.
لقد أثار مسألة قرمطية المتنبي وتأثره بمذهبهم، إذ يؤكد أن الشاعر
بعد عودته من البادية في الشام كان قد تشبع بالمذهب القرمطي وصار داعية
له، فهو يرى أن " رحلة المتنبي إلى البادية نفعته من الناحيتين جميعا، فقد
ربا جسمه، ونما عقله وفصح لسانه، وتعلم أصول القرامطة، وعرف مذاهبهم
النظرية والعملية معا، وشعر المتنبي في صباه بعد عودته من البادية إلى
الكوفة، بين لنا هذا أوضح تبيين .

إن هذه القضية التي استخصلها طه حسين من شعر المتنبي كانت مثار
خلاف ونزاع بين الدارسين، ولمناقشة هذه القضية سنعرض لمجموعة من الآراء
المختلفة حولها مقارنين بينها ومبرزين دوافع الاختلاف.

لقد ذهب طه حسين إلى أن المتنبي كان قرمطيا ثم خانهم في آخر أيامه
فقتلوه، ولقد حاول أن يثبت هذا الأمر في أكثر من موضع من كتابه.

أما عبد الوهاب عزام، فإنه ينفي أن يكون المتنبي قرمطيا، ويقرر أن
قرمطية المتنبي يعوزها الدليل، في حين أن محمد محمد حسنين يقرر عكس ما ذهب
إليه طه حسين، من أن المتنبي كان في نظره عدوا للقرامطة وخصما للباطنية
يناصبهم العداء، ويؤكد محمد حسنين أن القيم التي نادى بها المتنبي في شعره
تناقض مبادئ الشعية في الولاية أي الإمامة، وتنكر عصمة الإمام والانقياد
لأمره . أما محمود شاكر، فيرى أن المتنبي ليس قرمطيا، وإنما هو علوي النسب
اضطره العلويون إلى ستر هذا النسب بعد أن فرقوا بينه وبين أمه .

أما المستشرق " ماسينون " ، فيرى أن المتنبي كان قرمطيا على مذهب
الباطنية الإسماعلين، وذلك أن ماسينيون كان مولعا بإظهار النزعة الباطنية
الإسماعيلية لدى عديد من الشخصيات العربية الإسلامية، ويرجع ذلك إلى نزعة
المسيحية. في حين أن المستشرق الفرنسي " رجيس بلاشير " نفى أن يكون المتنبي
قرمطيا، غير أنه أشار إلى أنه كان متأثرا بآرائهم.

إن هذا الاختلاف بين الدارسين مرده إلى اختلاف زوايا النظر، وإلى
غموض المرجعيات المعتمدة في تحقيق هذه القضية، فالقدماء لم يشيروا إلى هذا
المنزع المذهبي عند المتنبي، وإنما وجدناه فقط عند الدارسين المحدثين،
الذين ولعوا بالحديث عن الأصول الفكرية والذهنية عند الكتاب والشعراء،
ويبدو أن عبورهم من الشعر كتخييل إلى الشخصية الواقعية كان سببا في إثارة
هذا النوع من القضايا، ولتأكيد هذه المسألة أو نفيها لابد من استنطاق المتن
الشعري كله لدى المتنبي، فإذا سلمنا جدلا مع القائلين بقرمطية المتنبي
فإنهم ملزمون بإخراج هذه المبادئ القرمطية من شعره كله، وهل كان المتنبي
بالفعل يسلك في حياته اليومية مسلك القرامطة ؟

إذا استقصينا الديوان، فإننا نجد بعض اصطلاحات القرامطة المشتقة
من مبادئ الإسماعيلية، وقد ظهرت هذه الاصطلاحات في فجر شبابه، إذ استعملها
في بعض مدائحه يقول مثلا :

يا أيها الملك المصفى جوهرا

من ذات ذي الملكوت أسمى من سما

نـور تـظاهر فيك لاهـوتيه

فـتكـاد تعـلم علم مـا لـن يعلما


ويقول في القصيدة التي مدح بها أبا القاسم طاهر بن الحسين العلوي :

وأبـهـر آيات التـهـامـي أنه

أبـوك وإحــدى ما لكم من مناقب


إن هذا البيت أثار حفيظة الشراح في القديم، وهو بيت في ظاهره لا
يساير الروح الإسلامية، حيث ذهب فيه المتنبي مذهبا غاليا، جعل الممدوح من
أبهر آيات الرسول عليه السلام، وهذا الأمر فيه شناعة. لقد استنكره ابن جني
الذي يعتبر مريدا للمتنبي ومتعصبا له، إذ يقول : " قد أكثر الناس القول في
هذا البيت، وهو في الجملة شنيع الظاهر، وقد كان يتعسف في الاحتجاج له
والاعتذار عنه بما لست أراه مقنعا " .

وبالإضافة إلى هذه الاصطلاحات القرمطية، فإنا نجد أيضا ملامح للمذهب العلوي، فهو يقول مادحا :

كذا الفاطميون الندى في بنانهم

أعزا محاء من خطوط الرواجب

أنـاس إذا لاقــوا عـدى فكأنما

سلام الذي لاقوا غبار السلاهب

إذا علوي لم يكن مـثـل طاهـر

فما هـو إلا حـجة للنواصب

هو ابن رسول الله وابن وصيـه

وشبهها شبهت بعد التجارب


ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل إننا نجد بعض اصطلاحات المتصوفة تتخلل بعض قصائده . فهل نذهب إلى أن المتنبي كان صوفيا.

لابد أن نؤكد أن المتنبي استطاع أن يتمثل ثقافة عصره، ويوظفها
توظيفا شعريا، فهو قد نشأ ضمن زمنيته الراهنة إذا التقط ما يروج في عصره من
عقائد ومذاهب فكرية، وسياسية، وفلسفية، وركبها في شعره بطريقة فسيفسائية
ستجيب لرؤيته الشعرية المؤسسة على تمجيد الذات ونشدان القوة.

تبقى مسألة أخرى قد توهم بأن المتنبي كان قرمطيا، هي حبه لسفك
الدماء، إذ من المعلوم أن النزعة القرمطية تحب سفك الدماء والتطلع للقتل
واستباحة أعراض الناس وأموالهم.

فالمتتبع لشعر المتنبي خاصة في مراحله الأولى يجد أن هذا الشعر
يطفح بالصور التي تعكس تعطشه للدماء والقتل، فقد أخبرنا ديوانه بأنه كان لا
يزال يافعا في المكتب بالكوفة وكان غزير الشعر، فقيل له ما أحسن هذه
الوفرة، فأجاب :

لا تحسن الوفرة حتى ترى

منشورة الضفرين يوم القتال

على فتى معـتــقـل صعدة

يعلها مـن كـل وافي السـبال


ويبرز إعجابه بالقرامطة في صباه فينشئ قصيدته المدحية التي ضمنها كل المعاني التي تحض على سفك الدماء، يقول في مطلعها :

ضيق ألم برأسي غير محتشم

السيف أحسن فعلا منه باللمم


وإذا كانت هذه الميمية تعكس أصداء الأعمال التي كان يقوم بها
القرامطة خاصة عندما أغاروا على مكة سنة 317 هـ، وقتلوا آلاف الحجاج من
الرجال والنساء حول البيت الحرام، فإننا نجد هذه النزعة لسفك الدماء تصاحب
الشاعر طوال حياته، إذ نجده يوشح قصائده المدحية بصور ومشاهد من القتل يقول
في إحدى قصائده التي مدح بها على بن عامر الأنطاكي :

ولا تحسبن المـجـد زقا وقـينة

فما المجد إلا السيف والفتكة البكر

وتضريب أعناق الملوك وأن ترى

لك الهبوات السود والعسكر المجر

وتركك في الـدنـيـا دويا كأنما

تداول سمع المرء أنمـله العشر


إن هذا التعطش للدماء في شعره يحتاج من الباحثين التوقف طويلا،
خاصة وأن هذه النزعة أضحت ظاهرة هجاسية Obsessionnelle تتواتر في شعره كله،
وأنجع السبل لدراسته هذه الموضوعة، هو أن نستخرج الحقول الدلالية التي ترد
فيها، محاولين ربطها بالأفق الذي يرسمه الشاعر لعالمه المتخيل لكي نخلص
إلى رؤية العالم لديه المتنبي. أما ربط هذه الصور الدموية بطريقة ميكانيكية
بالنزعة القرمطية، فإنه لا يضيف شيئا بالنسبة لفهم دلالات الشعر عند
المتنبي وإنماسيكون فقط تحصيل حاصل، فنحن سنجد المتنبي في إحدى قصائده يسخر
بالقرامطة وبزعمائهم، حين هزمهم سيف الدولة سنة 337هـ ، يقول :

وجيش أمام على ناقة

صحيح الإمامة الباطل


ستخلص مما سبق ذكره أن المتنبي شاعر استطاع أن يدغم الأحداث التي
كانت تعج في زمنه، وكان شعره شاهدا على الأحداث المهيمنة في عصره وليس
مؤرخا لها. ولا نقول بأن " أبا الطيب كان قرمطي العقيدة في صباه الأول،
قرمطي السبق والعزم في فترة طويلة في شبابه "

وإذ نقول بأن شعر المتنبي عكس لنا اللحظة الزمنية، فلا نعني بذلك
انعكاسا مرآويا، إذ لم يكن يؤرخ لعصره، وإنما كان يلتقط أهم الأحداث
ويصوغها صياغة شعرية، هذا الشعر هو نتاج لترسبات ومقروءات متنوعة، فنحن نجد
أصداء شعر الفروسية لديه، خاصة شعر عنترة الذي كان يمجد السيف ويفتخر
بالقتل والتفنن فيه، ولابد أن نشير إلى أن النزعة الدموية عند المتنبي
تتفاعل مع نصوص الشعراء لسابقين خاصة شعراء الحماسة والفروسية .

الموضوع الأصلي : حياة المتنبي كاملة // المصدر : /منتديات رأس الوادي نت/ الكاتب: Admin



توقيع العضو: Admin

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معلومات العضو




معلومات إضافية
إحترام قوانين المنتدى إحترام قوانين المنتدى:
المهنة:
ذكر
السٌّمعَة: 57
عدد النقاط: 13620
معلومات الاتصال
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
مُساهمةموضوع: رد: حياة المتنبي كاملة السبت 17 سبتمبر 2011 - 15:27

حياة المتنبي كاملة
- المتنبي بين التغيير والتطور :

إن مفهوم التغيير والتطور من المفاهيم الأساسية في التاريخ
الأدبي لدى طه حسين، إذ يرتبط مفهوم التـغـيـر بتـصوره للــعوامل التي تنتج
النص، وهذه العوامل ترجع إلى مفهومي " الجبر التاريخي " و " الجبر النفسي
". فالأول له علاقة بمرآة المجتمع في حين أن الثاني يرتبط بذات الأديب، وما
يوجد بين المفهومين هو مبدأ المحاكاة، فالأديب يحاكي ذاته ومجتمعه، فيكون
بذلك مرآة تنعكس فيها التحولات النفسية والمجتمعية.

إن العلاقة الناظمة لهذين العنصرين هي علاقة العلية، حيث يتغير
المعلول نتيجة لتغير العلة، فإذا " كان الأديب يعكس وضعا اجتماعيا فيغدو
مرآة للمجتمع، ويعكس وضعا فرديا فيغدو مرآة للأديب فمن المنطقي أن يتغير
الأدب نتيجة كل تغير بحدث في الأصل الفردي أو الاجتماعي الذي يعكسه ". وهذه
السمة التطورية للأدب تتسم بالحتمية، حيث أن قانون التطور يتجاوز إرادة
الفرد والمجتمع.

غير أن مفهوم التطور يتحدد عند طه حسين في علاقته بمفهوم الثبات،
فالأول يشير إلى التغير والتجدد، والثاني يشير إلى السكون والجمود، إن
التاريخ الأدبي للامة العربية وباقي الأمم الأخرى يخضع لهذين القانونين، إذ
أخص " ما نلاحظه في حياة أدبنا العربي منذ أقدم عصوره أنه يأتلف من عنصرين
خطيرين لا يحتاج لاستكشافهما إلى جهد أو عناء، أحدهما داخلي يأتيه من نفسه
ومن طبيعة الأمة التي أنتجته والآخر خارجي يأتيه من الشعوب التي اتصلت
بالعرب أو اتصل العرب بها، ويأتيه من الظروف الكثيرة المختلفة التي أحاطت
بحياة المسلمين فيها على مر العصور ". فالتاريخ الأدبي عنده يعتمد على
العنصر الخارجي للتطور أكثر من اعتماده على العنصر الداخلي للثبات. لأن
التاريخ عنده "يعتمد في تحديده على المؤثرات الكبرى التي تحدث تطورا في
الأدب فتخرجه من وضع إلى وضع، وعلى التيارات التي تدخله فتحرره من بعض
الصفات وتلحق به بعض الصفات الأخرى ". وما يترتب عن هذا التصور هو أن
العلاقة بين تطور المجتمع وتطور الأدب علاقة آلية. إذ كلما " تغيرت ضروب
العيش وجب أن يتغير الشعر ".

فما هي انعكاسات هذا المفهوم التطوري للظواهر الأدبية على تعامل
طه حسين مع الأدب والتاريخ له ؟ إنه بموجب العلاقة العلمية، سينظر للأدب
على أنه ظاهرة تطورية تخضع لمنطق تعاقبي تصاعدي، وستتحدد قيمة النص الفنية
من خلال الحركة المتصاعدة عبر الزمن، وسنكون أمام ظاهرة تحاكي نمو الإنسان،
من الطفولة إلى الشيخوخة، فالأدب في نظره، يبدأ كالطفل، وما يسم هذه
المرحلة هو التقليد والمحاكاة، وبمجرد ما ينتقل الأديب إلى طور آخر من
حياته ينضج أدبه ويتغير.

فكيف تجلى هذا المنظور التطوري من خلال كتاب " مع المتنبي " وما هي النتائج التي ترتبت عنه في قراءة الخطاب الشعري ؟

إن حركة التاريخ الأدبي في الكتاب حركة خطية أفقية تزاوج بين
المجتمع والفرد، وتبحث في التأثيرات التي مارستها الحياة العامة والخاصة
على شعر المتنبي، لذلك فقد رأينا طه حسين يقدم بين يدي دراسته فرشا عاما عن
العصر الذي نبت فيه الشاعر، ليخلص إلى الأحداث الكبرى التي تحكمت في
حياته، وكان لها تأثير بالغ في تكوين شخصيته. يقول : " إني لم أثر هذه
المناقشة الطويلة لأعرف أكان المتنبي عربيا أم أعجميا، وإما أثرتها لأنتهي
منها إلى حقيقة يظهر أنها لا تقبل الشك، وهي أن المتنبي لم يكن يستطيع أن
يفاخر بأسرته ولا أن بجهر بذكر أمه وأبيه، ألتمس بذلك ما شئت من علة، فهذا
لا يعنيني، وإنما الذي يعنيني ويجب أن يعنيك، هو أن شعور المتنبي الصبي
بهذه الضعة أو بهذا الضعف من ناحية أسرته وأهله، قد كان العنصر الأول الذي
أثر في شخصية المتنبي وبغض إليه الناس رأى نفسه شاذا لأمر ليس فيه يد، وليس
له عليه سلطان، ففكر تفكير الشاذ وعاش عيشة الشاذ ".

نلمح في هذا الاستشهاد أن طه حسين أعتمد مقولة الجبر النفسي، حيث
ركز على أن المتنبي هو استجابة سلبية لظروف خارجة عن إرادته، فهو ليس
مسؤولا عن وضعه الشاذ، لكنه يعتبر ثمرة لهذه العلة الخارجية، هذه العلة
ستتحكم في توجيه شعره منذ الصبا إلى النضج، ولقد ترتب عن هذا الفهم تفسير
الظاهرة الشعرية انطلاقا من عوالم خارجية، إذ استجابات الشاعر من خلال هذا
المنظور هي نتاج لمشيرات خارجية، سيكون فيها المتنبي مرآة تعكس بطريقة
سلبية عوالمه الداخلية.

بعد رؤيتنا لهذه المفاهيم المؤسسة للعملية التاريخية سنتتبع الخط
الأفقي الذي رسم من خلاله طه حسين مسيرة التطور الشعري لدى المتنبي.

الحركة الأفقية من خلال كتاب مع المتنبي :

إن التطور الشعري يرتبط عند طه حسين بعنصري البيئة والزمان، إذ
كلما تغيرا يتغير الفرد في علاقته بهما، ومن تم يكون هذا التغيير مسؤولا
على نمو الشاعرية، لذلك سيلاحظ المتتبع لحركة التاريخ الأدبي في الكتاب
أنها ستنطلق من نقطة البداية التي هي طفولة الشاعر. فكيف قرأ طه حسين شعره
هذه المرحلة ؟

1- الكوفة والطفولة الغامضة :

إن طفولة المتنبي مجهولة ويكتنفها الغموض ، فهي طفولة " مجهولة بالطبع كطفولة غيره من

الشعراء الذين عاصروه أو سبقوه " ، وقد رد طه حسين غموض هذه المرحلة من
حياة الشاعر لغموض أمر أسرته ، لكن هذا التعليل غير كاف بحيث أنه يغيب
السبب الرئيسي لغموض هذه المرحلة ، فليست حياة المتنبي الصبي هي الوحيدة
التي اكتنفها الغموض ، بل أغلب الشعراء والكتاب لا نظم لهم بتأريخ لهذه
المرحلة من حياتهم ، وذلك راجع للسنن الثقافي الذي تحكم في التاريخ للأدباء
، فالثقافة الكلاسيكية لم تهتم بهذه المرحلة من حياة المبدعين ، إذ نجد
البداية الفعلية لحياة المبدع تبدأ منذ التقائه بشيوخه ، بمعنى عندما ينتقل
المرء من الطبيعة إلى الثقافة ".

ولقد عمد طه حسين إلى الشعر الذي قاله المتنبي في صباه محاولا
تسليط الضوء على هذه المرحلة في حياته. ومستخلصا طبيعة هذا الشعر.

لقد سبق أن أشرنا إلى أن الخط الذي رسمه طه حسين لتطور الفن
الشعري يبدأ من طفولة الشاعر ، وهذه اللحظة تعتبر في نظره هي طفولة الشعر ،
وما يميز هذه المرحلة الطفولية هو التقليد والتصنع ، فهو يقول بأن " الأصل
في الابتداء الفني التقليد بحيث يقلد المبتدأ واحدا أو غير واحد من الذين
سبقوه في الفن الذي يزاوله ".

نلاحظ من خلال هذا التصور للعملية الإبداعية أن الشاعر يدخل العالم الشعري وهو يحبو كالطفل.

لقد عمد طه حسين لشعر هذه المرحلة ، بعدما سطر مجموعة من الخصال
بصمت هذا الشعر ، وما يلاحظ هو أنه لم يؤرخ للمقطوعات التي قيلت في هذه
المرحلة ، وذلك راجع إلى أن هذا الشعر لم يؤرخه لا القدماء ولا المحدثون.
وإنما ورد في نسخ الديوان بدون تاريخ.

بعد أن قدم الخصال الأربعة 1 لهذه المرحلة ، راح يعتمد على المتن
الشعري ليؤكد هذه الخصال، مخللا قراءته ببعض الوقفات على الجانب الصناعي
لهذا الشعر. ولقد تحكم في قراءته المبدأ العام الذي انطلق منه في تصوره
للطفولة باعتبارها لحظة تقليد ومحاكاة لذلك حكم مسبقا على هذا الشعر
بالتكلف والتصنع والاحتذاء.

بالإضافة إلى أنه لم يعتمد هذا المتن ليدرسه في ذاته وإنما جعله
وسيلة " ليرى هل هذه المقطوعات تصور حقا كل هذه التي أحصاها ".

وسنعرض لبعض النماذج التي توقف عندها مبرزين آليات القراءة التي اتبعها. وأول نموذج توقف عنده هو هذان البيتان :

بأبي من وردته فافترقنا

وقضى الله بعد ذلك اجتماعا (الخفيف)

فافترقنا حولا فلما التـقينا

كان تـسليمه علي وداعــا


لقد سلك مجموعة من الخطوات في قراءته لهذين البيتين ، فكان أول
ما ابتدأ به أنه عمد إلى نثرهما سالكا طريقة " حل المعقود " ، ثم انتقل إلى
الكشف عن الدافع الذي كان وراء هذين البيتين مركزا على " أن الفكرة التي
حملت الصبي على أن ينظم هذين البيتين هي هذه التي توجد في الشطر الأخير من
البيت الثاني وهو : كان تسليمه علي وداعا " 1. نسجل هذا الصدد أن ما يتحكم
في قراءته هذا إيمانه بالفصل بين ثنائية اللفظ والمعنى ، فالشاعر في نظره
يعمد إلى فكرة مسبقة ثم يبحث لها عن البناء الشعري. بعد ذلك انتقل إلى
الوقوف عند بعض جزئيات البيتين ، معلقا على ذلك بقوله " فكلمة وددته هنا
نابية قلقة مكرهة على الاستقرار في مكانها الذي هي فيه ، أراد الصبي أن
يقوله أحببته فلم يستقم له الوزن " .

إن هذا التعليق نموذج لتعامل طه حسين مع الشعر. وهو نموذج ينتمي
لحقل كلاسيكي أصوله في النقد العربي القديم ، إذ يعمد إلى قراءة الجزء دون
الكل ، وإن هذا النوع من القراءة تنعكس سلبياته على تقييم الشعر والحكم
عليه.

لقد جانب الصواب في الحكم عـلـى هـذه الكلمة، إذ لـو أراد
المـتنبي استعمال كلمة "حببته " مكان " وددته " لاستقام له الوزن، فمكونات
وددته تساوي من الناحية الوزنية أحببته، لكن الشيء الذي غاب عن طه حسين هو
التساؤل عن الدافع الذي جعل المتنبي يختار مادة ودد عوض مادة حبب. لقد حاول
معاصره العقاد أن يجيب عن هذا التساؤل بعد أن قام بعملية استقرائية لمادة "
ود " في ديوان المتنبي ورأى بأن " المودة هي الكلمة العربية التي تقابل
كلمة " Tendresse " في الفرنسية، وتطابق معناها تمام المطابقة، وهو ذلك
الحب الرقيق الذي فيه حنو وشوق ، وليس فيه عنف ولا اعتلاج، وليست في اللغة
العربية كلمة هي اصح لهذا المعنى من " وددته التي اختارها الشاعر ، وليجرب
الدكتور أن يغيرها في كلام منثور فسيعلم أن هذه الكلمة في نظم المتنبي
الصبي هي أشبه الكلام بنظم المتنبي الكبير" .

لم يلمح طه حسين البعد النفسي لهذه الكلمة ، ومرد ذلك أنه يقرأ
الديوان قراءة خطية لا عمودية، بالإضافة إلى انطلاقه من أن شعر الطفولة هو
تقليد وصنعة وتكلف. وطبيعة هذه القراءة لا تنفذ إلى عمق الخطاب الشعري
باحثة عن الخيوط الناظمة لبنيته ونسيجه. ونحن لا شك في قدرة طه حسين على
تذوق الشعر ، غير أن أدواته المنهجية تحول بينه وبين إدراك خبايا النص ،
لأن النص في نظره لا يدرس لذاته، وإنما يدرس لاستخلاص الشواهد على صحة
الفروض التي ينطلق منها.

بعد مرحلة التعليق على النص ، ينتقل إلى الحكم عليه، ولقد اتسم
حكمه بالانطباعية والتأثرية، بحيث يسجل الوقع الذي يتركه في نفس متلقيه
يقول " وسواء أكان هذا الشعر جيدا أم رديئا مستقيما أو ملتويا، فإني أجد في
نفسي حبا له وميلا ، لأني أتمثل هذا الجهد العنيف الذي بذله الصبي الذكي،
حتى استخرج هذين البيتين " .

يصدر طه حسين في أحكامه عن العاطفة لا عن الفن ومثل هذه
الاستجابة الانطباعية تحول دون تقييم الجانب الجمالي في النص ، ويذكر نهج
طه حسين بتلك الأحكام الانطباعية التي كان يصدرها النقاد العرب القدامى في
الطور الشفوي للنقد.

وبعد توقفه عند هذين البيتين انتقل للحديث عن مقطوعة من ثلاثة
أبيات وقرأها بنفس الطريقة السابقة. ويورد بعد ذلك بيتين قالهما المتنبي
الصبي في المكتب وهما :

لا تحسن الوفرة حتى ترى

منشورة الظفرين يوم القتال

على فتى معتقل صعدة

يعلها من كل وافي السبال


يعلق عن هذين البيتين بقوله إنهما يشتملان على " جزالة مطبوعة لم
نلحظها في الأبيات السابقة وإنهما بريئان من الصنعة والتعمل ، وإنهما
يصوران نــــزاع الـــصبي إلى الحرب والـقتال ".

أول ملاحظة نسجل بصدد هذا الحكم أنه حكم عام يلقى على النص دون
التوقف عند مكوناته ، ويعكس الغاية التي من أجلها يدرس النصوص ، بحيث نراه
يبحث في الأبيات عن مدى تصويرها لنفسية الشاعر وبيئته.

وما يغيب في هذا الحكم هو رصد عوامل التطور داخل شعر هذه المرحلة
، إذ لم يوضح كيف انتقل المتنبي داخل هذه المرحلة من التعمل والتكلف إلى
البراءة منها.

وما ذكرناه بصدد هذه المقطوعات ينسحب على باقي المقطوعات ،
والمبدأ الثابت في قراءة طه حسين هو تركيزه على إبراز مرآوية هذا الشعر
ومدى تصويره لبيئة الشاعر ونفسيته. بالإضافة إلى أنه يصدر أحكاما متنافرة
حول شعر هذه المرحلة فمرة نجد المتنبي متكلفا متصنعا ومرة نجد شعره مطبوعا
ومرة نجده يتصرف في الكلام كما يجب. إن هذه الأحكام غير منسجمة ، وقد يرجع
ذلك إلى الجهاز المفاهيمي الذي يصدر عند الناقد، بحيث تتجاوز فيه الطريقة
الكلاسيكية في النقد ( القراءة الأفقية للقصيدة بيتا بيتان ثم الوقوف على
العناصر الجزئية المكونة للنص )، مع النزعة الانطباعية ( التي تصدر عن
العاطفة دون تعليل أو تفسير للوقع إجمالي ). بالإضافة إلى التمسك بمبدأ
مرآوية الأدب.

لقد حاول طه حسين أن يستخلص مجموعة من الخلاصات بصدد شعر هذه
المرحلة ن حيث ابرز أن المتنبي في هذا الطور اتجه بعض الاتجاه إلى مذهب أبي
تمام ، وأنه نشأ نشأة شيعية غالية لم تلبث أن استحالت إلى قرمطية خالصة ،
وأنه لم يقطع المرحلة الأولى حتى " كان قد تم له حظه من الشعر " .

الموضوع الأصلي : حياة المتنبي كاملة // المصدر : /منتديات رأس الوادي نت/ الكاتب: Admin



توقيع العضو: Admin

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معلومات العضو




معلومات إضافية
إحترام قوانين المنتدى إحترام قوانين المنتدى:
المهنة:
ذكر
السٌّمعَة: 57
عدد النقاط: 13620
معلومات الاتصال
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
مُساهمةموضوع: رد: حياة المتنبي كاملة السبت 17 سبتمبر 2011 - 15:28

حياة المتنبي كاملة
- بغداد واستكمال القدرة على نظم الشعر :

يسعى طه حسين في المرحلة القصيرة التي قضاها في بغداد إلى إبراز
التحولات التي طرأت على شعره، وقد عمد إلى نموذج شعري هو عبارة عن قصيدة
مدح بها محمد بن عبد الله العلوي ، ورأى أن هذه القصيدة توضح أن المتنبي "
قد استكمل حظه من القدرة على نظم الشعر الجيد، وأن لم يبلغ بعد ما قدر له
من النبوغ " .

ومن خلال تحليله لهذه القصيدة اتضح أنه يسلك المنهج التقليدي في
قراءة الشعر ، فقد وقف عند البناء العام للقصيدة وقسمها إلى أقسام ثلاثة :
قسم الغزل ( 12 بيتا )، قسم الوصف ( 4 أبيات)، قسم المدح.

إن هذه الطريقة في التحليل تذكرنا بالنموذج الذي وصف به ابن
قتيبة بناء القصيدة المدحية 1، ولقد أورد طه حسين هذا النموذج بأكمله ليبين
أن المتنبي في هذا الطور من حياته بدأ يسلك طريقة الشعراء الذين يلمون
بمواضيع عديدة في القصيدة الواحدة.

وتبقى الطريقة الانطباعية هي المهيمنة على التحليل فهو يرى بأن
الانسيابية التي تشمل عليها هذه القصيدة قائمة في البحر الشعري الذي اختاره
المتنبي لقصيدته " الذي تطهر فيه السرعة والأغرار وتتدافع فيه أبيات
القصيدة وألفاظ البيت تدافع الموج، ولعل مصدر هذا الإحساس أيضا هذه القافية
التي اختارها الشاعر، والتي جمعت بين خصلتين ظاهرتين : أحدها المتانة
والقوة، والأخرى الرحب والسعة. هذه الدال التي تسبقها حركة يسبقها سكون
تصور المتانة والقوة، وهذه الهاء المطلقة تصور الرحب والسعة " .

بعد توقفه على هذا الجانب الإيقاعي للقصيدة، خلص إلى إبراز
القوام الفني لشعر المتنبي، الذي يتمثل في المطابقة والمبالغة، ففي نظره أن
هاتين الخصلتين هما العمود الأساسي لشعر المتنبي، غير أنه لم يربط هاتين
الظاهرتين البلاغيتين برؤية العالم عند الشاعر وإنما اقتصر فقط على مظهرهما
الخارجي، فرأى أن المطابقة " يستخرج منها فنونا من الجمال تؤثر في العقل
والقلب والحس جميعا، تنشئ شيئا من الموسيقى الحلوة في أكثر الأحيان "، لم
يلمع في هذا المنزع الأسلوبي البعد الجدلي، حيث تنبني رؤية الشاعر للعالم
على صراع الأضداد الذي يولد تجدد الحياة.

أما المبالغة ، فلم يعلل تواترها في هذا الشعر، وإنما اكتفى بذكر
طابعها التصويري ، فهي في نظره تعكس طبيعة المتنبي " فهو قوي الحس ، حاد
المزاج، عنيف النفس ، مندفع بحكم هذا كله إلى الغلو والإسراف " ويحاول رد
هاتين الخصلتين إلى أن المتنبي كان يقلد شعراء القرن الثالث الذين تكلفوا
البديع ، بالإضافة إلى أن مذهب المبالغة في الشعر قد أصبح محمودا.

وخلص طه حسين إلى أن جمال شعر المتنبي في هذه المرحلة يرجع إلى المطابقة والمبالغة.

إن شعر هذه المرحلة في نظر طه حسين ، شعر يقلد فيه الشاعر
السابقين، هذا الحكم يستجيب للتصور الذي يبنى عليه التاريخ الأدبي عنده حيث
تتسم المراحل الأولى بالتقليد، ومرحلة التقليد تنعدم فيها الشخصية ، إن
هذا المفهوم الأخير يعتبر حجز الزاوية في المنهج النقدي لدى طه حسين، فهو
يحدد جودة الشعر بمدى تمثيله لشخصية صاحبه. ومادام هذا العنصر غائبا في هذه
القصيدة فإنه سيحكم عليها بالتقليد ، وسيحاول أن يبرر اختياره للقصيدة
كنموذج لشعر هذه المرحلة متجاوزا لها باعتبارها " تقليدا صرفا من الجهة
الفنية " إلى دلالتها التاريخية.

فبالرغم من أن القصيدة لا تبرز شخصية الفنان فإنها على الأقل
تعكس المحيط الخارجي ، فالقصيدة " تنبئنا أن الشاعر الفتى لم يسافر من
الكوفة إلى بغداد راكبا، وإنما ذهب إليها راجلا... فإذا صح هذا التقدير فإن
الفتى قد أعجل عن الاستعداد للرحيل وفر من الكوفة فرارا " . بالإضافة إلى
أنها تبين أنه لم يمدح بها رجلا من رجال الحكم، وإنما مدح بها رجلا علويا ،
وما يمكن أن يستنبط من ذلك أن المتنبي حين وصل إلى بغداد كان متحفظا
بمذهبه السياسي، متحرفا عن السلطان العباسي القائم من بغداد ، ولكننا لا
نرى من القصيدة مذهب القرامطة ولا إشارة إلى نظرية الحلول ".

نلاحظ من خلال هذا النموذج القرائي أنه :

لا يهتم بالخطاب الشعري في ذاته.
أنه يحلل الشعر بمقولات تقليدية ( أثر مدرسة المرصفي ) ، فهو إذ يهتم
بالبناء الخارجي للنص لا يبحث عن العلاقات الناظمة والمتفاعلة فيما بينها.
أنه يقيم النص من خارجه.
أنه ينتقل من النص إلى الشخصية والمحيط الخارجي، فقيمة النص تتحدد من خلال تصويره للشخصية والواقع.
3- الشام وتقدم الملكة الفنية نحو النضج :

أول مسألة اعترضت طه حسين في هذا القسم من شعر المتنبي هي مسألة
التاريخ لقصائد هذه المرحلة ، لأن القصائد التي قالها بين خروجه من بغداد
ودخوله السجن منشورة في القسم الأول من ديوانه على نحو يظهر أنه كان يقصد
به إلى كثير من التعـمـية والـتضلـيـل. 3 فهناك قصـائـد مـقـدمة من الديوان
وقد كان إنشاؤها متأخرا ، وهناك قصائد متأخرة وقد كان إنشاؤها متقدما.

ولقد اتبع طه حسين في توقيت هذه القصائد طريقتين : سمى الأولى
بالطريقة النفسية ، حيث أرخ هذه القصائد من خلال طبيعة الحياة العقلية
والشعورية التي كان يحياها الشاعر، قبل أن تلم به الكارثة ، وحسب هذه
الطريقة فإن ظنه يغلب عليه أن العقائد التي تضم بعض آرائه القرمطية قد قيلت
في هذا الطور غير أن طه حسين لا يثق في هذه الطريقة، حيث فضل عليها
الطريقة الثانية ، التي تعتمد على الجانب الجغرافي فقد تتبع المسار الذي
قطعه المتنبي من بغداد مرورا بالجزيرة ووصولا إلى شمال الشام ، فهو قد
اعتمد على عنصر البيئة في توقيته لقصائد هذا الطور ، وبمقتضى هذا المعيار
الجغرافي قسم شعر هذه المرحلة إلى خمسة مراحل :

شعره في سوريا الشمالية.
شعره في طرابلس.
شعره في اللاذقية.
شعره حين كان يستعيد الثورة في البادية.
شعره في السجن.
يعتبر طه حسين شعر هذه المرحلة على انه امتداد لشعر الصبا "
فالآراء القرمطية ظاهرة فيه ... إلا أن يتحفظ الشاعر ويحتاط ، والمذهب
الفني الذي ابتدأ الفتى به شعره ظاهرة فيه كل الظهور تقليد للقدماء ولأي
تمام خاصة ، واعتماد ظاهر على المطابقة والمبالغة " ، وبالرغم من هذا
الطابع التقليدي فقد سجل أنه عرف نموا في الألفاظ ، والمعاني والأساليب وأن
ملكة الشاعر الفنية تقدمت نحو الرشد والنضج.

ولكي يتعرف على أصول فن المتنبي اعتمد منهجه في الذوق، فطبقه على
إحدى قصائد هذا الطور|، وقدم قراءة تقليدية تعتمد على وحدة البيت الشعري،
والوقوف على المعاني الجزئية، والمقارنة خاصة عندما بين أوجه التقارب بين
المتنبي والفرزدق في ظاهرة التكلف والتعقيد، ولقد خلل تحليله ببعض الأحكام
الانطباعية التقريطية على بعض البيات يقول " أما البيت السادس فخلو مؤثر
فيه حنين الفتى لا إلى صاحبته هذه بل إلى وطنه ذلك الذي هجره، والذي مازال
يشم ريحه " .

بعد تحليله للقصيدة خلص إلى أننا لا نظفر منها بشيء ، ومن تم فهي
قصيدة متكلفة، ومصدر هذا الحكم ليس فنيا وإنما يرجع إلى أن القصيدة لا
تعكس المذهب القرمطي ولا تعكس نفسية صاحبها.

إما النموذج الثاني، وهو قصيدة مدح بها المتنبي " أبا المنتصر
شجاع بن أوس معن بن الرصا الأزدي ، فإنه ولجها بمقولة الصدق العاطفي ،
ويعتبر هذا المفهوم أساسيا لفهم الخطاب النقدي عنده.

إن طه حسين اصدر حكمه بجودة هذه القصيدة لأنها حققت لديه مفهوم
الصدق العاطفي، يقول وهو بصدد الحديث عن البيت الثاني من القصيدة.

جهد الصبابة أن تكون كما أرى

عين مسهدة وقلب يخفق


" فهل ترى غناء اصدق من هذا الغناء، وأبلغ تأثيرا في النفس ومع ذلك فليس في البيت شيء جديد ولا معنى طريف ولكن صدق لهجة الشاعر . "

إن مفهوم الصدق لا يعتبر مفهوما إجرائيا، وإنما هو مقولة أخلاقية
تخلى عنها النقاء القدامى من أمثال قدامة بن جعفر الذين أكدوا على أن
الشعر صناعة واشتغال على اللغة.

والنموذج الثالث هو القصيدة السينية ، وقد أوردها ليخلص منها فقط إلى قرمطية المتنبي ، يقول معلقا عليها :

" ولكن المهم من هذه القصيدة هي هذه الأبيات التي تظهر المبالغة
القرمطية فيها أبشع مظهر، لا من الناحية الدينية وحدها، بل من الناحية
الفنية أيضا " .

أما القصيدة التي قالها في سيف الدولة سنة 321، ولما كان في
اللاذقية، فإنه لم يختر منها سوى بيتا واحدا، " يدل على أن الفتى كان في
هذه القصيدة كما كان في غيرها شديد التهاون في دينه يتحدث عنه في غير عناية
ولا حرج ".

نسجل بعد استعراض هذه النماذج من التحليل أن قراءة طه حسين تعتمد
على المقولات النقدية القديمة ( عمود الشعر ). بالإضافة إلى نزعته
الانتقائية ، فهو ينتقي الأبيات التي تخدم مساره النقدي، ولا يهتم بالرسالة
الشعرية لذاتها، لأنه يقرأ في الشعر مسائل تهم الشخوص دون النصوص. ومن هذه
النقطة بالذات تكمن الثغرة في المنهج النقدي لديه، ولا نستغرب ذلك مادام
المنهج الذي يتبعه يدخل ضمن المناهج الخارجية في الأدب، التي لا تعنى
بالقوانين الداخلية للنص، وإنما تفسر الأدب بقوانين خارجة عن ميدان الأدب.

ويقف مرة أخرى أمام قصيدة قالها المتنبي في اللاذقية، معتبرا
إياها من أروع ما نظمه الشاعر في هذه المرحلة لا لشيء إلا لأنها حققت لديه
مطمحين.

الأول سياسي : لأن الشاعر قد صرح بمذهبه السياسي، هذا المذهب اعتبره طه
حسين أعم من القرمطية والتشييع ، إنه مذهب سياسي ذو نزوع قومي ، مفاده هو "
أن تجتمع كلمة العرب، وأن يعود إليهم ملكهم وسلطانهم ، وأن يرد غير العرب
من الخدم والرقيق إلى طورهم الذي كانوا فيه حين كان الملك عربيا صريحا " .

أما الطموح الثاني : فيتجلى في أن القصيدة قد أظهرت قدرة المتنبي
على الوصف والبراعة فيه، خاصة وصف الطبيعة الحية والصامتة. هذا الوصف يبرز
مكامن القوة فيه، خاصة وأن الطريقة التي سلكها الشاعر تعكس تمثلاته
واستيهاماته الباطنية، فقد اصبغ على البعيدة صفات غريبة، فزبدها استدعى
لديه صورة الفحول المزبدة الهائجة واستدعت لديه صورة الحرب : صورة الأنثى
الناعمة، إن هذه الصور لم تثر اهتمام طه حسين ، ومع ذلك فقد حكم على هذا
الوصف بالبراعة دون أن يعلل مكامنها. (قصيجي)

ولما انتقل إلى الحديث عن شعر المتنبي في إنطاكية اعتبره مدحا
معادا " لا تجديد فيه ولا تغيير ، ولا صدق فيه ولا إخلاص، إنما هو شعر بياع
". بالإضافة إلى أن الشاعر بدأ في هذه المرحلة يقسم قصيدته بينه وبين
ممدوحه ، فيتخذ لنفسه الشطر الأول يشكو فيه، ويذم الزمان والناس، أو يرمز
فيه بالغزل والنسب إلى هذه الشكوى المرة.

أما شعره بعد خروجه من السجن فهو شعر يقلد فيه السابقين وينهج
منهج المتقدمين خاصة نهج أبي تمام وإذا ما ظهرت شخصيته فإنما تظهر في أوقات
العنف أو في أوقات الحزن.

يتساءل طه حسين حول الأسباب التي كانت تنقص الشاعر ليصل إلى درجة
النبوغ، فيحاول أن يرد ذلك إلى أن المتنبي كان محتاجا إلى حياة راضية تشحذ
العزم وتحيي الأمل وإلى بيئة مثقفة.

إن هذه العوامل لا تنهض حجة على عدم نبوغ الشاعر، إذ هذه العوامل
النفسية والثقافية لم تتوافر للمتنبي إذا ما استثنينا البيئة الحلبية
والمصرية من الناحية الثقافية، أما الحياة الراضية فلم يعرفها الشاعر طوال
حياته بحيث عرفنا المتنبي قلقا مترحلا مغتربا، أما البيئة الثقافية فإنها
ليست دائما مسؤولة على صنع الشاعر المبدع. إن طه حسين يتهم بيئة الشام في
أنها أبطأت النبوغ لدى المتنبي لأنها لم تكن بيئة مثقفة. فهو يقول " فأما
المتنبي فقد نشأ شعره في العراق ، وحاول أن ينضج في الشام فأدركه البطء ودب
إليه كثير من الفساد، وظهر فيه تكلف يمقته الذوق العربي . "

لا ندري كيف اتهم طه حسين هذه البيئة، واعتبرها عاملا من بطء نضج
الشاعر، مع العلم أن هذه البيئة هي التي أنجبت كبار الشعراء من أمثال عدي
بن الرقاع العاملي*، ومنها تخرج أبو تمام، وأبو عبادة البحتري الذي ذهب من
الشام ناضجا إلى بغداد" بل إن هناك من نشأ في هذه البيئة ونضجت شاعريته
وداعت شهرته ورفض أن يغادرها إلى بغداد، ونعني به ديك الجن* الذي استوى على
تاج الشعر بغداد، قبل أن يولد أبو تمام أو البحتري".إن عوامل النبوغ يردها
طه حسين إلى العوامل الخارجية، خاصة عامل البنية، ومن خلال هذه العوامل
نستشف تطوره للعلمية الإبداعية، فهي في نظره استجابة سلبية لمثيرات خارجية،
بحيث تغيب الخاصيات الفردية التي تميز كل إنسان في تعامله مع المحيط.

يتشبث طه حسين بالعاملين السابقين ويعتبرهما محركين أساسيين
لنبوغ الشاعر، ليفسر بهما الوثبة الفنية التي عرفها الشاعر بجوار بدر بن
عمار في طبرية، فعند هذا الأخير وجد الشاعر " الحياة الهادئة ، ووجد البيئة
المثقفة الناقدة، فلم يلبث أن أحس اثر الأمرين جميعا، وأن وثب فنه في اشهر
قليلة في الرقي ما لم يبلغه من الأعوام أو الأربعة التي أقامها من شمال
الشام.

قبل أن يصل المتنبي إلى بدر بن عمار، يتوقف طه حسين عند القصيدة
الهمزية التي قالها الشاعر في القاضي الأوراجي، الذي كان يذهب بذهب
المتصوفة، فابرز طه حسين أن القصيدة تندرج ضمن الطور الذي وثب فيه الشاعر
إلى مرتبة أخرى من الشعر بحيث أن القصيدة تعكس المذهب الرمزي لدى الشاعر،
وتبرز علمه بمذهب المتصوفة في الكلام، ونهجهم من الرمز والإيماء، وإنه قد
لاءم فيها بين جهد العقل وجهد الفن.

لم يستطع طه حسين أن يفسر أسباب هذه الوثبة، لأنه ظل محصورا
بعامل البيئة، فلم يستحضر الأطر المرجعية التي كونت ذهنية الشاعر وذائقته،
فالشاعر نتاج لمقروءاته، وللنصوص التي حفظها وتفاعل معها ونسيها، إذ كيف
تفسر تمكن الشاعر من المذهب الصوفي في لحظة مبكرة من عمره وتمكنه من توظيف
الرؤى الصوفية في شعره، لو لم يكن المتنبي منخرطا في هموم العصر الثقافية
هذا العصر الذي تشعبت فيه الاتجاهات والمذاهب الفكرية.

إن تفاعله مع النصوص السابقة والراهنة، هو ما يفسر ظهور هذه
الوثبات الفنية. إن الشجرة لا تصنع الغابة، والبيئة وحدها لا تصنع الشاعر.

إن صياغة الشعر تحتاج إلى هضم نصوص سابقة ثم نسيانها (ابن طباطبا
العلوي) ، وهذا النسيان الفعال كفيل بأن يولد نصوص إبداعية جديدة, إن تغيب
هذا البعد التناصي عند طه حسين يرجع بالأساس إلى الإطار الفلسفي الثاوي
وراء منهجه في تاريخ الأدب، هذا الإطار الوضعي يسلم بوجود علل خارجية هي
المسؤولة على تكون الظواهر، ولا يبحث عن العلل الداخلية.

إن النص الأدبي هو وليد لنص آخر، إذ الكلام يولد من الكلام و " لولا أن الكلام يعاد لنفذ ".

4- الفيلسوف المنهزم والشاعر المداح.

يصور طه حسين، المتنبي، في هذه المرحلة التي قضاها بجوار بدر بن
عمار، ذليلا لا هم له إلا بذل كبريائه للسادة والقادة والأمراء ثم البكاء
عليهما بعد أن يبذلها ويفرط فيها.

ويعرض بعد ذلك للقصائد التي قيلت في هذا الطور، فتثير القصيدة
التي مدح بها الشاعر بدر بن عمار عندما صرع أسدا، معلقا عليها بأتمها آية
من آيات شعره. خاصة في الجانب الوصفي، واكتفى طه حسين بتسجيل أحاسيسه كان
هذا الوصف يقول معلقا دون أن يحلل " فهذا كلام يكفي أن تنظر فيه نظرا سريعا
لتحس ما فيه من جمال وروعة وترى فيه فتوة وقوة ، ما أرى إلا أن الشاعر قد
استعارهما عن نفسه، وخلعها على ممدوحه " .

ويخلص طه حسين إلى أن المتنبي قد رحل عن بدر حاملا معه خصلتين
متناقضتين، هما إحساسه بالذل والانكسار ، وإحساسه بعزم الماضي والرغبة في
الثورة. وليؤكد طه حسين هذه الخلاصة يلجأ إلى مجموعة من المقاطع من شعر
الشاعر معتبرا إياها ترجمة لالآمه وخيبة آماله ...

بعد هذه المرحلة سيتعامل الشاعر مع عمال الأخشيديين ، وسيقول
فيهم خمس قصائد اعتبرها طه حسين من جيد شعره وأرقاه. وكعادة طه حسين في
تعامله مع شعر المتنبي فإنه لم يحلل هذه القصائد وإنما اكتفى منها ببعض
الأبيات التي راقته من الناحية الموسيقية، أو التي تحمل بعدا سياسيا. أما
القصيدة البائية التي مدح بها علي بن محمد بن سيار بن مكرم فقد استوقفه
فيها وصفه للحرب وغناؤه الحزين.

سينتقل المتنبي إلى الرملة ثم إلى طرابلس وأخيرا سيصل إلى دمشق.
وفي دمشق سيستجير بعلي بن صالح الرذباري والي المدينة ومدحه بقصيدته
الزائية. ناقش طه حسين هذه القصيدة من الناحية الموسيقية والإيقاعية ، وخلص
إلى أن القصيدة تعكس بأن المتنبي فيها " شعوبي صريح " ، يقول " أما في هذه
القصيدة فالمتنبي الذي اتخذ العربية لنفسه مذهبا سياسيا وفلسفيا يخرج عن
مألوفه فيمدح هذا الرجل الفارسي ويمدح الفرس " .

لقد سقت هذه الأحداث لأصل إلى العامل الذي يراه طه حسين مسؤولا
عن تطور الفن عند الشاعر ، فهو يرى بأن هذا العامل يكمن في الحماية الأدبية
، يقول بهذا الصدد : " فهو لم يستطع أن يرقى بفنه إلا في ظل حكم يحميه
ويعطف عليه وهو لم يستطع أن يعيش عيشة الشاعر المنتج المرتقي بفنه شيئا
فشيئا إلا في كنف الأشراف والسادة والأمراء كأنه النبت الطفيلي لا ينمو ولا
يزهر إلا في ظل الشجر الضخام المرتفعة في السماء ".

يبدو أن طه حسين متأثرا في ما ذهب إليه برأي المستشرق الفرنسي
ريجس بلاشر الذي أشار إلى ظاهرة حماية الأدب كظاهرة عرفت في الشعر العربي
القديم وازدهرت في القرن الرابع.



5- حلب والثبة الأخيرة لفن المتنبي.

تعتبر المرحلة الحلبية من أطول المراحل في الحياة الشعرية
للمتنبي، فقد مكث تسعة أعوام في بلاط سيف الدولة، حيث قفز شعره إلى الذروة،
وذلك جاء نتيجة " لهذه الحياة الجديدة التي انغمس فيها، ولما كان قد ركب
في طبعه من ذكاء القلب، ونفاذ البصيرة، وحدة الذهن، وقوة العقل والشعور
معا... ووجد عند سيف الدولة راحة من الجهة، وفراغا للجد من الأمر، وصادف
بيئة خصبة مثقفة ذكية نـــاقـــدة " .

يسجل طه حسين، أن ما يميز شعر هذه المرحلة، هو الكثرة والتنوع،
بالإضافة إلى أن المتنبي استطاع أن ينشئ فنا جديدا من فنون الشعر، وهو وصف
الجهاد بين المسلمين والروم.

وقد وقف طه حسين أمام هذا الشعر ليبين التأثير الذي يحدثه في
القارئ، حيث رد قوة هذا الشعر إلى أنه توجه لجمهور المجتمع محركا انفعالاته
وحماسته، إذ لم يكن موجها لسيف الدولة وحده، بل كان شعرا يصور نفسية
الشاعر الثائرة ويصور الجماعة، يقول " فإذا قرأت وصف المتنبي لهذا الجهاد
وجدت فيه نارا تضطرم ... ومصدر هذا أن المتنبي في هذا الوصف لم يكن يصدر عن
مدح سيف الدولة والرغبة في إرضائه وإثارة إعجابه بنفسه وإعجاب الناس به،
كما كان يفعل أبو تمام والبحتري، وإنما هو يصدر عن هذا ويصدر معه عما كان
يثور في نفسه من العواطف، وكان يصدر مع هذا وذاك عن انفعالات المسلمين التي
كانت تثور حوله أثناء الاستعداد للحرب "، وأثناء تقييمه لهذا الفن يوجه
انتقاده للمستشرق الفرنسي ريجيس بلاشير الذي لم يستطع تذوق جمال هذا الفن،
وقد رد طه حسين قصور بلاشير في إدراك مكامن الجمال في هذا الفن إلى جنبه
واختلاف مزاجه وطبعه وإلى نزعته المسيحية، ولقد حاول بلاشير أن يجعل هذا
الشعر الحماسي شعرا قصصيا مثل الإلياذة والأوديسة، غير أن طه حسين لم يقبل
بهذه المقارنة منطلقا من إدراكه للفروق بين الأجناس الأدبية، فهو يعتبر هذا
النوع الشعري شعرا حماسيا يشتمل على عناصر الشعر القصصي لكنه يشتمل أيضا
على ما يميزه عن هذا الشعر وهو " أن الشاعر لا ينسى نفسه لحظة ولا بعض لحظة
وإنما هو يذكرها دائما ... فشخصية المتنبي ظاهرة قوية في شعره الرومي".
وهذا الحضور البارز للشخصية هو ما يميز الشعر الغنائي عن الشعر القصصي.

أما الخصلة الرابعة التي ميزت شعره في هذه المرحلة هي بروز
شخصيته في الشعر، بحيث أثبت الشاعر شخصية قوية وأصبح مرآة لنفسه لا لأبي
تمام ولا للبحتري.

إن الرقي الفني عند طه حسين رهين بإثبات الذات وبروز الشخصية الفردية والاستقلال عن الغير.

* المتن الشعري المعتمد في هذا الطور

لقد اعتمد طه حسين مجموعة من القصائد قيلت في هذه المرحلة حيث
بدأ بالقصيدة المدحية التي مدح بها المتنبي سيف الدولة في أول لقاء له في
حلب، مطلعها :

وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه

بأن يسعدا والدمع أشفاه ساجمه. (الطويل)


لقد اتبع في تحليلها نفس النهج معتمدا مقاييس القراءة
التقليدية، ولقد استوقفه الغموض الذي تعمده الشاعر في أول قصيدة بدأ بها
لقاءه مع سيف الدولة، وحاول أن يرد ذلك الغموض إلى أن الشاعر لم يكن يوجه
القصيدة لسيف الدولة وحده ولكنه كان يوجهها بالخصوص للبيئة المثقفة حول سيف
الدولة .

وقد استنتج طه حسين من خلال تحليله للقصيدة أن المتنبي يبدو حذرا مستهيبا غير مندفع كما كان في السابق مع بقية ممدوحيه.

ثم انتقل بعد ذلك إلى قصائد الرثاء التي قالها المتنبي في هذه
المرحلة وهي خمس قصائد، وقد حكم عليها بأنها ليست من أروع شعره " ومصدر ذلك
فيما يظهر أن المتنبي قال أكثر ما قال أداء للواجب ونهوضا بالحق، لا
استجابة للعاطفة " . وبالرغم من هذا الحكم فإنه توقف عند هذه القصائد
ليستخلص المذهب الفني لدى الشاعر في هذا النوع مبرزا ظاهرتين في فن الرثاء
عند المتنبي وهما :

-
اعتماد المتنبي على عقله الفلسفي والتجاؤه إلى كثير من الحكمة الشائعة عن الأمم على اختلاف البيئات والعصور.

-
اتخاذ الرثاء وسيلة للمدح.


بعد حديثه عن فن الرثاء، انتقل إلى الحديث عن القصائد التي تصور
ما كان من اضطراب البادية وموقف سيف الدولة من ذلك، ولقد توقف عند القصيدة
اللامية التي قيلت في ثورة القرامطة، ولقد توقف عندها لأنها تصور موقف
المتنبي عن مذهبه الذي كان يراه في شبابه. وقد عدها من أجود شعره.

بعد ذلك سيحلل القصيدة المسيحية التي قيلت في سيف الدولة سنة 339
هـ، وبعدها سيتوقف عند هذه القصيدة التي عدها من أروع ما قاله المتنبي
لسيف الدولة. وقد أوضح أن المتنبي بدأ في هذه القصيدة حزينا مفتخرا و
منتصرا.

ولقد توقف عند مطلع القصيدة لما يشتمل عليه من حزن دفين :

ليالي بعد الـظاعنيـن شـكول

طوال وليل العاشقين طويل

بين لـي الـبدر الـذي لا أريده

ويخفين بدرا ما إليه سـبيـل

وما عشت من بعد الأحبة سلوة

ولـكـنـنـي للـنـائيات حمـول


فتسائل عن سبب هذا الغناء الحزين، ورده إلى أنه " يصدر أحيانا
عن نفس الشاعر التي لم تدرك من آمالها شيئا، أو لم تكد تدرك منها شيئا،
ويصدر أحيانا أخرى عن حال هذه الأمة الإسلامية التي تبلي فتحسن البلاد ".

لقد أنهى طه حسين دراسة شعر المتنبي في حلب مشيرا إلى أن هناك
شعرا تم إهماله من طرف الشراح والنقاد، وهو شعر خليق بالعناية. جاء متضمنا
من القصائد المدح والوصف، عرض فيه الشاعر بأصحاب السلطات من مصر والعراق.

أما شعر المناسبات فلم ينل حظا من الدراسة حيث اعتبره من " أسخف ما قاله المتنبي لسيف الدولة ".

وأشار طه حسين إلى أن المتنبي خرج من حلب وقد نبتت فيه بذرة الإخفاق. هذا الذي سيظل ملازما له في أخريات حياته.

الموضوع الأصلي : حياة المتنبي كاملة // المصدر : /منتديات رأس الوادي نت/ الكاتب: Admin



توقيع العضو: Admin

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معلومات العضو




معلومات إضافية
إحترام قوانين المنتدى إحترام قوانين المنتدى:
المهنة:
ذكر
السٌّمعَة: 57
عدد النقاط: 13620
معلومات الاتصال
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
مُساهمةموضوع: رد: حياة المتنبي كاملة السبت 17 سبتمبر 2011 - 15:29

حياة المتنبي كاملة
- مصر بين الماضي المخفق والمستقبل المظلم.

إن السمة البارزة في شعر المتنبي في رحاب كافور هي الحزن واليأس،
وذلك جاء نتيجة الحياة الهادئة عند كافور بخلاف حياة المتنبي في حلب، إذ
كان عند سيد سيف الدولة مشغولا عن نفسه بالأحداث والوقائع، أما عند كافور
فيشتغل بنفسه، لأنه فقد إحدى المؤثرات في شعره، وهو النشاط والحركة.

إن هذه المواجهة بين الشاعر وذاته ستفضي في نظر طه حسين إلى
مجموعة من النتائج السلبية، بحيث عندما يستحضر ماضيه يراه أمالا خائبة،
ولما يفكر في المستقبل لا يكاد يرى شعاعا من أمل. فهو يعيش في " ماض كله
خيبة وإخفاق حتى في أحسن أوقاته، ومستقبل مظلم، وحاضر لا ترضى به النفس ولا
تطمئن إليه، ... ولا غرابة في أن ينبع الحزن واليأس على شعره رداء قاتما
".

لقد سجل طه حسين مجموعة من الملاحظات حول شعره في كافور نجملها في ما يلي :

1)
خلو هذا الشعر من السقط وكثرة الأخطاء التي كان يعرفها في السابق ومرد ذلك
" أن المتنبي فيما يظهر كان يقدر العلماء المثقفين المصريين أكثر مما يقدر
العلماء المثقفين الذين كان يلقاهم في قصر الحمدانيين ".

2)
خلوه من شعر المناسبات.

3)
شعر منتخب مختار وبرئ من السخف واللغو.

4)
عدم احتفاله بالبيئة الطبيعية مما جعله لا يصف الطبيعة المصرية ولا حتى
الحضارة المصرية، ويرجع طه حسين هذا العزوف عن وصف البيئة المصرية إلى أن
المتنبي كان منشغلا بنفسه، فربما وصف النجوم فأحسن الوصف وربما صور الليل
فأحسن التصوير، وأبدع في وصف وادي بوان ووصف بحيرة طبرية، " ولكنه في هذا
كله لم يقصد إلى الوصف من حيث هو فن يطلب لنفسه... وإنما كان يتخذ الوصف
وسيلة إلى ما يثور في نفسه من العواطف والأهواء ".

5)
الفن الذي برع فيه المتنبي في مصر هو الغناء الحزين، وتخصيصه لنفسه شعرا
لم يترك فيه أحدا بمدح أو هجاء، فاختفى في هذا الشعر تقسيمه المعتاد الشعر
بينه وبين الممدوح.


المتن المعتمد في الدراسة.

اعتمد طه حسين على مجموعة من القصائد في هذه المرحلة لكنه لم
يدرسها بكاملها، ولم يخصص دراسة لقصيدة بأكملها كما كان يفعل في السابق مع
الشعر الذي قيل في الشام وحلب.

سلك فقط منهجا اعتمد الإشارة والتلميح والتعميم، وعند تتبعنا
للملاحظات التي سجلها حول هذا الشعر لمسنا أن الناقد كان تتضارب آراؤه
وأحكامه، فقد سجل سابقا أن شعر المتنبي عند كافور انمحى فيه تقسيم الشعر
بينه وبين الممدوح، لكنه عندما علق على القصائد المدحية قال " ومن الخطأ أن
يظن أن المتنبي قد خص كافورا بهذه المدائح، وإنما الصواب أنه جعلها قسمة
بين ثلاثة أشخاص : الأول المتنبي نفسه، حين كان يتغنى آلامه وأحزانه...
والثاني سيف الدولة حين كان يعيبه حينا ويعاتبه حينا آخر... والشخص الثالث
والأخير هو كافور .

إن هذا التضارب في الحكم يفسر الظاهرة الشعرية بالتحولات
النفسية، فقد بين أن الشاعر قدم على كافور دليلا هانت عليه نفسه، لهذا
السبب أخفى ذاته في الشعر المدحي ولم يعد يجاهر بها، لكنه عوض هذا الافتخار
بالتغني بالأحزاب، فلم تتغير الاستراتيجية الشعرية فقط بل وقع تحويل المدح
الذاتي إلى التغني بالأحزان الذاتية.

قسم طه حسين بناء القصائد المدحية إلى قسمين :

القسم الأول : عبارة عن غناء الشاعر بآلامه وأحزانه.

القسم الثاني : مدح لكافور.

وقد توقف عند القسم الأول ليتسخلص منه مذهب الشاعر في الرمز
والإيحاء. حيث بين أن المتنبي في قصيدته البائية التي يتغزل في مطلعها
بالبدويات ويفضلهن على الحضريات يرمز إلى حنينه إلى الحياة في بلاد الشام
ذات الطبيعة البدوية ويتبرم من الحياة الحضرية في مصر.

وما كان ليتوقف عند هذا الغناء الحزين، إلا لأنه يوافق تصوره
للشعر ؛ باعتباره مرآة تنعكس فيها نفسية الشاعر, أما الشعر الذي لا يصور
حياته فإنه لا يحفل به كما فعل مع القصائد التي قالها الشاعر في فاتك يقول
معلقا عليها " وليس في هذا الرثاء كله ما يميزه من رثاء المتنبي إلا ما
يشتمل عليه من هجاء كافور، كما أن مدح المتنبي لفاتك لا يمتاز عن سائر
مدائحه... فلينزع هذا الشعر الذي لا يكاد يصور من حياة الشاعر إلا بارقة
أمل ".

لقد خصص طه حسين القسم الأخير من الباب الرابع في الكتاب، لفن
الهجاء الذي قيل في كافور، وعرض لموقف المحدثين من هذا الهجاء، حيث ذهب
فريق إلى أن الشاعر هجا كافورا وهجا مصر والمصريين، وذهب فريق آخر إلى أن
الهجاء كان مقصور على كافور، وقد هون طه حسين من شأن هذا الخلاف مبرزا أنه
ما ينبغي أن نحب الشعراء أو نبغضهم، لأنهم مدحوا أو هجوا ولأنهم مدحونا أو
هجونا، وإنما ينبغي أن نعرف الشعراء أو ننكرهم لأنهم مدحوا فاحسنوا المدح،
وهجوا فأجادوا الهجاء ".

وبالرغم من ذهاب طه حسين هذا المذهب المعتدل، فإننا نحس أن قضية
المتنبي مع كافور أثارت حفيظته، فراح يبرز أن كافورا بالرغم مما فعل به
المتنبي يبقى رجل سياسة داهية، له براعة في تدبير أمور السلطات.

وقد أبدى الناقد تعاطفا مع بعض الأبيات التي عرى فيها المتنبي الوضع في مصر حين قال:

نامت نواطير مصر عن تعاليمها

فما بشمن وما تفنى العناقيد


فهو يعلق على هذا البيت قائلا : " وما أرى إلا أن المتنبي قد ألهم البلاغة
والحكمة حقا، حين وفق لهذا البيت الذي يختصر لونا من حياة مصر منذ أبعد
عهودها بالتاريخ إلى العهد الذي نحيا فيه . وفي نهاية مناقشته لهذه القضية
يخلص إلى أن المتنبي وفق للإجادة في هجاء كافور والمصريين أكثر مما وفق
للإجادة في المدح.

إن إعجابه بهذا الهجاء يخفي نزوعا نفسيا وذاتيا له خاصة إذا
علمنا أن طه حسين صاحب المتنبي في فترة عصيبة من حياته، إذ عرف صراعا وثورة
نفسية بعد أن فصل من الجامعة. فاللحظة التي صاحب فيها طه حسين المتنبي
اتسمت باضطراب نفسي لم يكد يهدأ. وهذه النفسية الثائرة والحزينة كانت وراء
افتتانه بأبيات الشاعر التي تثير الشجن والحزن. لقد استوقفته هذه الأبيات :


لم يترك الدهر من قلبي ولا كبدي

شيئا تتيحه عين ولا جيد

يا ساقيي أخمر من كؤوسكما

أم في كـؤوسكما هم وتنهيد

أصـخرة أنا مالي لا تحركني

هذه المدام ولا هذي الأغاريد

إذا أردت كميت اللــون صافية

وجدتها وحبيب النفس مفقود


يقول معلقا عليها : " أما أنا فمفتون بهذه الأبيات وبالثلاثة
الأخيرة منها خاصة، وما أعرف أني وجدت في كل ما قرأت من الشعر العربي ما
يشبهها جمالا وروعة ونفاذا إلى القلب وتأثيرا في النفس .

وفي الأخير يصرح بأن للبيئة المصرية مزايا عديدة على شعره
المتنبي، منها أنها علمته الحزن الطويل والعميق والتأمل الذي كاد يرقى به
إلى الفلسفة. ومن هنا نرى أن للبيئة في منهج طه حسين أثرا بالغا في تطوير
الملكة الشعرية ونضجهما.

7) المتنبي والوثبة المستحيلة

خصص طه حسين الفصل الأخير للحديث عن المتنبي في بلاد فارس، حيث
ناقش الأسباب الداعية إلى اختيار هذا القطر بالذات مع العلم أن المتنبي
معتز بعروبته وداعية للوحدة العربية، لقد بين طه حسين أن لجوء المتنبي إلى
أرض فارس كان الهدف منه هو التقرب من ابن العميد ليقربه هذا الأخير من ركن
الدولة أو عضد الدولة، حتى يظفر برضاهم ويقربوه هم أنفسهم من أصحاب السلطان
في بغداد.

ويضيف سببا آخر هو رغبة السلطة البويهية إلى داعيته وقد كان المتنبي أنفع أداة لهذه المهمة.

بعد هذه الافتراضات ينتقل طه حسين للحديث عن شعر المتنبي في هذه المرحلة، مقسما له إلى قسمين :

الأول خصص لمدح الوزير ابن العميد، حيث توقف عند القصيدة
الرائية، وحكم عليها بالتلف، ولم يبذل جهدا لكي يحللها، فقط استوقفته بعض
أبياتها لا لقيمتها الأدبية وإنما لأنها في نظره تعكس تحولا في موقفه
العروبي، يقول المتنبي :

من مـبـلغ الأعراب أني بعدها

جـالست رسطاليس والإسكنـدرا

ومنحــر عــشــــارهــا

من ينحر البدر النضار لمن قــرى

وسمعت بطليموس دارس كتبه

مـتملكا مـتبديـا مـتحضــرا

ولـقـيت كـل الفـاضلين كأنما

رد الإله نـفوسهـم والأعـصـرا


من خلال هذه الأبيات يحكم على الشاعر بالشعوبية، إذ " يتكلف
ازدراء الأعراب والغض منهم... والأعراب هنا هم سيف الدولة وأصحابه في شمال
الشام ".

نستنتج من هذه الأحكام أن طه حسين يتحين الفرص ليلصق بالشاعر
صفات تحط من قدره، فقد رأيناه في البداية يغمزه في نسبه، وهنا يرميه
بالشعوبية، وفي مكان آخر يصوره حقيرا دليلا يغير مواقفه بسرعة، محب للمال
مسرفا في البخل، لا يهمه من الدنيا سوى ذاته أما الآخرون فلا يقيم لهم
وزنا. كل هذه الصفات إن دلت على شيء فإنما تدل على أن طه حسين لم يكن همه
هو التاريخ الأدبي بالمعنى العلمي، وإنما كان همه تصفية حساب مع شاعر
العرب، الذي أسماه طه حسين نفسه وهو بصدد إهداء كتابه لزوجته الفرنسية
بالشاعر العظيم، فأين هي هذه العظمة ؟. من هذه الصفات القبيحة التي انصبت
على شخص الشاعر، ولا علاقة لها بإبداعه.

أما القسم الثاني، فهو القسم الذي خصصه الشاعر لعضد الدولة وقد
اعتبر هذا القسم من أخصب شعره بالرغم من أن المدة الزمنية التي قضاها
المتنبي عند عضه الدولة لا تتعدى ثلاثة شهور.

نلاحظ أن طه حسين لم يتبع شعر هذه المرحلة بالتحليل والاستقصاء،
وإنما اكتفى بإصدار أحكام عامة. وما يهمنا من هذه الأحكام هو تسجيله أن
المتنبي في بلاد فارس أتقن وصف الطبيعة هذا الفن كان قليلا في المراحل
الشعرية الأخرى، بالإضافة إلى أنه مزج نفسه بعناصر الطبيعة خصوصا في
أرجوزته فقد تجاوز ما سار عليه القدماء إذ " تجاوز ما كان مألوفا عند
القدماء من فن الطرد واندفع مع الصائد والمصيد كأنه الريح أو النسيم ".

خلص طه حسين إلى نتيجة غريبة، مفادها أن البيئة الفارسية لو
احتضنت الشاعر منذ زمن مبكر لغير وجه الشعر العربي، ولأحدث فيه فنا جديدا. و
" لوثب الشعر العربي في القرن الرابع وثبة بعيدة المدى ولفتحت للشعر بعد
المتنبي أبواب جديدة يلتمسها الشباب من الشعر الآن فلا يكادون يظفرون منها
بما ينبغي ".

يمكننا أن نلتمس لهذا الاستنتاج عدة دوافع، على رأسها أن مفهوم
التجديد عند طه حسين يرتبط بعنصر يأتي من الخارج المغاير، والمعادل لوضعية
المتنبي وبلاد فارس، هو المثقف العربي النهضوي والغرب. فبلاد فارس بالنسبة
للمتنبي هي أوربا بالنسبة لطه حسين، فالتحولات الكبرى في الآداب عند طه
حسين مصدرها الأمم الخارجية.

أما الدافع الآخر فيرتبط بالتصور الخطي التطوري للتاريخ عنده، إذ كلما ارتقيا نحو المستقبل إلا وارتقى الإبداع.

بعد أن استعرضنا التطور التاريخي لحياة المتنبي وشعره سننتقل إلى
تقسيم المنهجية المتبعة في هذه العملية التاريخية محاولين التوقف عند
المفاهيم الأساسية التي اشتغل بها طه حسين مبرزين الشروط الموضوعية لهذه
القراءة، لكي نتمكن من إعادة ترتيب خيوطها الناظمة.

الموضوع الأصلي : حياة المتنبي كاملة // المصدر : /منتديات رأس الوادي نت/ الكاتب: Admin



توقيع العضو: Admin

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معلومات العضو




معلومات إضافية
إحترام قوانين المنتدى إحترام قوانين المنتدى:
المهنة:
ذكر
السٌّمعَة: 57
عدد النقاط: 13620
معلومات الاتصال
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
مُساهمةموضوع: رد: حياة المتنبي كاملة السبت 17 سبتمبر 2011 - 15:31

حياة المتنبي كاملة
الـمـتـنـبي والتحليل الـنـفـسـي

إذا كان منهج تاريخ الأدب قد استأثر بدراسة المتنبي وشعره، فإن
الدراسات النفسية نادرة جدا، إذ لم تخصص دراسة مستقلة حول شعر المتنبي
وشخصه، مثل الدراسات التي بحـثت في شخصية بشار أبي نواس وابن الرومي . فقط
هناك بعض المقالات التي حاولت أن تقارب بعض المظاهر النفسية من خلال سيرة
الشاعر ونصوصه. بالإضافة إلى بعض اللمحات التي تخللتها بعض الدراسات
التاريخية.

لذا، فإن المتن الذي سنعتمده في هذا المبحث سيكون مقسما بين
مجموعة من الدارسين الذين خصصوا مقالات مستقلة ذات وجهة نفسية، من أمثال
الباحث الفلسطيني يوسف سامي اليوسف، والباحث علي كمال.حتى نقف على الطريقة
التي من خلالها درسا شعر أبي الطيب من وجهة نظر نفسية محاولين بذلك استخلاص
النتائج الجديدة التي توصل إليها هذين الباحثين ، وهل بالفعل أضافا شيئا
جديدا -للدراسات المتنبئية -أم ينتبه له السابقون قدماء ومحدثون، أم أنهما
أعادا وكررا النتائج السابقة بلغة جديدة ؟

وللإجابة عن هذا السؤال لابد من اتباع مجموعة من الخطوات نحصرها فيما يلي :

1- الوقوف على الأهداف المعلنة والمضمرة لتفكيكها، حتى نقف على
الدوافع التي حدت بهما إلى تبني المنهج النفسي، وكذا الوقوف على مدى
الملاءمة الحاصلة بين هذه الأهداف والنتائج المتوصل إليها من خلال التحليل .


2- مساءلة المتن الشعري الذي اعتمد عليه كل دارس ليحقق فرضياته،
لأن اختيار متن شعري معين ، يستبطن بداخله موقف الدارس من الشاعر ، ويعكس
أيضا مواطن اهتمامه.

3- فحص اللغة الواصفة باعتبارها المفتاح الحقيقي لوصف التمثل المنهجي.

4- استخلاص النتائج الملموسة من أجل تقييم جدتها أو اجتراريتها.

في بداية هذا الفصل سنقارب المقالتين اللتين خصصهما يوسف سامي
اليوسف لدراسة المتنبي ، إذ سنقوم بعرض محتواهما وإعادة سبكه وترتيبه،
متوسلين بذلك الإمساك بالخطوات المنهجية المتبعة في التحليل واستخلاص ما له
صلة بالتحليل النفسي وما له علاقة بحقول أخرى من التحليل. ثم سنردف ذلك
بدراسة علي كامل المنشورة في مجلة آفاق عربية، العدد 4، ديسمبر 1977. تحت
عنوان " المتنبي والنفس " من أجل مقارنة هذه المقالات ، مبرزين نقط
التقائهما واختلافهما خصوصا وأنهما اشتركا في نفس المبدء المنهجي.

I- يوسف سامي اليوسف : سؤال الصمود والاستمرارية

نشر يوسف اليوسف تباعا مقالتين تحت عنوان " لماذا صمد المتنبي "
في مجلة المعرفة السورية عدد ( 119- 200 )، عام 1978 . يبدو من خلال هذا
العنوان المتسائل أن الهاجس وراء هذه الدراسة هو الوقوف على العوامل التي
جعلت شعر المتنبي يستمر عبر التاريخ ولم يلحقه البلى، وربما كان هذا الهاجس
المركزي هو الذي حرك أغلب الدارسين المحدثين للمتنبي، ويبقى الاختلاف
بينهم في طبيعة وجهة النظر التي يعتمدونها واختلاف طبيعة المناهج المتبعة
في التحليل.

لقد اختار اليوسف منهج التحليل النفسي ليجيب عن سؤال
الاستمرارية، وسنحاول بدورنا في هذا المبحث أن نجلي معالم هذا المنهج من
خلال الدراسة التي اقترحها علينا هذا الناقد الفلسطيني.

من خلال عنوان الدراسة ينكشف الهدف المقصود، بحيث تتوجه الدراسة
رأسا إلى الوقوف على الـعـوامـل النـفـسـية الـتي اكـسـبت شعـر المـتـنـبي
الـبـقـاء والخلـود وسـلـكـتـه في عـقـد الشعراء الخالدين. إن سؤال المرحلة
التي أنجز فيه اليوسف دراسته، اتسم بسيطرة مفهوم القومية العربية ، وطرح
فيه سؤال الهوية بقوة، فقد قدمت في هذه المرحلة أجوبة حول مآل هذه الهوية
التي أصبحت منخورة بالآخر وهذه القومية المحاصرة بالتنابذ الإيديولوجي
للأقطار العربية. إن اختيار شاعر كالمتنبي لذو دلالة بالغة فهو شاعر شاهد
تمزق الأمة العربية وعاش لحظات احتضارها.

إن التماس جواب لسؤال استمرارية المتنبي سيتم البحث عنه في
الحاضر ليس في الماضي ، فكل قراءة للماضي مشروطة بأسئلة الحاضر.

إنه في فلك هذا السؤال الكبير والإشكالي تحركت أغلب الدراسات
المتنبئية، فإذا كان هدف الدراسات التي تبنت منهج تاريخ الأدب ، تهدف إلى
توثيق وتحقيق هذه الهوية ، وقد تمثل ذلك في التركيز عن نسب الشاعر ،
والمحيط الاجتماعي والسياسي والعقائدي والفكري الذي تبلور فيه المتنبي
وشعره، والتركيز على توثيق النص، فإن المنهج النفسي سينصب على تشريح هذه
الهوية ومساءلة الذات الشاعرة والكشف عن آليات اشتغالها.

لقد قسم اليوسف دراسته إلى قسمين :

1) القسم الأول : شخصية المتنبي ومنطوياتها النفسية

لقد صرح اليوسف في بداية هذا القسم ، أن الاهتمام بشعر المتنبي
قديما وحديثا ليس محض صدفة، " إذ لابد من وجود عناصر نفسانية وفنية في شعره
تشد إليه هذا العدد الهائل من القراء، ناهيك بالقيم التي يجسدها والتي
تشكل بالنسبة للعربي مثلا أعلى، وفي ظني إن اتخاذ أبي الطيب لمقولة القوة
أو الرجولة أطروحة أساسية يتمحور حولها معظم إنتاجه الشعري ثم تنوع موضوعات
شعره وتذوب اللون الوجداني فيها، هما العاملان المركزيان اللذان اجتذبا
إليه هذا العدد الهائل من القراء عبر القرون العشرة الأخيرة ".

من خلال هذه العتبة الأولى يمكننا أن نستخلص معالم المنهج الذي
ارتضاه الناقد، فهو منهج يشتمل على عدة مستويات، منها ما هو نفسي ، ومنها
ما هو بنيوي تكويني ، ومنها ما هو موضوعاتي.

وسنركز في البداية على إبراز هذه المستويات المنهجية المتداخلة،
عبر الوقوف على اللغة الواصفة Métalangage المتوسل بها في الدراسة، إذ لا
يمكن الحديث عن الممارسة النقدية سواء كانت نظرية أو تطبيقية ما لم تتوفر
على لغة واصفة، وما لم تحدد موضوعها وخلفياتها النظرية.

أ- المنهج الفلسفي النفساني :

أعلن اليوسف في بداية مقالته عن طبيعة المنهج الذي تبناه وسماه
بالمنهج الفلسفي النفساني واعتبره أفضل منهج لدراسة المتنبي/ الظاهرة، وهذا
المنهج كما هو مذكور منهج تركيبي، " يرى الذات في تجادلها مع عصرها وفي
امتلائها بمحتويات زمانها وثقافته وما تحدر إليه من تراث عن الماضي ".

نسجل من خلال هذا التعريف، أن هذا المنهج يركز بالأساس على
الذات، غير أن هذه الذات ليست فارغة، بل تعيش جدلا مع عصرها. وأن هذه الذات
تعيش زمنين : الزمن الأصغر والزمن الأكبر. إذن، فالذات في هذا التصور هي
نتاج جدل مع الواقع ونتاج لثقافة الماضي. بمعنى أن الشاعر - المتنبي -
سيبحث عنه في شخصه الواقعي وفي شخصه الأدبي، في تجربة المعيش وفي التجربة
النصية. والمقصود بالتجربتين أن المتنبي يرضخ لواقعه المحدد زمنيا بالقرن
الرابع الهجري، ويرضخ لتجربة النصوص التي انحدرت إليه من ماضي الثقافة
العربية. بمعنى أن البحث سينصب على البعد التناصي في الاستراتيجية الشعرية
عند المتنبي، فهل استطاع اليوسف أن يقبض عن هاذين البعدين في دراسته ؟ إن
الجواب عن هذا السؤال رهين باستنطاق الأواليات التفسيرية والتأويلة

المنجزة في الدراسة.

سيحاول اليوسف استجابة للتعريف المنهجي السابق رصد طبيعة المرحلة
التي نبت فيها المتنبي متوخيا من وراء ذلك استخلاص السمات الرئيسية
للمرحلة يقول : " ولعل أول سمة تاريخية من سمات القرن الرابع الهجري هي أنه
مرحلة الاتضاع السياسي وتفسخ الإمبراطورية العربية المؤذن بنزوعها نحو
الموت، ولكنه في الوقت عينه قرن بلغت فيه التناقضات الاجتماعية أشدها وهذه
هي سمته الثانية، فقد شهد القرن الرابع قيام حركات تاريخية تبتغي إعادة
بناء الإمبراطورية على أسس أشد متانة وأكثر عدالة، وهذا يعني أن القرن
الرابع قرن تضاد وتقابل جادين، ولسوف نلاحظ أن شخصية المتنبي تكونها مجموعة
من التقابلات المتعارضة الصارخة، تماما كما لو أنه تعين فردي لعصره " .

نلاحظ في هذا الرصد للواقع العربي في القرن الرابع نقطتين أساسيتين هما :

1) التركيز على ظاهرة التضاد والتناقض في المجتمع، (فهو عصر الضعة وعصر الثورات الاجتماعية).

2) أن الذي يمثل شخصية المتنبي وشعره عكسا هذا التناقض بشكل
صارخ، وبموجبه فالمتنبي هو ذاك المبدع الفرد الذي استطاع أن يعكس رؤية
العالم لعصر بأكمله ، تمثل رؤية العالم .

إذن، فالتصور المبدئي المتحكم في دراسة اليوسف يمكن رده إلى بعض
مظاهر البنيوية التكوينية عند جولدمان في تحديده لمفهوم رؤية العالم،
وبالرغم من أن اليوسف لم يشر إلى مرجعياته، فإن تحليله يشي بها.

إن هذا المنهج عرفته الدراسة الأدبية العربية في فترة
السبعينيات، ولهذا فإننا نجد باحثا آخر مجايلا لليوسف حاول هو الآخر أن
يلتمس تفسيرا لبعض مظاهر شعرية المتنبي متوسلا التصور البنيوي التكويني،
فالباحث عبد السلام نور الدين في مقالة له بعنوان " المتنبي وسقوط الحضارة
العربية ، يبرز أن الحضارة الإسلامية في القرن الرابع وقفت في مفترق الطرق،
تحمل كل القدرات على النهوض والإقلاع، وبما أن هذا النهوض كان ممكنا فقد
كان الفرد العربي طموحا ومتطلعا للأعلى، إلا أن هذا الإقلاع تحول إلى سقوط
مريع، تسبب في زلزلة البنية الاجتماعية والسياسية والأخلاقية والروحية.
ولقد التقط المتنبي هذا الانحدار الحضاري وهذه الهوة المتفاقمة في مجموعة
من أبياته الشعرية يقول :

ومن صحب الدنيا طويلا تقلبت
على عينه حتى يرى صدقها كذبا (الطويل)

أرى كلنا يـبـغـي الحياة لنـفـسـه
حـريصا عليها مستهاما بـها صبـا

فحب الحيان النفس أورده الـتـقا
وحب الشجاع النفس أورده الحربا

ويختلف الرزقان والفـعـل واحـد
إلى أن تـرى إحسان هـذا لذا ذنبا


ويقول في مكان آخر :

أتى الزمان بنوه في شبيبته
فـسرهم وآتيناه على الهرم (البسيط)


يعلق عبد السلام نور الدين على هذه الأبيات التي تتضمن إحساسا
قويا بالزمن وتقلباته، المفضية إلى انهيار صرح الحضارة بقوله " إن العناصر
الذاتية في شخصية المتنبي أخذت لحمتها من نسيج البنية الموضوعية
لعصره-العصر الذي كان مقدرا له أن يقلع فسقط فانتقل الشرخ الحضاري إلى روح
المتنبي. إن الإحساس المريع بسقوط زمانه يلون كل شعره... إن الشرخ الذي
أصاب الحضارة العربية فجأة قد عبر عنه المتنبي بنبرة قاسية- إن ولع المتنبي
بتصوير المظاهر المتغيرة التي يتخذها الزمان والدهر والدنيا جعلته يطارد
المفارقات في تقلباتها المتعددة " .

لقد استنبطن المتنبي عصرا بكامله وبكل تناقضاته، وعبر عن إحساسه
الدقيق بالزمن واتجاهاته مما اكسب شعره قيمة تاريخية وجمالية توالت عبر
العصور.

وأمام قانون الانهيار الذي عاشه عصر للمتنبي أصبح قدره " أن
يتمرغ في العذاب الميتافيزيقي - يجاهد الزمان وهو يعلم أنه المهزوم ويبارز
المحال - حتى تولدت لديه حاسة ميتافيزيقية هي الهروب من السكون والدعة إلى
حيث الصراع والقتال ".

إن رؤية العالم التي عبر عنها المتنبي هي رؤية السقوط والانهيار،
وليست هذه الرؤية للعالم فردية بل هي تعبر عن رؤية العالم لمجتمع بأكمله.

وإلى جانب هذا الملمح البنيوي التكويني عند كل من عبد السلام نور
الدين ويوسف اليوسف، يحاول هذا الأخير أن يقبض على النواة المحركة لشعر
المتنبي، انطلاقا من اصطلاحين أساسيين في التحليل النفسي هما النرجسية
والسادية ، ويرى بأن هذين المصطلحين النفسيين هما المعين الذي يروي شعر
المتنبي.

الموضوع الأصلي : حياة المتنبي كاملة // المصدر : /منتديات رأس الوادي نت/ الكاتب: Admin



توقيع العضو: Admin

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معلومات العضو




معلومات إضافية
إحترام قوانين المنتدى إحترام قوانين المنتدى:
المهنة:
ذكر
السٌّمعَة: 57
عدد النقاط: 13620
معلومات الاتصال
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
مُساهمةموضوع: رد: حياة المتنبي كاملة السبت 17 سبتمبر 2011 - 15:32

حياة المتنبي كاملة
د-المتنبي والقلق الوجودي :

لقد توصل اليوسف إلى أن سر صمود شعر المتنبي يكمن في تجذره في
عصره، وانه استطاع أن يعكس العصر بكل تناقضاته، غير أن السؤال الذي يطرح في
هذا السياق، هو هل خلود الشعر رهين بانعكاس العصر الذي قيل فيه ؟ أم هو
مرتبط برصد الأسئلة الوجودية المقلقة ؟

إن شروط تلقي الشعر التي تضمن له الاستمرارية لا تنحصر فقط في
هذه الرؤية الانعكاسية، بل لابد من التماس أسباب أخرى تحمي الشعر من
الاندثار والنسيان، وتجعله قادرا على استنفار أجهزة التلقي عند القراء
المفترضين. لهذا السبب، راح اليوسف يبحث عن سبب آخر له من المعقولية ما
يكفي للبرهنة على هذا الذيوع الذي اربك النقاد القدامى والمحدثين، وسيحاول
اليوسف أن يضع مبضع تحليله على أهم هذه الأسباب " إنه القلق الوجودي، أي
الإحساس بوطأة الصراع الداخلي بين الوجود والعدم"، ما يلاحظ على هذا
التفسير هو أنه يمتح من الحقل الفلسفي الوجودي الذي تبلور على يد مجموعة من
الفلاسفة كهيدجر وسارتر ، بالرغم من أن اليوسف لا يحيل في دراسته على
مرجعياته، فإن لغته الواصفة تكشف عن طبيعة هذه المرجعيات، فمصطلح القلق
الوجودي والكينونة والوجود والعدم هي مصطلحات قادمة من الحقل الفلسفي
الوجودي الذي يحيل إلى علاقة الكائن في العالم.

إن عذا الإحساس العميق بالحياة، وبوطأة الصراع الداخلي، مكنا
المتنبي من التعبير عن الصراع الداخلي لدى الإنسان بين الوجود والعدم، وقد
يكون هذا السبب جزءا من تفسير معقول لإعجاب الناس بشاعر الكوفة طوال هذه
الأزمنة، ولقد ألمح القاضي الفاضل إلى هذا المعنى، قال ضياء الدين بن
الأثير في كتاب " الوشي المرقوم " : " وكنت قد سافرت إلى مصر سنة ست وتسعين
وخمسمائة ، ورأيت الناس مكبين على شعر أبى الطيب المتنبي دون غيره، فسألت
جماعة من أدبائها عن سبب ذلك وقلت : إن كان لأن أبا الطيب دخل مصر فقد
دخلها قبله من هو مقدم عليه وهو أبو نواس الحسن بن هاني، فلم يذكروا لي في
هذا شيئا ثم إني فاوضت عبد الرحيم بن علي البـيساني (القاضي الفاضل )، رحمه
الله فقال لي ' إن أبا الطيب ينطق عن خواطر الناس '. ولقد صدق فيما قال ".


هـ- البطل التراجيدي وعقدة الملك :

في معرض الحديث عن التناقض الحاد الذي كان يعتلج في صدر الشاعر،
حيث أنه كان يعتقد سموه وأهميته، في حين أن الملوك عاملوه معاملة مداح
مرتزق إلا قليلا منهم، ستطفو إلى السطح عقدة غريبة دعاها اليوسف " عقدة
الملك " ومفادها " أن أبا الطيب من الملوك وان كان لسانه من الشعراء ". ومن
أجل تحقيق هذا الاعتقاد أشهر السلاح وقاتل لمدة سنتين. لقد توصل اليوسف
إلى استجلاء هذه العقدة من خلال منطوق شعر المتنبي، إذ صرح الشاعر غيرما
مرة بهذه الرغبة في الملك وتسيير شؤون الدولة ، وأحيانا ألمح لهذه الرغبة
بانتقاده للأمراء والخلفاء العجم ، إن هذه العقدة ليست مرضية بقدرما أنها
تعكس انخراط المتنبي في هموم العصر، وذلك أن السؤال الجوهري الذي طرح في
عصر المتنبي هو سؤال الوحدة السياسية.

فالأمر أساسا يتعلق بقضية التوحيد، فبالرغم من أن اغلب شعر
المتنبي خصص للمدح، فانه تضمن رؤى سياسية عميقة، تجلت في إصراره على الدعوة
إلى التوحيد، وقد انعكست هذه الدعوة في تصوره لبناء القصيدة التي جاءت ،
بمثابة إطار تركيبي يوجد ما بين القول الشعري التخييلي والقول الحكمي
الفلسفة، وقد قام بمثل هذا الصنيع الفيلسوف الفارابي المعاصر له حين ذهب
إلى التوفيق بين رأي الحكيمين وبين الفلسفة والدين. وقد نحى نحوهما بديع
الزمان الهمداني في نفس العصر إلى التوحيد بين الشعر والنثر في مقاماته.
لهذا فإن الإمساك بسؤال المرحلة، والوقوف على الإجابة المقدمة شعريا من طرف
المتنبي تعتبر السبيل السالك لفهم هذه الرغبة الملحاحة للانخراط في الهم
السياسي.

لقد تعززت لدى المتنبي عقدة الملوك، حين اصبح لا يرى المجد إلا
في تضريب أعناق الملوك، سواء كانوا عربا أو عجما، لاسيما العجم الذين نظر
إليهم بأنهم من أسباب انحطاط الإمبراطورية الإسلامية.

إن عقدة الملك هاته تقرب شخصية المتنبي من شخصية امرئ القيس، إذ
يمكننا أن نرصد التشابه بينهما في اكثر من مستوى، فكلاهما من اصل واحد، من
اليمن، وكل منهما راح يبحث عن الملك فاخفق ، إلا انهما عادا ملكين في مملكة
الشعر، حتى قيل في حقهما " فتح الشعر بكندي وانتهى بكندي " ، وكلاهما ماتا
موتا تراجيديا حيث قتلا في طريق العودة الأول مات بحلة مسموما في أنقرة ،
والثاني قتل من طرف الأعراب بدير العاقول ".

الجدل النفسي والفني في شعر المتنبي

إن هذا القسم الثاني من الدراسة خصصه اليوسف لإبراز العلاقة
الجدلية بين العوامل النفسية والفنية في شعر المتنبي، وذلك أن المتنبي " قد
تخلد على الزمن بسبب من قيام النفساني بإنتاج الأبعاد الفنية لشعره "،
فكيف انعكست هذه السمات على الخطاب الشعري ؟ وكيف وجهت عالمه من حيث الرؤية
والبنية ؟

لخص اليوسف العوامل النفسية المتحكمة في العالم الشعري للمتنبي في ثلاثة :

1) النرجسية،

2) ازدواجية الميول،

3) حس الإحباط.

I- النرجسية وإعادة كتابة التاريخ :

إن مقولة النرجسية ليست قيمة سالبة بل موجبة، فهي من مآثر
المتنبي لا مثالبه، حيث إنها كانت بمثابة طاقة دافعة إلى تمجيد الذات
التائقة إلى التحرر وبلوغ الكمال الإنساني عبر مقولة أساسية وهي إرادة
القوة، فلقد ظل المتنبي يشيد بهذه المقولة طيلة حياته الشعرية.

اختار اليوسف بعض الأبيات للتدليل على هذه المقولة، مبرزا أن
المتنبي قد " أصاب كبد الحقيقة حين طرح الافتراس قانونا أساسيا للتاريخ
الاضطهادي، وحين أدرك أن نزعة الأرصاخ هي الدافع النفساني المركزي للسلوك
في الحضارات القمعية، وحين بين أن القوة مطلب أساسي لكل فرد ". يقول
المتنبي :

إنما أنـــفــس الأنــيــس سباع

يتفارسن جهرة واغـتــيـالا ( )

من أطاق التماس شتى غلابا

واغتصابا لم يلتمسه سؤالا

كــل غـاد لحــاجـتـه يـتمنى

أن يكون الغضنفر الرئبال "


من خلال تعليق اليوسف على هذه الأبيات تلوح معالم سر التشبث
القوي بهذا الشاعر، وذلك من خلال تمجيده للقوة، باعتبارها قيمة خالدة، وهنا
يستعير الناقد التصور الماركسي الذي يفسر خلود الروائع بربطها بالقيم
الإنسانية الكبرى. يقول " من الواضح أن الفن الخالد هو الذي يتعامل مع
القضايا الأكثر ثباتا في النفس ". ولقد ربط اليوسف مقولة القوة بنرجسية
المتنبي وإحساسه باللاأمن، وبالضعة والاغتراب في زمن السقوط والانهيار. لا
جرم أن ما يدعو إليه المتنبي هو شيء متأصل في الذات العربية ومحدد
لكينونتها، إنه مفهوم الأنفة والرجولة وتمجيد الانا.

أ/ العودة إلى زمن البدايات :

إن عودة المتنبي إلى تضخيم الانا هي عودة إلى بدايات الزمن العربي، لذا فإن
اليوسف يتساءل بهذا الصدد عن معنى عودة أبى الطيب إلى " تلك المرحلة
الوثنية ومفاهيمها وقيمها الرجولية ؟ ما معنى أن يتبنى المعتقد الجاهلي
الضخم الذي هدمه الإسلام والذي يتلخص بان العرب فوق كل الأقوام ؟ ".

لقد كف الشعر العربي قبل المتنبي عن بسط الانا المتضخمة، غير أن
المتنبي جعل هذه الإشكالية محور شعره، فما هي أسباب هذه العودة ؟ يلتمس
اليوسف عاملين لتفسير هذه الظاهرة لخصها في :

1) العامل الفردي : تمثل في إخفاق الشاعر في إنقاذ المرحلة من
الانحطاط، وفي إخفاق العصر أمام العبودية، هذا الإخفاق المزدوج ولد لدى
الشاعر نزعة نكوصية والتفافا حول الذات من أجل الاحتمــــــاء بها،إذ إحساس
المواطن بالإهانة القومية أو الاجتماعية يشده بقوة إلى ما يمكن أن يبقى له
شخصيا، أعني كرامته الفردية ".

2) العامل الجماعي : فأمام انهيار الحضارة العربية راح المتنبي
يبعث الحياة في السماة النفسية التي أبرزت التفوق العربي في الماضي وهي
الأنفة والكرم ورفض الخضوع للأجنبي ومن ثم فالعودة للأصول هي عودة دفاعية
طفت بشكل حتمي كإجابة عن النكسة والسقوط. إن نرجسية المتنبي من خلال هذا
المنظور تصبح ضرورة وليست عقدة مرضية.

ب/ المتنبي كتجسيد للمطلق :

استطاع المتنبي أن يضع يده على جوهر الكينونة العربية، مجسدا
بذلك قيمها الكبرى، وبذلك ظهرت قوته " لأنه يستشير في داخلنا حاجة ويشبعها،
ويعزز في أعماقنا تلك القيمة الأساسية، أعني قيمة القوة ، فقد جسد المتنبي
المطلق، بتجاوزه للظرفي والمرحلي، فهو لم يكن فقط إنتاجا لزمنيته الصغرى
في لحظاته القوية، وبذلك أصبح شعره نصا جامعا يشتمل على تجارب الشعر العربي
السابقة، إن الماضي الشعري هو المؤسس الأكبر لمجمل إنتاجه فقد " لخص أبو
الطيب كل عصور الشعر العربي السابقة عليه : لخص نزوع الجاهليين نحو القوة
عبر تمثله للانا الجاهلية المتضخمة، ولخص موضوعة الإقصاء الاجتماعي التي
كانت محور العذريين الأمويين، ولخص نزوع شعراء العصر العباسي الأول نحو
الصورة والمجاز والتجديد في مضمار لغة الشعر وأشكاله الفنية، ولهذا كان
شعره يضم لغة العصور الشعرية كلها ".

إن استمرارية الماضي في الحاضر في وعي العربي هي المسوغ الرئيس
لاستمرارية المتنبي، خصوصا وان الآمة العربية الحديثة منيت بهزائم ونكسات
وإخفاقات سياسية كبرى، إن مثل هذه الأوضاع المازومة تستدعي ضرورة صوت
المتنبي باعتباره شحنة وجدانية أملا متجددا.

الموضوع الأصلي : حياة المتنبي كاملة // المصدر : /منتديات رأس الوادي نت/ الكاتب: Admin



توقيع العضو: Admin

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معلومات العضو




معلومات إضافية
إحترام قوانين المنتدى إحترام قوانين المنتدى:
المهنة:
ذكر
السٌّمعَة: 57
عدد النقاط: 13620
معلومات الاتصال
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
مُساهمةموضوع: رد: حياة المتنبي كاملة السبت 17 سبتمبر 2011 - 15:33

حياة المتنبي كاملة
سلطة النفسي على شعر المتنبي :

وقف اليوسف على مجموعة من الظواهر الفنية المميزة لشعر أبى الطيب
محاولا إرجاعها إلى الأصول النفسي، منطلقا من فرضية أن المكون النفسي هو
المسؤول على إنتاج المكون الفني.

إن أولى الظواهر الفنية المائزة التي استوقفته هي تواتر المبالغة
وتضخيم الصورة، وقد استشهد في هذا الإطار بيت شعري واحد :

ورعن بنا قلب الفرات كأنما

تخر عليه بالرجال سيول (الطويل)


فلم استغنى اليوسف بهذا المثال عن مجموعة من الأبيات الشعرية تتضمن مبالغات
؟ في اعتقادي، أن اليوسف اختار هذا النموذج ليعزز به أطروحته حول تواتر
أسلوب المبالغة المنبني على مفهوم إرادة القوة " لان رغبة المتنبي في القوة
هي ما دفعه باتجاه تضخيم الصورة عبر شحنها بتشبيهات واستعارات قائمة على
المبالغة في القوة " .

فمواطن الاهتمام في تحليله للبيت ، ركزت على المظاهر التي تشير
إلى القوة، كترويع الخيل لقلب النهر، والهجوم عليه بكثافة وزخم، وسيول
المقاتلين.

إن هذا الاستشهاد بمثابة نموذج يمكن أن نقيس عليه جل مبالغات
المتنبي، لكن هل كل مبالغات المتنبي جيدة ؟ سيكون الجواب بالنفي، إذ يتراوح
توظيف المبالغة في شعر المتنبي بين القوة والضعف، وقد وضع اليوسف قانونا
كليا لعيار توظيف أسلوب المبالغة عند المتنبي، حيث إن النزعة الإضاخية هي
المنتجة للمبالغات الجيدة أما النزعة الرضوخية فهي المسؤولة على إخفاق
المتنبي في تحقيق مبالغات جيدة، وفي غياب استشهادات نصية لتأكيد هذا
القانون الكلي يدعو اليوسف إلى ضرورة تحليل الصور المجازية عند المتنبي
وتفكيكها ثم ردها إلى مكوناتها الأولية من اجل الوصول إلى النواة الأصلية
التي هي نزعة القوة والسيطرة.

أما الظاهرة الفنية الثانية المنبجسـة من نزوع المتنبي نحو القوة
فهي الطابع الملحمي، خصوصا في وصف الحرب والقتال، حيث صير الشاعر ألفاظه
في وصف المعارك تنوب مناب الفعل. إن هذا التجويد في الوصف نابع من تفرده في
وصف الأشياء المتحركة. مما يضفي عليه حيوية نشيطة.

إن هذه النزعة الملحمية تستأثر باهتمام القارئ لأنها تشبع فيه
جنوحا نحو القوة من أجل إثبات الذات. وهنا يوظف اليوسف مفهوما أرسطيا ينتمي
إلى الحقل النفسي، إنه مفهوم التطهير، يقول " ويبدو أن هذا القانون
النفساني الكبير هو المبدأ الأول الذي انتج الملاحم الشعبية في الثقافة
العربية إبان انحطاطها، فربما كان السلاطين يدركون هذا المبدأ حين حثوا
الكتاب على تأليف " تغريبة بني هلال، ورواية ' سيف بن ذي يزن '، وقصة عنترة
وحكاية " الزير " ... وعلى هذا المبدأ نفسه يمكن أن نفسر ولع الأطفال
بأفلام الحرب والملاكمة والفروسية والمغامرات ".

أما الظاهرة الثالثة فهي ظاهرة التقابل، وبالرغم من أن هذه
الظاهرة تنتمي للحقل البلاغي فان الناقد سيعطي الأولوية في دراستها للملمح
النفسي والاجتماعي. يرى اليوسف أن التقابل في شعر المتنبي هو نتاج
لازدواجية حادة في شخصية المتنبي، تمثلت في التقابل بين التسامي الحيوي
والتشاؤم العدمي، مما عمق حسن التضاد في وعيه الفني.

ينطلق اليوسف من فرضية ضمنية تفيد أن النص الأدبي ذو وجهين وجه
ظاهر والآخر باطن، ومهمة التحليل هي الانكباب على الوجه المخفي للنص والشخص
إضافة إلى سعيه الحثيث نحو القبض على الأنوية الكلية المتحكمة في ديمومة
شعر المتنبي. لذا فانه في تناوله لظاهرة التقابل، سيقف على القانون الأساسي
لهذا المظهر البلاغي مسترشدا بمفهوم التضاد الفلسفي وأثره في ذهن المتلقي،
فقد بين " فلاسفة الجدل أن التضاد هو القانون الأكبر للواقع والوعي في آن
معا. وهذا يعني أن كل تضاد يعكسه الفن من شأنه أن يغذي العقل وان يشده إليه
نظرا لان العقل لا يمكن لشيء أن يجتذبه اكثر من التضاد " .

فاليوسف يبحث عن عوامل موضوعية للتقابل الحاضر بشكل بارز في شعر
المتنبي من خلال النفسي والاجتماعي، إذ يتعذر فهم المتنبي بمعزل عن عصره
ومن حيث أنه انكشاف ذاتي لتخلخل يجري في الواقع الموضوعي. إن نتائج التضاد
والتقابل عمقت لدى المتنبي حس الأزمة والتوتر، وجعلته يقيم مبالغات أدبية
على مبدأ المفارقة حيث تواتر في شعره الطباق كحامل شعوري للتضاد، ليؤدي
وظيفة اجتذاب المتلقي مع تحقيق عنصر التنوع التعبيري.

ولقد عمق وعي التضاد حس الحركة في شعر المتنبي، وبهذا الصدد
يستعير اليوسف المفهوم الهيجلي حول قانون الجدل قائلا " إن أهم القوانين
الجدل أن الشي يتحرك بسلبيته الداخلية 2 ". وليدلل اليوسف على هذه الفرضيات
وقف على مجموعة من الأبيات الشعرية تعكس هذا الحس الحركي عاقدا مقارنة بين
المتنبي وامرئ القيس. ومن بين الأبيات التي استوقفته قول الشاعر :

على قلق كأن الريح تحتي

أوجهها جنوبا أو شمالا ( الوافر )


لقد استوقفته كلمة " قلق معلقا عليها بأنها تعني في العربية الاضطراب والحركة الدائمة للشيء في آن معا.

إن العنصر الحركي في شعر المتنبي علامة مائزة، لفتت انتباه
النقاد القدامى والمحدثين، إلا أن اليوسف يشير إلى أن هؤلاء النقاد فاتهم
ملاحظة الدور الذي تلعبه الألفاظ الدالة على الحركة في التأثير على
المتلقي، ومرد ذلك في نظره أن النقد اللغوي لم يدخل بعد إلى ثقافتنا
المعاصرة. وهذا الدور هو ما يمكنني أن ادعوه بالفاعلية التأثيرية المحايثة
أو الفاعلية التعبيرية اللامباشرة " . فما المقصود بهذه الفاعلية ؟ إنها
المستو الباطني للقول الشعري، ولإبرازها يعمد اليوسف إلى تحليل بيت شعري
ورد في قصيدة للمتنبي يرثي فيها أم سيف الدولة يقول :

ونرتبط السوابق مقربات

وما ينجين من خبب الليالي


فقد ميز اليوسف بين مستويين لتحليل هذه الصورة :

1) المستوى السطحي المباشر : وفيه أبرز أن الخيل لا تنجينا من
الموت، فهناك مطاردة بين خيلين : الخيل الحقيقية والليالي. لكن خيلنا لا
تنجينا من خيل الليالي.

2) المستوى الباطني : وفيه يبرز أن وقع العدو القابع في خلفية
الصورة هو الذي أضفي على البيت قوة تعبيرية وجمالية، فالحركة في البيت بشكل
فني يتخذ وسيلة للتعبير عن فكرة عميقة.

وكذلك الشأن بالنسبة للميمية التي مدح بها الشاعر سيف الدولة في موقعة الحدث والتي مطلعها :

على قدر أهل العزم تأتي العزائم

وتأتي على قدر الكرام المكارم (الطويل)


يمكن رد عظمتها وقوتها إلى جمالية التضاد والحركة. لذا فاليوسف
يدعو إلى دراسة موسعة لتحليل شعر المتنبي تحليلا لغويا، لإبراز الدور الذي
تلعبه صور الحركة في العالم الشعري لدى المتنبي.

لقد أضفى حس الحركة ووعي التضاد على شعر المتنبي بعدا ثنائيا
تجلى في هيمنة الطباق كوجه بلاغي وظيفي وليس زخرفيا ، فهذا البناء المزدوج
يعكس بالمقابل واقعا متناقضا، فهناك جدل بين الفني والواقعي " وبديهي أن
اللغة المتناقضة هي من سمات الوعي المتشعب، أعني الوعي المدرك للسلب
والعامل على تخطيه. إن مثل هذا الوعي يقع في مشاقة حادة مع شرطة التاريخي
أدت إلى مشاقه حادة داخل اللغة الشعرية ".

ب- الغنائية الشجية :

من المظاهر الشعرية الملفتة للنظر عند المتنبي وهي أصباغ شعره
بمسحة غنائية حزينة أسفر عنها إخفاقه في الوصول إلى ما كانت تتوق إليه
نفسه، وقد كانت هذه الغنائية الحزينة ممتزجة بالحكمة، ولم تكن هذه الأخيرة
نتاج تجربة معيشة فقط بل كانت تصدر أساسا عن المحتوى النفسي لشخصيته.

ويلاحظ اليوسف أن هذه الغنائية الشجية بلغت ذروتها لما كان
المتنبي مقيما في مصر، حيث بلغ الإحباط ذروته. وهنا يتفق اليوسف مع طه حسين
في ملاحظة هذه المسحة الحزينة، غير أن الفرق بينهما هو أن الأول لم يتماه
مع شعر هذه المرحلة في حين أن طه حسين كان مفتونا بهذا الشعر لتماثل الجو
النفسي بين الشاعر والناقد.

ولقد كان لهذه الغنائية انعكاس على موسيقى الشعر عند المتنبي،
إضافة إلى أنها أبرزت شعرا وجوديا متشائما يقف من الحياة موقف الرفض. هذا
الموقف المتحدر " من الجاهلية ومرورا بابي العتاهية وبالكثير من شعراء
الرثاء سيتواصل مع أبي العلاء المعري " .

ج-المتنبي والفلسفة المعاصرة :

إذا كـــان الــحــاتمي هــو اقـدم نـاقـد عـقـد الـصـلة بين شعر
المتنبي والفلسفة اليونانية فإن الدارسين المحدثين ، راحوا يعقدون الصلة
بين شعر المتنبي والفلسفات المعاصرة. فعند الحاتمي يظهر المتنبي كقارئ
جيـــد للفلسفة اليونانية أحيانا ناسخا لبعض مقولات أرسطو، فإن المتنبي عند
المحدثين هو ملهم للفلسفة المعاصرة، حيث أنه يلتقي في جملة من شعره مع
مجموعة من المقولات الفلسفية العبثية الأوربية المعاصرة وأطروحتها لذا
عقدوا مقارنات بين المتنبي والفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه والفيلسوف
الدانماركي كيركارد. إذ في وسع القارئ أن يجد في شعر المتنبي بعض الأفكار
من أمثال اللامبالاة والشعور بلا جدوى الصراع وفكرة العزلة الوجودية،
وغريزة البقاء.

إن الإحساس العميق بالحياة، والنكسات المتوالية، والترحال
الدائم، كل هذه الأشياء دفعت المتنبي إلى أن يلج مضايق الذات من أجل
استكناهها واكتشاف خفايا النفس وبعض حقائقها الثابتة.

وقد يكون هذا التعمق في أغوار النفس من الأسباب التي جعلت بعض
النقاد يطبقون المنهج النفسية في تحليل شخصية المتنبي وشعره. باعتباره حقلا
خصبا لتجريب فرضيات هذه المناهج.

ج-الأسلوب الشعري والتعقيد النفسي :

ينطلق اليوسف في تحليله من فرضية استحكام النفسي في إنتاج الفني،
لذلك فهو يفسر التعقيد الأسلوبي عند المتنبي بالتعقيد النفسي. لهذا فهو
يدعو إلى بحث خاص لدراسة تجربة المتنبي مع اللغة ،كي يتم إبراز القوة
التأثيرية للصورة التي غالبا ما يكثفها المتنبي في لفظة واحدة داخل البيت،
ويضرب لذلك بعض الأمثلة مدللا على قدرة المتنبي على تبئير الصورة في لفظة
واحدة. قال المتنبي :

وإنا إذا ما الموت صرح في الوغى

لبسنا إلى حاجاتنا الضرب والطعنا (الطويل)


إن التركيز في هذا البيت وقع على فعل " لبسنا ".

ومن مظاهر التعقيد الأسلوبي التي توقف عندها اليوسف هي قضية
التعلق والفصل بين المسند والمسند إليه، ومن آثار هذه المظاهر الأسلوبية أن
تساهم في تماسك سبك الحملة الشعرية، ويضرب لذلك أمثلة في شعرالمتنبي :

يا من نعيت على بعد بمجلسه

كل بما زعم الناعون مرتهن (البسيط)


فقوة البيت نابعة من طريقة الصوغ الشعري المنبني أساسا على تباعد
المتعلقات وعلى الفصل بين العمد " فعيارة بمجلسه متعلقة بالفعل نعيت، ولقد
فصل بينهما بعيارة " على بعد " الأمر الذي من شأنه أن يضفي الصلابة على
الصياغة أما لفظة " بما " فمتعلقة بلفظ " مرتهن " وقد فصل فيها بفعل وفاعل،
إن مثل هذا الإجراء يقوي التناسج اللغوي، من جهة، وينوع الإيقاع الموسيقي
الداخلي، فيزيد الطاقة التأثيرية للألفاظ شـحنا ".

وبالجملة فاليوسف استخلص أربعة ظواهر نحوية من شعر المتنبي وهي :

- تقديم المفعول به على الفاعل.

- الفصل بين الفعل والفاعل بشبه جملة غالبا ما تكون من جار ومجرور.

- إرجاء الخبر إلى مواقع بعيدة.

- الفصل بين الجار والمجرور وبين ما يتعلق بهما بفاصل لفظي قد يطول وقد يقصر.

إن هذه الظواهر تعكس ميل المتنبي نحو تمثين الصوغ الشعري، وقد
سبق للنقاد القدامى أن توقفوا عند طبيعته هذه الظواهر مما استدعى كثرة شروح
الديوان وظهور اتجاه جديد في الشرح يعني " بالمشكلات في شعر المتنبي ".

بعد استخلاص هذه البنى التركيبية يدعو اليوسف إلى دراسة معاصرة
تعني بأسلوب المتنبي، دراسة تركز الألفاظ والتعالقات اللفظية والصور
المجازية على السمات النفسانية للشاعر. وتصنيف هذه الصور في قوائم وتفكيكها
ثم مقارنتها بصور الشعراء السابقين. إن هذه الدعوة تنم عن إحساس لدى
الدارسين أن المتنبي رغم ما كتب عنه لازال في حاجة إلى أبحاث رصينة متخصصة
تجلي عوالمه الشعرية.

د-موقف اليوسف من شرقات المتنبي :

إن فكرة السرقة موضوع أثير في النقد القديم، وذلك ناتج عن مفهوم
معين للأدب حيث أن النقد القديم يركز بالأساس على نسبة الكلام لقائله،
واعتبار النص ملكا خاصا لصاحبه، فلا اعتبار للنص اللقيط أو المنسوب إلى غير
أبيه. من ثم همشت نصوص لم يعرف أصحابها لأنها أصبحت ملكا مشاعا. لذلك وضع
النقاد معايير صارمة لحماية الملكية.

وفي هذا السياق اتهم بعض النقاد المتنبي بالإغارة على أشعار
السابقين وأفكارهم، وعلى رأسهم الحاتمي الذي تتبع سرقات المتنبي من أرسطو،
وجاء ابن وكيع ليصنف كتابه " المنصف في سرقات المتنبي " أورد الأشعار التي
ظن أن المتنبي أغار عليها وسرقها من الشعراء السابـقين.

أما النقد الحديث فإنه عوض كلمة السرقة بمفهوم آخر هو التفاعل
النصي Intertextualité ، فهذا المفهوم تجاوز مفهوم الملكية الضيقة ليعتبر
أن الأدب إرث إنساني وأن صوغه هو نتاج لتفاعل النصوص. يذهب اليوسف في
معالجته لمشكلة السرقة إلا أن المتنبي اخذ من أرسطو ما يتناسب مع طبيعته
وطريقة تفكيره، أما الأشعار التي تفاعل معها، فإنه لم يستنسخها بل أعاد
إنتاجها في حلقة جديدة مبصومة بالروح الشعري عند المتنبي. وفي هذا الصدد
يقارن اليوسف بين مجموعة من الأبيات أخذها المتنبي من شعراء سابقين وحاول
أن يبرز مواطن تفوق المتنبي عليهم : يقول أبو شروان السعدي :

عش بجهل، تصبح وأنت غني

أو بعقل، تصبح وأنت فقير ( )


ويقول أبو الطيب المتنبي :

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله

وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم(الكامل)


ويعلق على ذلك مقارنا " بيت المتنبي أقوى بما لا يقاس، ووجه القوة هو فكرتا
الشقاء في النعيم والنعيم في الشقاء، حيث تضم كل واحدة تناقضا صارخا مع
الأخرى، هذا فضلا على أنهما افعل في النفس من مقولتي الغنى والفقر
المطروحتين في بيت السعدي " . لكن ما يلاحظ ، هو أن اليوسف في معالجته
لقضية السرقة لم يتجاوز التصور الكلاسيكي القديم الذي يعقد المقارنة
والموازنة بين الأبيات التي تبدو متشابهة متوافقة في المعاني، إنه لم يعن
بعقد صلات بين نص ونص ويرصد التفاعلات الحاصلة بين هذه النصوص، إن هذا
المبحث التناصي في شعر المتنبي لازال في حاجة إلى الدرس، فقط هناك بعض
الإشارات الواردة في سياق دراسات عامة وقفت على هذا البعد.

الموضوع الأصلي : حياة المتنبي كاملة // المصدر : /منتديات رأس الوادي نت/ الكاتب: Admin



توقيع العضو: Admin

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معلومات العضو




معلومات إضافية
إحترام قوانين المنتدى إحترام قوانين المنتدى:
المهنة:
ذكر
السٌّمعَة: 57
عدد النقاط: 13620
معلومات الاتصال
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
مُساهمةموضوع: رد: حياة المتنبي كاملة السبت 17 سبتمبر 2011 - 15:33

حياة المتنبي كاملة
ج-الأيديولوجية القرمطية بين النفي والإثبات :

لقد وجه اليوسف انتقاده للدارسين الذين ذهبوا إلى أن المتنبي كان
قرمطيا، من أمثال بلاشير وطه حسين والعقاد، وذلك انهم استندوا إلى إثبات
هذه النزعة إلى بعض الأبيات التي تحتمل دلالات متعددة، وكان سبيل اليوسف في
نفي قرمطية المتنبي أن احتكم إلى التحليل اللغوي مبرزا أن الرجل كان مسلما
" وأن كلمة الله وكلمة التوحيد تتواتران في شعره مرات لا يمكن إحصاؤها
بسهولة، أليس مسلما هو الذي يقول :

تغرب لا مستعظما غير نفسه

ولا قابلا إلا لخالقه حكما(الطويل)


أما بخصوص تنبأ المتنبي فإن اليوسف اقره اعتمادا على إجماع
المصادر القديمة على ذلك خاصة وان يثق ثقة في ابن خلكان الذي لم يعلق على
نبوءة المتنبي ولم يثق عنه هذه التهمة. فاليوسف يقتنع بدعوى النبوة ويتغرب
لم يدع المتنبي الألوهة، وهو النرجسي المتطرف.

د-قومية المتنبي والإسقاط الأيديولوجي :

أثار الدارسون المحدثون مجموعة من القضايا لم يهتم بها القدامى،
كالنزعة القومية والجذور الاشتراكية في شعر المتنبي والنزعة القرمطية ومن
البديهي أن لا ينشغل القدامى بهذه المفاهيم لأنها مفاهيم حديثة النشأة،
فمهوم القومية، مصطلح حديث نشأ في ظروف سياسية معينة. فان نقرأ المتنبي في
ضوء هذا المفهوم هذا يعني أننا نسقط عليه مفهوما تاريخيا له خصوصياته،
بالإضافة إلى أننا نقرأ ذواتنا من خلال المتنبي.

فينبغي التمييز بين لحظتين في القراءة : لحظة حاضر النص المدروس، ولحظة حاضر القراءة.

فاللحظة الأولى تسعف على دراسة النص في شروط إنتاجه لإضاءة
الجوانب المعتمة فيه انطلاقا من السنن الثقافي الذي يسيجه بمقارنته مع
المؤتلف والمختلف. فان ندرس اعتزاز المتنبي بعروبته، فهذا يستدعي بالضرورة
مفهوم الشعوبية كحركة تعتز بالجنس الفارسي وتحتقر العنصر العربي.

أما اللحظة الثانية فتمكننا من الوعي بالمسافة بين لحظة الحاضر
والماضي، وتحمينا من إسقاط مشاغلنا على النص المدروس، فالقارئ يأتي إلى
النص محملا بمرجعيات أطر فكرية مخالفة لمرجعيات الشاعر أطره. وإذا أغفلنا
هذا الاختلاف فإن القراءة ستكون لا محالة قراءة مغرضة.

وانطلاقا من هذه التحديدات المنهجية يمكن أن نزعم أن الآراء التي
أعلنت قومية المتنبي هي آراء كانت واقعة تحت سيطرة مفاهيم أيديولوجية
لمرحلة معينة من تاريخ الدول العربية الحديثة. حيث برز مفهوم القومية بعد
انهيار الدولة العثمانية. وفي ظل هذا التوجه السياسي الذي يطمح إلى توحيد
الأقطار العربية على أسس قومية هيمنت التفسيرات القومية للأدب، وقد كان أبو
الطيب المتنبي هو الشاعر المفضل لهؤلاء الدارسين لأنهم وجدوا في بعض
أشعاره ما يبرر تصوراتهم.

وقد عمد اليوسف إلى بعض الأبيات التي تغزل فيها المتنبي
بالبدويات، واعتمد أيضا على القصيدة الهائية التي قالها الشاعر في أرض فارس
لإثبات النزعة القومية :

شــآمـيـة طـالمـا خـلـوت بـهـا

تـبــصـر فـي نـاظـري محـياها ( )

أحـب حـمـصــا إلى خناصــرة

وكــل نـفـس تـحــب محياها

حيث التقى خدها وتفاح لبنان

وثـــغــري علـــى حـمـياهـا

وصفت فيها مــصـيـف بـاديـة

شتوت بالصحصحان مشتاها


غير أن اليوسف لم يحلل هذه الأبيات ليبرز فيها قومية المتنبي،
فقد اكتفى فقط بالاستشهاد معتقدا أنها فصح مباشرة عن مراده. وبرجوعنا إلى
شروح الديوان القديمة والحديثة ألفينا أن هذا التغزل بالبدويات وذكر هذه
الأماكن يعكس فقط حنين الشاعر إلى هذه المراتع التي قضى فيها سبابه، وبدهي
أن يقوى هذا الحنين في ارض الغربة.

إن هذه الأبيات التي استشهد بها اليوسف مقتطفة من القصيدة التي
مدح بها المتنبي عضد الدولة البويهي عام 354 هـ. وقد ابتدأها المتنبي
بالحنين والتأوه والاشتياق إلى محبوبته وغلى الأماكن التي قضى فيها مراحل
شبابه.

فالبيت الأول المستشهد به يقابله في القصيدة البيت الثالث في
القصيدة يشرحه المعري بقوله " التي أتوجع من فراقها هي شأمية، وهي التي
طالت الخلوة بيني وبينها فكانت ترى في ناظر عيني وجهها لقربها مني "

أما البيت الثاني فيقابله في القصيدة البيت الثالث عشر، يشرحه
المعري قائلا : " احب ما بين هذين الموضعين اللذين هما حمص وخناصرة لأن
منتشئي كان فيهما ، وكل إنسان يحب وطنه الذي نشأ فيه " .

إن تركيز المتنبي على ذكر الأماكن والعادات والقيم البدوية
العربية خاصة في أرض فارس يشي برغبة المتنبي في الاحتماء بهويته وخصوصيته ،
ذلك أن الآخر يثير فينا دائما اكتشاف دواننا وفيمنا ، فالمغترب يحصن ذاته
لا شعوريا بالعودة إلى أصوله ، ويبدو أن هذه الظاهرة ليست خاصة بالمتنبي
وحده بل هي شعور إنساني عام.

وقد كان اليوسف متشبتا بقومية المتنبي مستدلا على ذلك ببعض
الأبيات التي يدين فيها الشاعر حكومتي الفسطاط وبغداد على تواطئهما مع
الروم ضد حلب. وذلك من خلال قوله :

وسوى الروم خلف ظهرك روم

فعلى أي جانبيك تميل ( )


إلا أن شراح الديوان يجمعون على أن كلمة الروم الثانية تعني دولة البويهيين
بأرض فارس والعراق يقول البرقوقي " أي أن خلف ظهرك رومانسيون الروم - يريد
آل بويه - أي أن هناك أعداء لك كالروم، فليس أعدؤك الروم حسب، وإنما
أعداؤك كثير فأيهم تقاتل ؟ ".

وقوله :

ألهى الممالك عن فخر قفلت به

شرب المدامة والأوتار والنغم(البسيط)


وقوله :

كيف لا تأمن العراق ومـصـــر

وسـراياك دونـها والخيول ( )

لو تحرفت عن طريق الأعادي

ربط السدر خيلهم والـنخيل

ودرى مـن اعـزه الـدفـع عـنــه

فيهما أنه الحقير الــذلـيــل

قعد الناس كلهم عن مساعـيك

وقـامت بـهـا الـقنا والنصول

مـــا الــذي عنـده تــدار المنايا

كـالذي عـنده تدار الشمول


إن هذه الأبيات التي قالها المتنبي في هذه القصيدة تنم عن وفاء
لأمير عربي لاسيما وان هذه القصيدة قالها المتنبي لما أنقذ سيف الدولة ابنه
من حلب إلى الكوفة ومعه هدية، وكان ذلك بعد خروجه من مصر ومفارقته كافورا
سنة 352 هـ. وهذا السبب فانه يعرض بحكومتي العراق ومصر لان حكامها ليسوا
عربا، وان قوة ردعهم للعدو الخارجي لم ترق إلى مستوى سيف الدولة.

هـ- نقد منهج تاريخ الأدب :

إن تحليل اليوسف المنبني أساسا على فرضيات منهج التحليل النفسي
والمنهج البنيوي التكويني، أفضي به إلى أن ينتقد ممثلي منهج تاريخ الأدب
وقد اختار نموذجين أحدهما عربي والثاني غربي.

يمكن الذهاب إلى أن مقالة اليوسف حول المتنبي كانت تستضمر نقدا
لأطروحات طه حسين والمستشرق الفرنسي رجيس بلاشير، فقد انتقد اليوسف تحليل
طه حسين لبيت المتنبي الذي يقول فيه :

وإذا ما خلا الحيان بأرض

طلب الطعن وحده والنزالا ( )


فطه حسين يعلق على هذا البيت بقوله إن " هذا الشاعر لم يصور أحدا
كما صور نفسه " ومن تم فإن المتنبي في نظر طه حسين رعديد جبان، وكل شعره
الذي يعج بامتداح القوة ما هو إلا ادعاء وأقنعة يؤكد اليوسف أن طه حسين
أساء فهم نفسية المتنبي حيث لم يدرك أن المتنبي كان يعاني من الخوف وحس
اللاأمن لاشعوريا، " لكن الخوف لا يعني الجبن ولا ينفي الشجاعة إطلاقا، بل
قد يكون أكبر عامل يبعث على الإقدام والتقحم ". إن الخوف يفضي دوما إلى
اتخاذ موقف دفاعي أما عبر الهجوم أو الهروب. يقول الشاعر :

ردي حياض الردى يا نفس واتركي

حياض خوف الردى للشاء والنعم


أما بخصوص بلاشير ، فإنه في نظر اليوسف اعتمد فقط الأخبار
والمصادر القديمة ولم يستند إلى تحليل النصوص الشعرية، وبالرغم من هذا
النقد المعقول، فإن دراسة بلاشير حول المتنبي -في اعتقادي - تعد من
الدراسات الرصينة والدقيقة من حيث التوثيق التاريخي لشعر المتنبي ولتداول
ديوانه في الشرق والغرب الإسلامي، وقد تكون الثغرة القاتلة في هذه الدراسة
الرصينة هي تصوره المفهومي حول الشاعر باعتباره " مداحا مرتزقا " مما فوت
عليه دراسة شعر المتنبي في بعده الجمالي، ومما حجب عليه رؤية الروح الشعرية
التجديدية عند المتنبي، لأنه كان يقرأ المتنبي بعيون ضربية لم ترق إلى
تذوق روح الشعر الشرقي.

إن اليوسف يرى أن طه حسين وبلاشير عجزا عن رؤية شخصية المتنبي في
تجادلها مع الخارج وفي انشطارها القائم في الداخل، والمتنبي لا يمكن فهمه
إلا إذا رأينا فيه الانكشاف الذاتي لتخلخل الحضارة العربية.

و- نقد الدراسات الاستشراقية :

اعتمد اليوسف في نقد المستشرقين على الفصل الذي خصصه بلاشير في
كتابه حول المتنبي، ولقد وصف اليوسف هذه الدراسات بأنها تفتقر إلى
الموضوعية والروح التحليلية، فقد سرد آراء هؤلاء المستشرقين مبتدئا،
بالمستشرق رايسك " الذي ترجم بعض قصائد المتنبي عام 1765، وقد كان من أوائل
المستشرقين الذين وجهوا الإهانة إلى المتنبي حيث نعته بالحذلقة والسخف
والهواء والفوضى، ثم جاء بعده سلفستر دي ساسي واتهم العرب بفساد ذوقهم،
واعتبر أن فساد الذوق عند العرب هو علة إدمانهم على قراءة المتنبي، أما
المستشرق " اهلوارد" فانه لم ير في الـمـتـنـبي سوى مقلد باهت لامرئ القيس.


ويرى " كرايمر " أن شعر المتنبي يقع في مرتبة أدى من شعر أبي فراس، وقد نحى
" غولدزهير " نفس المنحى، وتبعهم في ذلك " بروكلمان " و " كراتشوفسكي ".

ولقد استثنى اليوسف مستشرقا واحدا هو نيكلسون، معتقدا أنه هو
الوحيد الذي انصف المتنبي حيث رأى فـيـه فيكتور هيجو المشرق، أدرك " حقيقة
هامة فحواها أن المتنبي لا يستطيع تقديره إلا من كان شرقيا بــالـولادة ".

إن اغلب هؤلاء المستشرقين - في نظر اليوسف - يفتقرون إلى خصلتي التذوق والتحليل.

لقد اخفق المستشرقون في دراستهم للمتنبي لأنهم ظلوا يبحثون عن
خصوصية المتنبي المحلية متجاهلين البعد الكوني في شعره، وانهم لم يلجأوا
لفهم الشاعر إلى المنهج الفلسفي الشمولي بل اكتفوا بنقد الموضوعات وبالرؤية
التجزيئية، فهم قد تناولوا شعر المتنبي، لكن هذا التناول لم يرق إلى مستوى
إدراك الكل والوحدة.فهم في آخر المطاف مؤرخو أتدب اكثر منهم نقادا محترفين
لذلك لم يستطيعوا أن يدركوا العلاقات بين الظواهر ليربطوها بتفسخ
الإمبراطورية العربية، فرؤيتهم للمتنبي كانت سطحية، ومجمل القول
فالمستشرقون لم يستطيعوا أن يروا شعر المتنبي على نسق ينظمه من الداخل، ولم
يستطعوا أن يروا الظاهرة المتبنية في اتساقها مع مجمل حركة التاريخ العربي
حتى عصره .

الموضوع الأصلي : حياة المتنبي كاملة // المصدر : /منتديات رأس الوادي نت/ الكاتب: Admin



توقيع العضو: Admin

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معلومات العضو




معلومات إضافية
إحترام قوانين المنتدى إحترام قوانين المنتدى:
المهنة:
ذكر
السٌّمعَة: 57
عدد النقاط: 13620
معلومات الاتصال
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
مُساهمةموضوع: رد: حياة المتنبي كاملة السبت 17 سبتمبر 2011 - 15:34

حياة المتنبي كاملة
علي كامل : المتنبي والنفس:

1- المتنبي والنفس : الإسقاط المنهجي

إن الطريقة التي اتبعها اليوسف في دراسته للمتنبي وشعره تداخلت
فيها مجموعة من المفاهيم متعددة الحقول، وقد كان ذلك نتيجة لعدم الاختصاص
المنهجي، فاليوسف يمارس العملية النقدية منطلقا من ضرورة تضافر مفاهيم
منهجية متنوعة أو بتعبير آخر، يرى أن المنهج ينبغي أن يشمل على أدوات تقارب
الذاتي والفردي والمحيط الاجتماعي، لذلك مزج في دراسته بين بعض مقولات
التحليل النفسي ومقولات التحليل الاجتماعي، ولم يتربط صرفا بخطوات المنهج
النفسي، وقد اتضح ذلك جليا من خلال الوصف التحليلي الذي أنجزناه، حيث إن
المصطلحات النفسية المركزية ظلت باهتة في التحليل، وحتى حينما تناول ظاهرتي
النرجسية والسادية لم يردهما إلى أصولهما الفرودية المرتبطة بالرغبة
الجنسية وهجاس الموت، ولم تستوقفه اللغة كرمزية لعقد الطفولة المكبوتة. بل
كان يعدل هذه المفاهيم حتى تتسق مع تصوره القبلي لشاعر العروبة.

أما المحلل " على كامل " في مقالته " المتنبي والنفس " المنشورة
بمجلة آفاق عربية العدد 4 ديسمبر 1977 فإنه سينطلق في دراسته للمتنبي من
وجهة نفسية بحثة. معولا في ذلك على تخصصه في الأمراض النفسية، مازجا بين
الفحص النفسي للشخصية والمزاج للعالم النفساني " ايزانك " والتحليل النفسي
الفرويدي والآدلري.

سنحاول في دراستنا لمقالة على كامل أن نبرز أهداف الدراسة والمتن
المدروس والوقوف على البعد الاستدلالي والبرهاني الذي اعتمده في التوصل
إلى نتائج الدراسة، مركزين على تبيان التوافقات والاختلافات بينه وبين
اليوسف.

الإعلان عن أهداف الدراسة :

يعلن " على كامل " في بداية دراسته عن الهدف من اختياره للنظر في
حياة المتنبي النفسية، وذلك انه يرغب في " النفاذ إلى نفسية الشاعر من
ناحية وإلى فهم شعره من ناحية أخرى 1 ". يبدو أن هذا المطلب في الوهلة
الأولى من قبيل المعاد المكرور، وذلك أن كل بحث في أي جانب من حياة المتنبي
وشعره لابد أن يعرج من قريب أو من بعيد على بعض مفاهيم البحث النفسي، غير
أن الجديد عند على كامل هو أن " هذه أول مرة يكون هدف الدراسة فيها والبحث
من المتنبي هدفا نفسيا بشكل أساسي "، إن علي كامل يعي جيدا الفرق بين
المضامين النفسية لأي شاعر كيفما كان وبين المقاربة النفسية البحثة التي
تعتمد منهجا نفسيا معينا، لأنه لكي نلج في الدراسة العلمية لابد أن " نفرق
بين النفسي، وهو الوقوف على ما يتضمنه النص الأدبي مــن العواطف
والانفعالات والأخيلة، التي هي عناصر من صميم التكوين الأدبي، ... ولم يكن
هذا المنهج جديدا فقد ظهرت آثاره عند الإغريق والعرب وفي عصر النهضة
الأوربية أما المنهج النفساني فيقوم على أساس من النظريات النفسية الحديثة،
ولاسيما انه يقوم على التحليل النفسي، ويعد منهجا حديثا بدأ مع نظريات
فرويد1".

ويبدو أن " علي كامل " من ذوي الاختصاص في القضايا النفسية، مما
جعله يعي منذ البداية حدود المنهج النفسي في مقاربته لشاعر من الماضي. هذا
الوعي اضطره إلى التصريح بالصعوبات التي اعترضته في دراسته وقد حدد هذه
الصعوبات في ثلاث :

1) المسافة الزمنية بين القارئ والنص/الشخص : فإذا كان علماء
النفس يجدون الصعوبة في الاتفاق على تشخيص حالة نفسية واحدة تمثل أمامهم
اليوم، أدركنا صعوبة الأمر في شخصية وجدت قبل ألف سنة من الزمن، واختلف
الناس في أمرها حتى ذلك الحين".

2) الاعتماد مقولة النص كوثيقة وتغيب مصادر الرواية والأخبار :

لم يعتمد " علي كامل " التحليل النفسي السيري وإنما انطلق من
النص باعتباره عرضا من الأعراض النفسية، مميزا بين نوعين من القراءة :
الذاتية العاشقة والقراءة المتعددة التأويلات.

3) تعذر الفهم الدقيق للنفس الإنسانية بصفة عامة.

تختزل هذه الصعوبات وعي علي كامل بحدود الأدوات الإجرائية
والجهاز المفاهيمي الذي يقارب به الشخص والنص. وقد تجلت معالم هذا الوعي في
محاورته للمنهج لإعادة النظر في أدواته.

إن هذا الوعي المنهجي سيقود لا محالة إلى الاحتراس من الوثوقية
والأحكام المطلقة، وسيفرض على الدارسة أن تحتمي بلغة الاحتمال.

وبالرغم من إدراك هذه الصعوبات الموضوعية فإن المنهج النفسي
ونوعية الكشوفات التي حققها في ميدان التحليل الأدبي ستسلط لا محالة بعض
الأضواء على الزوايا المعتمة في شعر المتنبي وشخصيته.

وفي إطار تعميق الوعي بحدود المنهج النفسي يحذر على كامل من أن
طريقة بحثه ستكون عاجزة عن تفسير عبقرية الشاعر وعملية الخلق الشعري لديه،
فلا ضير إذ عزا العجز لمسه فرويد من قبل، واعترف وهو بصدد دراسته للرسام
الإيطالي " ليوناردو دافنـتشي " " إن التحليل النفسي (ويعني مذهبه بوجه
خاص) لا يستطيع أن يدرس الإنسان من حيث هو فنان، وليس في قدرته أن يطلعنا
على طبيعة الإنتاج الفني، وأنه هو في دراسته لدافنتشي لم يدرس الفنان من
حيث هو فنان بل درسه من حيث هو إنسان، فدراسته هذه لست سوى عرض للرجل من
ناحية الباتوجرافيا .

وقد أشار أيضا إلى ضرورة عدم تفسير العبقرية انطلاقا من
الـبـواعـث الـغـامـضـة للـفـعـل الجمالي لان " التقويم الجمالي للعمل
الفني وتفسير الموهبة ليسا من مهمات التحليل النفسي ".

وفي هذا السياق يذهب يونغ إلى أن " كل رجع reaction يمكن تفسيره
وبيان علته، أما فعل الإبداع وهو نقيض الرجع لما يمتاز به من تلقائية،
فسيظل على الدوام يفلت من قبضة الذهن البشري. وهكذا اصدر يونغ حكمه على
العلم من الحاضر والمستقبل جميعا، فهو لم يعرف الإبداع ولم يعرفه لان من
طبيعة الإبداع إلا يثبت للمعرفة العلمية ".

طرائق البحث النفسي بين المؤلف والقارئ :

يحدد " علي كامل " سبل البحث النفسي للمتنبي في ثلاثة :

منها ما يتعلق بتحليل الشخصية وبيان العناصر المكونة لها، ومنها
ما يختص بقدرة الشاعر على فهم النفس الإنسانية وبيان مصادر هذه القدرة
وأخيرا التأثير النفسي الذي يحدثه شعر المتنبي في القارئ.

إن هذه التوجهات تعكس التطور الذي عرفه التحليل النفسي بشخصية : التحليل النفسي والمؤلف والتحليل النفسي والقارئ :

أ- التحليل النفسي والمؤلف :

اعتبر التحليل النفسي التطبيقي أن العمل الأدبي شبيه بفانتازيا،
فعومل النص كعرض من أعراض المؤلف، مما أفضي بالتحليل إلى الدراسة النفسية
للمؤلف، وعوملت الشخصية الأدبية كما لو أنها كائن حي تمتلك عقدها الخاصة.
كما أن الرموز اللغوية اعتبرت مدونة محددة وصارمة " فكل الأشياء العمودية
ترمز للعضو الجنسي الذكر، وكل الأشياء الأفقية تمثل جسد الأم".

إن هذه الفرضيات تحيل ضمنيا إلى نفسية المؤلف، حيث إنها تتأسس
على أن غاية العمل الفني الشبيهة بالحلم هي الإشباع السري لرغبة طفولية
مكبوتة تستقر في اللاشعور.

ب- التحليل النفسي والقارئ :

لقد جاء الاهتمام بالقارئ إلى مجال التحليل النفسي ليتدارك
القصور الحاصل في هذا الجانب، وقد كان الناقد الأمريكي " نورمان هولاند "
من أكبر دعاة هذه النظرية ومطوريها، فقد عالج العلاقة بين القارئ والنص من
خلال العلاقة بين تخيلات الايد Id ودفاعات الانا معتبرا أن " مصدر اللذة
التي نستمدها من الأدب يكمن في تحويل رغباتنا ومخاوفنا إلى معان مقبولة من
الوجهة الثقافية ... ويعتبر النصوص الأدبية تكتمات، أي منظومات مرمزة تؤدي
وظيفة التخفي ... إن ما يجذبنا إلى النص كقراء هو التعبير السري عما نريد
سماعه ".

إن فعل القراءة هو قبل كل شيء إعادة خلق للهوية ومعنى ذلك انه
عندما نقرأ نصا فإننا نمارس معه " عملية توافق مع قيمة الهدية التي تميزنا،
ونستخدم العمل على نحو يرمز إلينا ويكرر نفسياتنا في النهاية، ونعيد
صياغته لنكشف استراتيجياتنا المميزة الخاصة ونتغلب على المخاوف العميقة
والرغبات التي تشكل حياتنا الروحية "، ويبدو أن هذه العملية هي ما يفسر
الاهتمام المتزايد قديما وحديثا بشعر المتنبي حيث إن هناك إعادة لاكتشاف
الهوية، بالإضافة إلى أن المتنبي يحقق للقارئ من خلال عملية التماهي التغلب
على المخاوف النفسية انطلاقا من نشدان القوة والمغامرة في ملكوت المجهول.
يقول :

إذا غامرت في شرف مـروم

فلا تقنع بما دون الـنـجــوم ( الوافر )

فطعم الموت في أمر حـقـير

كطعم الموت في أمر عظيـم


إن استكشاف جذور الأثر يتواكب مع استكشاف اللذة التي تنتج عن
قراءة متأنية له، إذ هناك تواز بين الصدمة العاطفية التي يثيرها النص في
نفس القارئ والصدمة التي يعانيها المؤلف أثناء عملية الإبداع وفي هذه
النقطة بالذات قد نجد " تفسيرا لآليات التماهي التي من خلالها نعثر في الفن
على لذات تعويضية ".

الموضوع الأصلي : حياة المتنبي كاملة // المصدر : /منتديات رأس الوادي نت/ الكاتب: Admin



توقيع العضو: Admin

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معلومات العضو




معلومات إضافية
إحترام قوانين المنتدى إحترام قوانين المنتدى:
المهنة:
ذكر
السٌّمعَة: 57
عدد النقاط: 13620
معلومات الاتصال
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
مُساهمةموضوع: رد: حياة المتنبي كاملة السبت 17 سبتمبر 2011 - 15:35

حياة المتنبي كاملة
ج- تحديد معالم الشخصية :

يسلم " على كامل " بأن انطباعات القراء حول شعر المتنبي تتشابه
في رسم شخصية المتنبي النفسية رغم التباعد الزمني وتضارب الأخبار حوله ،
وإن هذا التشابه مرده إلى أن المتنبي قد كفى القراء عناء البحث عن هذه
الشخصية حيث قدم في شعره صورة شخصية portrait ورصد مختلف أحوال نفسه
وتحولاتها.

غير أن هذه الانطباعات الأولية غير كافية في سبر أغوار النفس ،
لذا فإنه سيعتمد على خطاطة العالم النفسي " إيزانك من فحص الشخصية والمزاج :


1- الخطاطة :

يستنتج علي كامل من خلال تطبيق هذا النموذج أن المتنبي :

1- يتوفر على سبع خصائص واضحة وقوية في الربع اليمن الأعلى وهي :

سرعة التأثر - عدم الاستقرار - العنف - سرعة الهياج والانفعال - التقلب -
الاندفاع والنشاط. وهذه الأوصاف تشير إلى أنه ذو مزاج عصبي.

2- أما في الربع الأعلى الأيسر فقد ظهرت خمس خصائص بارزة وهي :

المزاجية (العاطفية) والقلق في الرأي (العناد) والتيقظ والتشاؤم، وهذه الأوصاف تدل على انه ذو مزاج سوداوي مكتسب.

أما حينما نقارن بين غلبة الخصائص نجد أن الغلبة للنصف الأعلى، لذا فان
النتيجة هي " أن نفسية المتنبي تعاني من عدم توازن واستقرار طبيعي".

ولقد أسفرت المقارنة بين الجانب الأيمن والأيسر من الدائرتين إلى
غلبة خصائص الجانب الأيمن مما يؤكد أن مزاج المتنبي ونفسيته تتجهان نحو
الانبساطية والواقعية لكن توفر المتنبي على سبع خصائص من النصف الأيسر يبرز
أن لديه نزوعا نحو الانطوائية.

ما يستنتج من هذا الفحص أن المتنبي كان يجمع بين الأضداد، وفي
هذه النقطة يلتقي " علي كامل " مع " سامي اليوسف " مبرزين أن هذا التناقض
في نفسية الشاعر مكن من التعبير عن عبقريته وحركته الروحية. لكنهما يختلفان
في تفسير سبب هذا التناقض ، فسامي اليوسف يرجعه إلى الشرخ الواقعي في حين
أن علي كامل يعزيه إلى طبيعة الشخصية كبنية مغلقة.

د- المتنبي : الوجه والقناع :

يذهب " علي كامل " في حديثه عن الخصائص النفسية إلى أن هذه
الأخيرة ظلت ثابتة طوال حياته، بالرغم من الأدوار والحالات المختلفة التي
عرفتها حياته فقد ظل المتنبي وفيا لنفسه الهائمة التي لم تعرف الاستقرار
كأن الريح تحته، وقد صور هذه الحالة بيت شعري نافذ يقول :

على قلق كأن الريح تحتي

أوجهها جنوبا أو شمالا(الوفر)


إن ثبات هذه الصفات المتناقضة يشي بقوة الشخصية، هذه القوة
تفتقدها الشخصيات الهادئة المتوازنة، حيث إن التوازن دليلا عن الضعف وفقدان
الحيوية.

إن الخاصية المهيمنة في شعر المتنبي هي الحضور الصارخ والمكشوف
للأنا، فما هي الدواعي لهذا الحضور المكثف ؟ يستدعي " علي كامل " لمناقشة
هذه القضية آراء النقاد حول المدى الذي يجوز فيه للشاعر أن يظهر ذاته في
شعره أو أن يبقي عليها مستورة مقنعة. أو أن يتجاوز نفسه كلية بحيث يأتي
العمل الإبداعي خاليا من أي إشارة إلى الذات.

فقد أورد آراء القدماء حول أبعاد الفن عن صاحبه، وقد كانت هذه
النظرة للفن هي المهيمنة عند اليونان والعرب حيث انهم نظروا إلى " أن الخلق
الإبداعي قد حدث بسبب قوة خارقة استوطنت المبدع... وان فعله ليس من صنعه،
إنما من صنع الروح الذي تدفعه ولهذا فسر اليونانيون الشعر بأنه من إيماء
ربات الشعر وفسر العرب ذلك بعبقر".

لقد اتصل حبل هذه النظرية في عملية الخلق الإبداعي حتى أنصار
مبعدي الذات ونفيها عن العمل الأدبي اليوم، معتبرين ذات الفنان قناعا،
فإليوت يذهب إلى " أن مسيرة الفنان هي تضحية مستمرة للذات، وإفناء مستمر
للشخصية كما أن جيمس جويس يرى " أن شخصية الفنان تسعى إلى أن تصفي نفسها من
الوجود، أو بمعنى آخر فإنها تسعى إلى تجريد نفسها".

وبالمقابل فهناك آراء أخرى تؤكد على ضرورة حضور الانا بصورة
مكشوفة، " فالشعر الذي تقوم فيه الانا تماما مقام الشاعر يعتبر بالضرورة
اكثر علوا من ذلك الشعر الذي ترمز فيه " الانا " ليس للشاعر وإنما لقناعه
".

إن موقف علي كامل من هاتين النظريتين موقف توفيقي، فهو يراوح بين
انعكاس ذات المتنبي في شعره وبين أن هذه الذات قد توارت من وراء قناع،
وبأن للانا الظاهرة في صوته هي " أنا " أخرى مستترة أو نافية تخالف، أو
لعلها تناقض وتنافر كليا وبقوة ما ظهر منها ".

فهذا الاضطراب بين الوجه والقناع تجلى فيه اضطراب التكوين النفسي
لدى الشاعر، أمده هذا التناقض العصي عن الحل بحيوية وفعالية شعرية.

إن مبررات حضور الانا، والعناية الفائقة برسم صورة شخصية تتجلى
في أن الانا تعكس الاحتراق الداخلي حيث إن المتنبي " وصف شيئا يعرفه في
الحياة لا كما هو في الأصل وإنما كما أتفذ في أتون الحياة، ولم يكن من
السهل إطفاء هذه الشعلة الملتهبة " ثم إن هناك وفاء كبيرا من طرف المتنبي
للتقاليد الشعرية العربية

الأصلية التي تسمح بظهور الشاعر في شعره.

هـ-نرجسية المتنبي :

إن مقدمات التحليل النفسي عند علي كامل أفضت به إلى أن يعالج
العقدة النرجسية عند المتنبي، ويكاد جل الباحثين الذين قاربوا المتنبي من
وجهة نظر نفسية أن يجمعوا على أن المتنبي كان واقعا تحت سيطرة هذه العقدة،
فبدءا من نقد أبى فراس الحمداني للمتنبي مرورا بالعقاد وعبد الرحمان شكري .
وصولا إلى سامي اليوسف وعلي كامل، نجدهم يركزون أساس على تضخم الانا حد
الجنون.

يميز علي كامل بين مستويين في معالجته للعقدة النرجسية عند المتنبي :

1) النرجسية بالمعنى الضيق، وتتمثل في حب الذات.

2) النرجسية بالمعنى الواسع كما وردت صيغتها الأولى في الأسطورة اليونانية وغي اصطلاحات علم النفس.

وإذا أخذنا المستوى الأول فإننا واجدون أن ديوان الشاعر يفصح
بشكل حبي عن هذا الحب المفرط للانا، فقد انبثق هذا النزوع منذ الطفولة أي
في المراحل المبكرة المسؤولة عن تكوين الشخصية، وهذه الثلاثية دليل شاهد
على توثين الذات وعبادتها :

أي مـــحـل ارتقي

أي عظيم اتقي ( مجزوء الرجز )

وكل ما خلق الله

ومــا لم يـخـلق

محتقر في هـمـتـي

كشعرة في مفرقي


أما إذا أخذنا رمزية الأسطورة اليونانية فإننا سنقف على انه من
سوء الحظ أو حتى من المميت أن يشاهد الآنيان انعكاس صورته، وكما أكد ذلك
علم النفس الفرويدي حيث تشير النرجسية إلى حالات مرضية بافتتان الفرد
بجسده.

إن العقدة النرجسية تتحدد من خلال العلاقة مع الأم، فالطفل يكبت
حبه لامه، ويحب نفسه بدلا عنها، أي يقوم بعملية استبدال للصورة المكبوتة
بصورة جسده، حيث تصبح ذاته معيارا لاختيار الأشياء التي يحبها.

وتمر هذه العقدة - حسب فرويد - من مرحلتين :

1) المرحلة الأولى : هي المرحلة الطفولية وفيها لا يميز الطفل
بينه وبين الأشياء، حيث يتقوى لديها الشعور بالمقدرة العظيمة وأن قوة
العالم الهائلة هي قوته.

2) المرحلة الثانية : وهي المرحلة الراشدة وفيها تتضح معالم
الفرق بين الذات وغيرها من الأشياء ، ومن هذه المرحلة يتدخل الواقع ليخلق
في الفرد شعورا بالفشل والخدلان والرفض ، لذا تتحول الطاقة المتكونة من هذا
الشعور إلى الذات.

فكيف سيتم التعامل مع شخصية المتنبي التي لا تعرف عنها الكثير ،
أمام هذه التحديدات التي ترد مصدر العقدة النرجيسية إلى الطفولة والعلاقة
بالأم والاشتهاء الجسدي ؟

أفصح " على كامل عن وعيه بالعوائق التي تعوق المحلل النفسي
لتحليل شخصية المتنبي ، وقد تمثلت في نذرة المعلومات حول طفولته ، وشكله
الجسماني وحسن هيأته ، كما أننا لا تعلم شيئا عن طبيعة العلاقة بين المتنبي
وأمه. أمام هذا الوضع كان علي كامل يراوح بين نتائج احتمالية.

وقد لجأ إلى تحليل بعض الأبيات الواردة من القصيدة التي يرثى بها
الشاعر جدنه. كي يثبت مظاهر وتجليات النرجيسية عند المتنبي.

إن المبرر المنهجي لاختيار هذه القصيدة بالذات هو حضور الجدة
التي تقوم من التزكيبة النفسية للمتنبي مقام الأم ، واختياره لأبيات بعينها
مرده إلى أنها تتضمن بعض الإشارات النفسية يقول الشاعر :

لك الله من مفجوعة بحبيبها

قتيلة شوق غير ملحقها وصمــا ( الطويل)

أحن إلى الكأس التي شربت بها

وأهوى لمثواها التراب وما ضما

فوا أسفا ألا أكب مقبـلا

لرأسك والصدر ملئا حزما

لو لم تكوني بنت أكرم والد

لكان أباك الضخم كونك لي أما

لين لذ يوم الشامتين بيومها

لقد ولدت منى لأنفهم رغمـا


ركز " علي كامل " تحليله لهذه الأبيات على إبراز الأبعاد النفسية
التي تعزز أطروحته حول نرجسية المتنبي، كرابطة الحب والشوق التي تربط بين
الشاعر وجدته. وقد توقف المحلل في البيت الأول على قول الشاعر « غير
ملحقها وصما " ليستنتج أن احتراز المتنبي من نفي الوصم والعار في موقف لا
يمكن أن يتبادر فيه إلى الذهن الوصح فلتة من اللاوعي، وهو تلك الرغبة
الجنسية التي يكنها الإنسان تجاه أمه كما يرى فرويد.

أما في البيت الثاني والثالث استوقفه الحنين إلى الموت والاتحاد
مع الجدة في القبر وتقيل الصدر، مزكيا بذلك تأويله حول نرجسية المتنبي
المؤسسة على نزعة جنسية مكبوتة.

أما في البيت الرابع والخامس، فهناك مؤشرات تدل على أن الجدة
تعويض للام عبر الاستبدال المكرر، وان هذا الاستبدال يؤكد حب المتنبي لامه.


إن تعدد القراءات أضحى من بديهيات الدرس الأدبي لكن شريطة أن
تتوفر في القراءة عنصر الانسجام، وهذا الشرط يحتم على القارئ أن يرتهن
بالنسق الخاص والعام للنص المدروس، فالرؤية التجزيئية للمتن المدروس قد
تشرعه على قراءات مبتورة ومغرضة، فهذه الأبيات وردت في قصيدة/مرئية،
موضوعها امرأة وصفت بالورع إضافة إلى أنها هي ملهمة الشاعر، فقد ترعرع في
أحضانها، فارقها لمدة طويلة، ومنع من رؤيتها، وحينما أتيحت له الفرصة بعث
لها برسالة سيتقدمها عنده، لكن المنية حالت دون هذا اللقاء المستحيل، فبعد
أن قرأت كتابه قبلته وبكت ثم فارقت الحياة، إن هذا السياق أرغم الشاعر أن
يبوح بمقدار حبه لهذه المرأة، وقد بحث عن كلمات وصور قد توهم الدارس النفسي
باضطراب نفسي فيما هي صور قد تكون عاجزة عن إيصال الرجة النفسية التي
تلبست المتنبي حين سماعه لوفاة أمله الوحيد في الاستمرار في الحياة. هذا من
جهة ومن جهة ثانية فقراءة علي كامل تفتقر إلى شرط التعميم، فلكي نستجلي
العقدة النفسية فلا مناص من إنشاء شبكة دلالية تشمل المتن الشعري بأكمله مع
رصد التكرارات والتوترات الهاجسة، إذ لا يكفي أن نستدل ببيت أو بكلمة
ونبني عليها أحكاما قد تسيء للنص والشخص معا.

فأمام هذا التأويل النفسي الذي يستوحي نظرية فرويد الجنسية يبدو "
علي كامل " محربا أمام كفاءة النظرية والدلالات التي تبوح بها هذه الأبيات
المنتزعة من المرتبة، لذا يقول " ومع أني لا أميل بحماس إلى الأخذ بنظرية
فرويد أو إلى تطبيقها بهذه الكيفية على المتنبي غير أن للنفس طرقا عجيبة في
الإفصاح عن مكنوناتها قولا أو فعلا، ومن الواضح أن المتنبي في الأبيات
التي ذكرتها من رثائه لجدته قد أعطى للمحلل النفسي غذاء للخيال يصعب تركه
".

إن ظهور النرجسة لدى المتنبي - وقف هذا التحليل - نتجت عن كبت
الرغبة الجنسية تجاه الأم/الجدة، هذا الكبت تحول إلى طاقة تنمي الذات وإلى
قوة دافعة لتقدير النفس.

إن التحليل وفق هذا المنظور يقود ضرورة إلى إثارة مسألة قد تثير
من النقاش الكثير، وهي أن النرجسي يميل إلى اشتهاء جسده، لذلك يتجه في
حياته الجنسية إلى " المثلية الجنسية "، وإذا تزوج فان زواجه سيكون فاشلا !
فهل كان المتنبي شاذا جنسيا ؟ يذهب علي كامل إلى أن المتنبي لم يذكر زوجته
في شعره، كما انه ظل يؤكد في شعره على رجولية ممدوحية. إن هاتين العلتين
لا تنهضان حجة لوصم المتنبي بالشذوذ، فعدم ذكر الزوجة يندرج ضمن نسق ثقافي
حيث إن اغلب الشعراء لم يذكروا زيجاتهم في الشعر، وحتى أولئك الذين تغزلوا
بمعشوقاتهم عوقبوا من طرف القبيلة بمنعهم من الزواج منهن. العذريون على
سبيل المثال، إضافة إلى أن المتنبي كان مشغولا عن المرأة بالسلطة، أما حين
يمدح بالفحولة والرجولة فانه كان يستعيد زمن الفحولة الذي كاد أن ينسى في
عهده. وإلا فالمتنبي كان يثلب أعداءه باللواطية والإحصاء والأبنة ، ولا
يعقل أن يهجو بصفات لصيقة به. أورد : أنه ما لاط ولا زمن ولا شرب الخمر ولا
صلى ولا صام ولا قرا القرآن ".

ولو أن " علي كامل " عثر على هذا النص الذي أورده البديعي في
كتابه " الصبح المنبي عن حيثية المتنبي " لأكد أن المتنبي كان مصابا بهذا
الفعل غير الطبيعي : " قال أبو سعيد (خادم المتنبي) : دعاني أبو الطيب ونحن
بحلب، ولم اكن : اعرف منه اللهو مع النساء ولا العلمان، فقال لي : أرأبت
الغلام ذا الأصداغ الجالس إلى حانوت كذا في السوق ، وكان غلاما وسيما
وحالتنا تنافي ما هو سبيله - فقلت نعم، اعرفه، قال فامض إليه وائتني به،
واتخذ دعوة فانفق فيها واكثر... وكنت استطلع رأيه في جميع ما انفق - فمضيت،
واتخذت له ثلاثة ألوان من الأطعمة وعدة صحاف من الحلوى، واستدعيت الغلام
فأجاب، وأنا متعجب من جميع ما اسمع منه، إذ لم تجر له عادة بمثله، فعاد أبو
الطيب من دار سيف الدولة آخر النهار وقد حضر الغلام، وفرغت من اتخاذ
الطعام فأكلا وأنا ثالثهما، ثم جن الليل فقدمت له شمعة، أمر بوضع دفاتره -
وكانت تلك عادته كل ليلة - فقال احضر لضيفك شرابا واقعد إلى جانبه ونادمه،
ففعلت ما امرني به كل ذلك وعينه إلى الدفتر يدرس ولا يلتفت إلينا إلا من
حين بعد حين، فما شربنا إلا قليلا حتى قال : افرش لضيفك وافرش لنفسك وبت
ثالثنا. ولم اكن قبل ذلك أبايته في بيته، ففعلت وهو يدرس حتى مضى من الليل
أكثره، ثم أوي إلى فراشه ونام، فلما أصبحنا قلت له ما يصنع ؟ فقال : احبه
واصرفه، فقلت له وكم أعطيه ؟ فاطرق ساعة ثم قال : اعطه ثلاث مائة درهم.
فتعجبت من ذلك، ثم جسرت نفسي فدنوت منه وقلت له : انه من يجيب بالشيء
اليسير وأنت لم تنل منه حظا، فغضب ثم قالها : أتظنني من أولئك الفسقة ؟
اعطه ثلاثمائة درهم ولينصرف راشدا، ففعلت ما امرني به وصرفته ".

إن هذا النص ظني الدلالة ولو أن راويه هو خادم أبو الطيب، فلو أن
المتنبي كان معروفا بمجالسة الغلمان لاتخذها أعداؤه وحساده وهم كثر، حجة
ضده وثلبوه بها وهذا أمر لم يقع، فما ثبت أن خصما من خصوم المتنبي نسب إليه
هذه التهمة. |من تم فان تلقي أخبار المتنبي تحتاج إلى نوع من الجرح
والتعديل. ولقد تنبه محمد كمال خيري بيك إلى هذا فعلق على هذا الخبر الذي
رواه خادم المتنبي بقول : " فمثل هذا الراوي لا ينبغي أن يؤخذ قوله حجة
دامغة مهما قربت صلته بابي الطيب لان مكانته هذه دلت على انه يشتغل بما
يأباه شرف النفس، ولا ترضاه الأخلاق الكريمة وذلك مما يسقط عدالته ويجرح
شهادته " .

الموضوع الأصلي : حياة المتنبي كاملة // المصدر : /منتديات رأس الوادي نت/ الكاتب: Admin



توقيع العضو: Admin

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معلومات العضو




معلومات إضافية
إحترام قوانين المنتدى إحترام قوانين المنتدى:
المهنة:
ذكر
السٌّمعَة: 57
عدد النقاط: 13620
معلومات الاتصال
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
مُساهمةموضوع: رد: حياة المتنبي كاملة السبت 17 سبتمبر 2011 - 15:36

حياة المتنبي كاملة
و-التعالي كتعويض عن الشعور بالنقص :

يتنبأ - علي كامل - في تحليله لازدواجية شخصية المتنبي نظرية "
آدلر " حول مركب النقص والتعويض، منطلقا من مجموعة من الأبيات تدور
موضوعاتها حول اصل المتنبي وإخفاقه في المرحلة الكافورية.

إن المتنبي - في نظر علي كامل - كان يخفي شعوره بالنقص من خلال
تضخيمه لذاته شعريا، وإسبال صفات العظمة والتعالي من جزء كبير من قصائده،
حيث إنه كان يقسم القصيدة المدحية إلى شطرين، يعطي لنفسه الحظ الأوفر من
المدح الذاتي وما تبقى يخصصه للمدوح.

فمصدر هذا الشعور يرتبط بعدم اتزان تكوين المتنبي النفسي
وبتجربته الحياتية التي استفزت واستنفرت القوى الكامنة والأصلية في نفسه،
فهو قد دفع دفعا خفيا إلى هذه النزعة المتعالية.

فالمحلل يحمل نسب المتنبي المسؤولية في الشعور بالنقص فهو يذهب
إلى أن والد المتنبي كان سقاء، مستندا في ذلك على كتب الأخبار التي كادت
تجمع على هذا الأصل الوضيع اجتماعيا. وقد دفع هذا الوضع المتنبي إلى حدود
تعمقت فيها جراحاته النفسية وضاعفت من إحساسه بالضعة والنقص الاجتماعيين
فقد كان " المتنبي على تحسس مرهف منذ طفولته بوضاعة اصله، فقد كان ابنا
لسقاء، وقد لا يكون في هذا الأصل ما يوهب الشعور بالنقص أو الضعة في فتى
آخر، لكن موهبة المتنبي المرتبطة بحساسيته المرهفة لم تكن لتقبل بهذا الأصل
الذي لا ينسجم معها وكان لابد له من رفض ذلك في أعماق نفسه أما بالكبت أو
بالتعويض أو بالضعف 1 ". لذلك ففي شعر المتنبي منذ صباه اعتداء دائم بفعله
لا بنسبه، بنفسه لا بأصله، ألم يقل :

لا بقومي شرفت بل شرفوا بي

وبنفسي فخرت لا بجدودي


ويقول أيضا :

ولست بقانع من كل فضل

بأن أعزى إلى جد همام


فهذه الأبيات يرى فيها علي كامل، أنها تقوم دليلا بعدم قناعة المتنبي بفضل أصله عليه وأنه أفضل من أصله.

ومن مظاهر هذا الشعور بالنقص هو تعرف المتنبي وانتسابه إلى
شخصيات مثل شخصية سيف الدولة التي أذاب فيها هذا الشعور ليتساوى مع
الممدوح، وقد يكون ذلك وراء استقرار المتنبي في بلاط سيف الدولة تسع حجج،
فكل مقومات الشخصية التي يثوق إليها تجسدت في سيف الدولة (العروبة والأصل
والنسب الشريف والشجاعة)، لقد حققت هذه المرحلة للمتنبي استقرارا نفسيا حيث
تماهت شخصيته مع شخصية سيف الدولة. يقول بهذا الصدد :

ناديت مجدل في شعري وقد صدرا

يا غير منتحل في غير منتحل (البسيط)


أما المرحلة الكافورية وما صاحبها من انكسار وإخفاق فقد ظهرت
فيها تباريح المتنبي ومنادبه، فقد أعلن صراحة أنه غير راض على نفسه، متمنيا
الموت في وجه الهوان يقول في هجاء كافور :

أريك الرضى لو أخفت النفس خافيا

وما أنا على نفسي ولا عنك راضيا (الطويل)


اسـتـنــتــاجــات :

من خلال عرضنا لآراء علي كامل حول شخصية المتنبي يظهر أنه كان
خاضعا لتأثير النظريات النفسية، حيث حاول أن يمزج في التحليل بين نظرية
فرويد حول النرجسة ونظرية آدلر حول مركب النقص والتعويض وبين برنامج ايزانك
حول المزاج، مما جعله يتعامل بنوع من الإسقاط، فبالرغم من وعيه بحدود
المنهج النفسي في سبر أغوار النفس والكشف عن مكنوناتها وآليات اشتغالها
خصوصا إذا كان الموضوع المدروس ينفصل زمنيا عن الذات القارئة، فإنه عمد إلى
بعض الأبيات ومارس عليها عملية التأويل بغية تأكيد فرضياته القبلية. إن
الأساس الذي يتحكم في قراءته لشخصية المتنبي هو البحث عن لا وعي الشخص
معتمدا النص كوثيقة، في حين أن البحث يجدر أن ينصب على لا وعي النص ولا وعي
القارئ والوقوف على العلاقة المتبادلة بينهما.

إن علي كامل تعامل مع شخصية المتنبي باعتبارها كتلة من العقد
المرضية، مغيبا تجادل هذه الشخصية مع المحيط، وهنا يبرز الفرق بين دراسة
يوسف سامي اليوسف وعلي كامل، رغم أنهما تبنيا نفس المنهج، وهنا يمكن أن
نثير قضية هامة تتعلق بالاستخدام المنهجي، فهل المنهج يعتبر وسيطا بين
الذات والموضوع ؟ أم أنه يوحد المعرفة بالموضوع ويحول دون تعدد التأويلات ؟
أم أن له فقط وظيفة تنظيمية ؟ يعني أنه ينظم إدراكنا للموضوع، أم أن له
وظيفة وقائية بحيث يحمي النص من الإسقاطات الذاتية ؟ إن هذه الأسئلة تبرز
لنا مدى تمثل النقد العربي للمناهج النقدية الحديثة، ومدى قدرة النقاد
العرب على استحداث تشابكات مع هذه المناهج.

فمن خلال وصفنا التحليلي لدراسة اليوسف وعلي كامل خلصنا إلى
تبيان الفروق في النتائج رغم اتفاق المبدأ المنهجي، فعلي كامل يرد ازدواجية
شخصية المتنبي إلى التكوين النفسي المضطرب لديه، في حين نجد اليوسف يرجع
ذلك إلى أن المتنبي انعكس فيه التفاقم والشرخ الحضاري. وقد ربط اليوسف عقد
المتنبي مع سؤال المرحلة (أي السؤال السياسي) فكانت تخدم المشروع القومي
الذي كان يتوق إليه الفرد العربي في القرن الرابع الهجري، أما علي كامل فقد
فسر هذه العقد في علاقتنا بذات الشاعر وتكوينه النفسي حيث بدا المتنبي
مريضا نفسيا يكتب الشعر من اجل أن يتداوى به.

أما مقاربتهما للعقدة النرجسية عند المتنبي نلاحظ أن هناك فرقا
كبيرا من حيث المنطلق ومن حيث النتائج بالرغم من وحدة الإطار العام
للتحليل، فاليوسف لم يرتبط بمفهوم النرجسية كما تكرس في أدبيات التحليل
النفسي الفرويدي حيث تعامل مع المصطلح بنوع من المرونة ليلائم الموضوع
الدروس، أما علي كامل فقد تعامل مع المصطلح دون اعتبار لخصوصية الموضوع
المدروس وحافظ على حرفيته في التطبيقات الغربية مما أفضي به إلى إثارة
البعد الجنسي المصاحب لهذه العقدة.

لقد تبين لنا من خلال التحليل أن كلا من اليوسف وعلي كامل مزجا
بين نظرية فرويد ونظرية آدلر، وجلي أن كلا النظريتين تختلفان من حيث
المنطلقات والأهداف، ففرويد يرى أن الفن هو بمثابة تعويض عن الإحباط وتسام
بالغرائز المقموعة والمكبوتة، أما آدلر في نظرية الاحتجاج الرجولي التي هي
نتيجة لعقد النقص التي يعانيها كل إنسان في صغره، يرى أن الفنان يصبح بموجب
هذه الرؤية شخصا عصابيا يبحث عن إثبات الذات وتأكيدها.

ويحاول فرويد أن يرد كل فنان وكل إثارة إلى أمراض نفسية تسببها
رغبات مكظومة وعقد جنسية مكبوتة ترقد في اللاشعور، وتجد هذه الرغبات عند
الفنانين متنفسا في الأعمال الإبداعية والفنية، فالركيزة الأساسية في نظرية
فرويد هي الغريزة الجنسية التي يبني عليها تحليله النفسي ومن تم يصبح
مفهوم التسامي مفهوما أساسيا في العمل الإبداعي. أما آدلر المتأثر
بالفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه في نظريته حول الصراع المستمر في الحياة
إرادة القوة، فأنه يرى بان الفشل في السيطرة يؤدي بالإنسان إلى الإحساس
بالنقص، وهذا المركب يفضي إلى التعويض هذا المفهوم يعتبر المفتاح الرئيس في
نظرية آدلر ويلعب نفس الدور الذي يقوم به الكبت والتسامي عند فرويد. ولقد
ارتبطت العملية الإبداعية عند آدلر بالشعور بالدونية ومركب النقص.

لقد بصم هذا المزج المنهجي كلا الدراستين باللا انسجام في
النتائج المحصل عليها فالمتنبي كما صورته هذه الدراسات مرة نرجسي ومرة سادي
ومرة يعاني من نقص أفضي به إلى عبادة الذات وإثباتها بقوة ومرة أخرى شاذ
جنسيا. وكل هذه الأحكام تأسست على تحليل بيت أو بيتين من مجموع ديوان بلغت
أبياته.

فالمحلل النفسي حينما يتصدى لتحليل أديب فأنه " يدرس كل جوانب
شخصية متقصيا المعلومات اللازمة، باحثا في المراحل الفمية والشرجية
والقضيبية، متوغلا في مختلف العقد من نرجيسية وأوديبية وقابلية واستعلائية
ودونية ، بحيث يكون فكرة متكاملة من الأديب بعدما استوفى مختلف جوانبها. "

إن هذه التوغل النفسي لتحليل الشخصية قد افتقرت إليه كلا
الدارسين وذلك جاء نتيجة لعدم توفر المعلومات الكافية عن حياة المتنبي من
الطفولة وتعتبر هذه الندرة في المعلومات العائق الجوهري والثغرة القاتلة في
الدراسات النفسية التي تتخذ النصوص الضاربة في القدم.

لقد استنتجنا في الأخير أن مقالتي اليوسف ومقالة علي كامل قد
حاولتا تطبيق بعض منجزات المنهج النفسي على شخصية المتنبي وبعض من شعره ،
فلقد اتسمت دراسة اليوسف بتداخل مستويات التحليل ، إذ لم يلتزم بطريقة
محددة المعالم من طرائق التحليل النفسي ، غير أن ما يبدو أساسيا في مقالتيه
هو دفاعه المستميت لإنصاف المتنبي، فالمقالتين في العمق لهما طابع سجالي،
لأن محاوره الضمني هو كل الدارسين - عربا ومستشرقين - الذين سعوا إلى تبخيس
والحط من قيمة شاعر العروبة ، وما هذه الاستماتة في الدفاع عن المتنبي سوى
انعكاس لحاجة اليوسف إلى الدفاع عن حاضره المهزوم ، وهو الفلسطيني الذي
رأى وطنه ينتزع منه وشعبه مشردا ، لقد كان في حاجة إلى توازن وجداني وإلى
دعامة روحية وقد وجدهما في الزخم القوي وفي التيار الفياض لما يجيش به
ديوان المتنبي من دعوة لإرادة القوة وتمجيد الذات والتصدي للآخر ، لذا
ألفينا اليوسف يعدل من عقد المتنبي ويعتبرها عقدا إيجابية ذات دافعية
مثمرة.

وهنا نسجل أن القراءة التي قدمها اليوسف للمتنبي تعكس بالأساس
همومه وانشغالاته الحاضرة، فتركيزه على تحليل الأنا والذات المتعالية عند
المتنبي ، والتقاطه العميق للأزمة السياسية وللتفاقم الحضاري كل هذه
الأشياء هي مواطن اهتمام اليوسف بسبب تماثلها مع الشرط الموضوعي للقراءة.

في حين أن علي كامل اكتفى بتطبيق بعض المقولات في التحليل النفسي
، وظل ينقب عنها في شعر المتنبي، دون أن يترك للنص الشعري فرصة المفاجأة
ومن ثم فإنه وقع في شرك ما اسماه جان ستاروبينسكي بالدائرة التأويلية ، حيث
لم يتوصل في النهاية سوى لفرضية البداية.

إذن فما هو الجديد الذي قدمته هذه الدراسة لإضاءة شعر المتنبي ؟
من خلال تحليلنا لم نر جديدا ، إذ لم تعمل هذه الدراسة سوى على تسمية ظاهرة
بارزة من خلال منطوق شعر المتنبي ، وقد تنبه لها القدماء فكبرياء المتنبي
وجنونه بالعظمة هي من الأشياء التي كانت تغيظ معاصريه. ونتيجة لما سلف
فدراسة المتنبي من وجهة نظر التحليل النفسي الكلاسيكي كانت كلها تتشابه من
حيث النتائج ، ولم تعمل سوى على تسمية ظواهر نفسية متداولة في أغلب
الدراسات التي تبنت منهج تاريخ الأدب .

<table border="0" cellpadding="0" cellspacing="0" width="100%"> <tr valign="bottom"> <td style="font-size:14pt">ابن بغداد</td> <td class="smallfont" align="left">15-08-2005 11:57 PM</td> </tr> </table>
المنهج البنيوي أسسه ومفاهيمه

الأسس الجمالية والفلسفية للمنهج البنيوي :

توطئة :

حاولت في الباب الأول والثاني أن أبحث في طبيعة كل من منهج تاريخ
الأدب والمنهج النفسي وتطبيقاتهما على المتنبي، وأبرزت بان السمة المشتركة
بين هذين المنهجين ، هي أنهما منهجان خارجيان، يدرسان الظاهرة الأدبية من
خارجها ويفسران العمل الأدبي، أما برده إلى الشروط التاريخية أو إلى
العوامل الباطنية للمؤلف، وذلك أن السياق الفكري الذي ترعرعت فيه هذه
المناهج سادت فيه النزعة التاريخية ، حيث كانت تفسر كل الظواهر من خلال
التاريخ، فالسابق يتحكم دائما في اللاحق، وحول هذه النقطة اتفق مفكرون
كانوا يختلفون فيما بينهم في مسائل أساسية ، فقد قدم " داروين تفسيرا لتطور
الأحياء من منظور تاريخي ونقل " سبنسر " نظرية داروين من المجال
البيولوجي إلى جميع المجالات الاجتماعية والروحية والعلمية والمادية، واتخذ
نتيشه من فكرة التاريخ أساسا لفلسفة كاملة تؤمن بان للأخلاق والمعرفة
والقيم تاريخا، وبان حاضر هذه المعاني لا يفهم إلا من خلال ماضيها، وبان
الإنسان كائن تاريخي في صميمه، وطبق كارل ماركس فكرة التاريخ على العلاقات
الإنتاجية بين البشر في مراحلها المختلفة ... بل يمكن القول من وجهة نظر
معينة، أن العلوم الطبيعية ذاتها كانت تضفي على الفكرة الرئيسية فيها، وهي
فكرة السببية طابعا تاريخيا أو زمنيا ، وأصبح النقاد الفنيون والأدبيون
يفسرون عمل الكاتب من خلال تاريخ حياته ويبنون نظرتهم إلى الفنان على وقائع
نفسية أو اجتماعية أو سياسية لها كلها موقع محدد في التاريخ. أي أن
التاريخ أصبح متغلغلا في كل شيء .

بالإضافة إلى هيمنة التاريخ، كانت هذه المرحلة خاضعة لأطر الفلسفة
الوضعية التي وضع صيغتها الأولية الفيلسوف الفرنسي " اوعست كونت " الذي
أصدر بين 1830-1846 دراسته " بحث في الفلسفة الوضعية "، والى النزعة
التجريبية، حيث أكد " فرانسيس بيكون " على أهمية الملاحظة والرصد الدقيق
للوقائع.

لقد كانت غاية الفلسفة الوضعية هي نقل مناهج ومبادئ العلوم
الطبيعية إلى مواضيع الفن فكان " الفيلسوف الوضعي أكثر اهتماما بالحقائق
المدركة حسيا منه بالأفكار، وبالكيفية التي تنشأ بها هذه الأفكار منه
بأسبابها، ونبذت كل معرفة لا ترتكز على دلائل حسية باعتبارها تأملا تافها،
وكان لهذا النوع من الوضعية، في أواخر القرن 19 تأثير كبير في الفكر
الأوربي بوجه عام وفي دراسة الأدب بوجه خاص.

وبموجب هذا التصور أصبح هدف الدراسة الأدبية هو تفسير النصوص
سببيا، من خلال علاقاتها بالمحيط الخارجي، و الغاية من ذلك هي محاكاة مناهج
العلوم الطبيعية من اجل أحداث تاريخ علمي للظواهر الأدبية.

إن هذه الطريقة في الدراسة الأدبية اقتصرت على البحث في الأسباب
الوقائعية والتكوينية كحياة المؤلف والبيئة الاجتماعية والسياسية
والثقافية، حيث لم ترق إلى ملامسة الجوهري في النصوص، فالتجأت إلى فقه
اللغة وفروع التاريخ بهدف تفسير معاني الكلمات المفردة وشرح الإحالات
والتلميحات مغيبة قيمة الأدب وخصائصه النوعية، حيث عاملت النصوص باعتبارها
آثارا ووثائق تاريخية.

لقد هيمن هذا المنظور الوضعي للأدب ردحا من الزمن في أوربا، ولدى
العرب المحدثين، وتجلى ذلك من خلال الكم الهائل للمؤلفات التي تدرس المؤلف
وأعماله ، وقد أسفرت هذه الدراسات على مجموعة من القضايا تتمثل في الاهتمام
المتزايد بتوثيق النصوص وشرحها، وتحقيقها، وبأخبار الكتاب والشعراء
والاهتمام بالمؤلفين البارزين بدل المغمورين، وقد نجم ذلك عن غياب لتحديد
موضوع الأدب ومفهوم النص. فالأدب كان أرضا بلا مالك ، لذلك كان عرضة للعديد
من المناهج والاختصاصات بعيدة كل البعد عن طبيعة الموضوع المدروس، لذلك
أصبح لزاما أن يستقل الأدب بموضوعه وبمنهجه. فما هو المنهج الذي تقلد على
عاتقه تخليص الأدب من تطاول مناهج العلوم على أرضه :

إنه المنهج البنيوي ، الذي يعتبر تجليا للتحول الجذري الذي عرفته
العلوم الإنسانية في القرن العشرين، ورؤية جديدة لمراجعة التصورات السائدة
والتقاليد التي رسختها الأفكار السابقة للقرن 19.

ولكي نستجلي الأسباب المفضية لبروز هذا المنهج لا بد من معرفة
الأسس الفلسفية التي تمده والتطورات الحاصلة في الدراسة اللغوية والتحول
المنهجي الذي أحدثه حركة الشكلاسنين الروس.

أ- المهاد النظري لظهور البنوية :

حركة الشكلاسنين الروس و التثوير المنهجي :

يكاد يجمع مؤرخو الحركة الشكلانية أن البدايات الأولى للشكلانية
الروسية بدأت حينما نشر " فكتور شكلوفسكي " مقالته عن الشعر المستقبلي عام
1914 تحت عنوان " انبعاث الكلمة ". أما الانبثاق الفعلي لهذه الحركة فقد
جاء نتيجة للاجتماعات والنقاشات ومنشورات جماعتين من الطلاب، الجماعة
الأولى أطلق عليها " حلقة موسكو اللغوية "، تأسست عام 1915، وكانت
اهتماماتها بالأساس لغوية ، حيث وسعت نطاق اللسانيات لتشمل اللغة الشعرية،
ويعد رومان جاكبسون أبرز منظري هذه الحلقة.

أما الجماعة الثانية فقد أطلقت على نفسها اسم " جمعية دراسة اللغة
الشعرية " عام 1916 ببطرسبورغ، كانت تتكون من طلبة يهتمون بالأدب، وما كان
يوحدهم هو ضجرهم من إشكال الدراسة الأدبية السائدة، بالإضافة إلى اهتمامهم
بحركة الشعراء المستقبليين، ويعد فيكور شكلوفسكي وبوريس ايخنباو أهم منظري
هذه الحلقة.

لقد اعتبر الشعر المستقبلي كخلفية جمالية انطلقت منها آراء
الشكلانيين الروس في تحديدهم لمفهوم الأدب والشعر، حيث أن " المستقبليين
كانوا لا يختلفون عن الرمزيين في موفقهم العدائي من الواقعية، فشعار "
الكلمة المكتفية بنفسها " الذي تبناه المستقبليون كان يعني التركيز على
التنظيم الصوتي المستقل للكلمات، بوصفه شيئا يتميز بذاته عن قدرة الكلمات
على الإشارة إلى الأشياء.

لقد الهم هذا التصور المستقبلي مفكري حركة الشكلانين الروس
ليهتموا بالصوغ التقني للكاتب ومهارته الحرفية. مما أضفى على نظريتهم طابعا
راهنيا، وذلك لارتباطهم بمدرسة ظهرت في مطلع القرن العشرين، كحركة في
الرسم ثم انتقلت إلى الإبداع الفني والأدبي واعتبرت كتمرد ضد الفن المتحذلق
الذي تطغى فيه الكلمات الفضفاضة والسطحية والابتذال ، مركزين اهتمامهم على
الملموس من الحياة اليومية المعاصرة ، وتفجير الشكل الفني والبحث عن لغة
فنية جديدة.

كان هم الشكلانين هو إرساء دعائم الدراسة الأدبية على قاعدة
مستقلة. حيث حولت مركز الاهتمام من الشخص إلى النص. فكان السؤال الأول
بالنسبة لهم ليس " كيفية دراسة الأدب، وإنما الماهية الفعلية لموضوع بحث
الدراسة الأدبية .

فأولى خطوات المنهج الشكلي هو تحديد الموضوع، لان هذه العملية هي
التي ستتحكم في تحديد النظرية. لقد انطلقت الشكلانية من استبعاد كل
التعريفات التي تحدد الأدب باعتباره محاكاة وتعبـــــيرا أو تفكيرا بالصور.
لان هذه التعريفات تغفل خصوصية السمات الأدبية. لذا، فان التعريف المقترح
للأدب سيركز على أسس فارقية، فالأدب يتكون " ببساطة، من الفرق بينه وبين
نظم الواقع الأخرى. ويتبين في الحقيقة أن موضوع علم الأدب ليس موضوعا على
الإطلاق وإنما مجموعة من الفروق . ويصبح مفهوم التغريب هو الأداة الإجرائية
لتحديد الطابع الفارقي، بحيث يصير الأدب مضادا لكل معتاد. يزيل أقنعة
الألفة عن الأشياء فتصبح غريبة تثير فينا الإحساس بالحياة. فالأمر شبيه
بالمشي والرقص، حيث أن الأول لا نحس به، لأنه مألوف بالعادة ، أما الثاني
فيجدد إحساسنا بحركات المشي.

إن مهمه النظرية الشكلية هي تحليل الفروق المتعارضة بين اللغة
العملية - لغة التواصل اليومي - واللغة الشعرية. إذ يستحيل تعريف الشعر من
الداخل فليس هناك مواضيع شعرية أصيلة، ففي العصر الحديث تراجعت المواضيع
الشعرية للشعر الرومانتيكي (مثل ضوء القمر - البحيرات - العنادل - القلاع
... ) أمام أكثر المواضيع ابتذالا، وبالمثل فلا يمكننا رسم معالم الشعر
كمجال محدد للتحليل إلا من خلال مقارنته بما ليس شعرا.

فما هو الأساس الذي سيبنى عليه تحديد الموضوع ؟

يطرح جاكسبون السؤال الماهوي التقليدي ما الشعر ؟ فيجيب إنه "
ينبغي لنا إذا أردنا تحديد هذا المفهوم أن نعارضه بما ليس شعرا، إلا أن
تعيين ما ليس شعرا ليس اليوم، بالأمر السهل . إن هذا الإشكال المطروح من
طرف جاكسبون يستضمر تاريخيا طويلا ساهم في تشييد نظرية حول استقلالية الأدب
بموضوعه، فقد كان الأدب منذ القديم جزءا من موضع خطابات نظرية مختلفة،
كالخطابة التي تضمنت بطريقة ما بعض مظاهر الأدب الموجودة فيها، ونظرية
التأويل التي اهتمت بالنصوص المقدسة وكانت تناقش البنيات اللفظية الموجودة
في الأدب كالرمز والمجازات الشعرية والتأمل حول الأجناس الأدبية ثم أخيرا
ظهور فكرة وحدة الفن التي سيبلورها علم الجمال.

إن هذه التطورات لم تسفر عن تأسيس مفهوم للأدب إلا أنها مهدت
الطريق لظهور هذا المفهوم، فمفهوم الأدب لم يأخذ استقلالية إلا " مع حلول
النزعة الرومانسية (الألمانية)، وسيكون ذلك بداية نظرية الأدب بالمعنى
الدقيق. (وبدون تحفظ هذه المرة). لقد توقفت مفاهيم التمثيل والتقليد عن
دورها المهيمن لتعوض في قمة الهرم بالجميل، وكل ما ارتبط به من غياب
الغائبة الخارجية والانسجام المتناغم بين أجزاء الكل وعدم قابلية العمل
للترجمة، كل هذه المفاهيم اتجهت نحو استقلالية الأدب، وأفضت إلى تساؤل حول
مميزاته الخاصة.

إن حركة الشعراء المستقبلين في روسيا، وكتابات الرومانسيين
الألمان ستوجه اهتمام النظرية الأدبية نحو التركيز على جانب الانسجام
الداخلي للنصوص الأدبية، وستفسح المجال للإعلان عن ميلاد علم للأدب، منذ أن
طلق جاكبسون عام 1919 قولته التي أصبحت فيما بعد كبيان يختزل عمل
الشكلانين والشعرين والبنيويين حيث قال " ليس موضوع علم الأدب هو الأدب
وإنما الأدبية أي ما يجعل من عمل ما عملا أدبيا . فما المقصود بالأدبية ؟
يجيب تودوروف في كتابه الشعرية عن تحديد هذا المفهوم المركزي بقوله " ليس
العمل الأدبي في حد ذاته هو موضوع الشعرية، فما تستنطقه هو خصائص هذا
الخطاب النوعي الذي هو الخطاب الأدبي، وكل عمل عندئذ لا يعتبر إلا تجليا
لبنية محددة وعامة، ليس العمل إلا إنجازاتها الممكنة ولكل ذلك فان هذا
العلم لا يعنى بالأدب الحقيقي بل بالأدب الممكن، وبعبارة أخرى يعنى بتلك
الخصائص المجردة التي تصنع فرادة الحدث الأدبي، أي الأدبية .

إذن، فاستراتيجية علم الأدب أو الشعرية ستتقدم نحو المقاربة
المجردة والباطنية للأدب الممكن وليس الإنجازات الكائنة بحثا عن القوانين
المنظمة للأدب من الداخل.

سيضفي مفهوم الأدبية على النظرية الشكلانية طابع العلمية
والنسقية، والاهتمام بالخصائص الشكلية للأدب فيسهم في إيجاد أجوبة حول
القضايا التي تخص الأدب من الخارج.

2/ قضية المؤلف والفكر والواقع الخارجي من المنظور الشكلاني :

لقد طرح على الشكلانيين كيفية التعامل مع المؤلف والأفكار والواقع
باعتبارها مكونات أساسية في العملية الأدبية. فكيف أجابت عن هذه الإشكالية
؟

ستحاول الشكلانية إعادة صياغة هذه العناصر لتخضعها إلى تحول جذري
نتيجة للتصورات الجديدة حول مفهوم الأدب باعتباره تقنية، وباعتباره تطورا
في الإشكال.

لم يعد للمؤلف نفس الدور الذي كان يلعبه في النقد السيري، لان ما
يشكل موضوع الدراسة الأدبية ليس الأعمال الأدبية المفردة وإنما الأدبية،
بحيث أن العمل الأدبي يرتبط بالنسق الأدبي بصورة عامة وليس بشخصية مؤلفة،
فالشاعر في النظرية الشكلانية لم يعد ينظر إليه كصاحب رؤى أو عبقرية وإنما
نظر إليه " كعامل ماهر يرتب، أو بالأحرى يعيد ترتيب المادة التي يصادق
وجودها في متناوله، إن وظيفة المؤلف هي أن يكون على معرفة بالأدب، أما ما
يعرفه عن الحياة أو ما لا يعرفه، فأمر غير ذي أهمية لوظيفته تلك ، إن هذا
التصور يذكرنا بالمنجز النقدي العربي القديم خصوصا عند نقادنا الذين قالوا
بأن الشعر صناعة وأن الشاعر يقوم بوظيفة السبك والصوغ ولا اعتبار بالمادة
التي يصوغ فيها.

فتطور الأدب لا يتوقف على ظروف المؤلف أو تكوينه النفسي، وإنما
على الإشكال الأدبية السابقة، بتجديد الأدوات عن طريق التغريب.

أما قضية الواقع التي اعتبرت حجر الزاوية في نظرية المحاكاة، فان
الشكلانيين تعاملوا معها تعاملا مختلفا، وذلك انطلاقا من مفهومهم لعملية
الإنتاج الأدبي الذي ينبني على قاعدة أساسية وهي أن الأدب ينشأ من الأدب،
حيث يتوارى الواقع ويصبح غير ذي جدوى، فالتغيير الأدبي " لا يقرره تبدل
الواقع وإنما الحاجة لإنعاش الإشكال الأدبية. ويمثل الإدراك المتجدد
للأدوات الشكلية جانبا جوهريا من جوانب الأدبية، أما مقياس مشابهة الواقع
فهو في نظر المشروع الشكلاني مقياس يجانب الموضوع، ويقوم الشكلانيون الشكل
الأدبي من خلال امتلاكه قابلية الإدراك الحسي وليس من خلال قدرته على
المحاكاة .

إن الأديب لا يحاكي الواقع وإنما يغربه وينزع عنه طابع الألفة.
ففهم النصوص لا يعود إلى ربطها بمرجعها الواقعي، وإنما بربطها بنصوص أخرى،
فقد أبرز " تينيانوف " في دراسة حول ( نظرية المحاكاة الساخرة ) "
استحالة الفهم العميق لنص من نصوص دوستوفسكي دون العودة إلى هذا النص أو
ذاك من نصوص غوغول ، فالواقع يلعب دورا ثانويا في بناء الأدب ، مثله مثل
باقي المعطيات التي يبدأ بها الكاتب. فالشكلانيون ينظرون إلى أفكار القصيدة
وموضوعاتها وإشاراتها على أنها مجرد ذريعة خارجية يلجأ إليها الكاتب
لتبرير استخدامه الوسائل الشكلية ، وهم يطلقون على هذا الاعتماد على
العناصر الخارجية غير الأدبية اسم " التحفيز " "motivation" .

أما بالنسبة للأفكار ، فإن الشكلانية لم تعرها اهتماما لأنها
تندرج ضمن مواد البناء. فقد أعطت الشكلانية الأولوية للشكل على حساب
المضمون ، حيث أعيد النظر في هذه الثنائية القديمة التي كانت تعتبر الشكل
وعاء للمضمون ، وبذلك " يصبح المضمون متوقفا على الشكل دون أن يكون له وجود
مستقل ضمن الأدب ، فليس بوسع التحليل الأدبي استقراء المضمون من الشكل إذ
أن الشكل لا يتقرر بفعل المضمون وإنما بفعل الأشكال الأخرى . فالفن لا
يعبر عن نفسه في العناصر المشكلة للعمل الأدبي وإنما من الاستعمال المتميز
لتلك العناصر ، وبذلك اكتسى مفهوم الشكل معنى جديدا " إنه لم يعد غشاء ولا
غطاء " ، وإنما وحدة دينامية وملموسة ، لها معنى في ذاتها خارج كل عنصر
إضافي ، وها هنا يبرز الفرق بين المذهب الشكلاني والمبادئ الرمزية التي ترى
أنه يجب أن يستشف ، عبر الشكل شيء من المضمون، كذلك تم تذليل عقبة النزعة
الجمالية ، وهي الإعجاب ببعض عناصر الشكل بعد عزلها عن المضمون ".

سيبلور هذا التحول الجذري من مواطن الاهتمام لدى الشكلانيين
مجموعة من المفاهيم والأدوات الإجرائية لدراسة الأدب دراسة عملية، فبعد أن
حددت الشكلانية موضوعها و - هو الأدبية- ستبحث عن منهج يتلاءم مع الموضوع ،
ومادامت مواد البناء من الأدب تستقي من اللغة. فإن الاهتمام سينصب على
الجانب التقني فيها، لذلك نجد أن الشكلانيين الروس قد استهلوا أعمالهم
بدراسة الأصوات لأن هذه المسألة كانت في عصرهم من أعقد المسائل المتعلقة
بدراسة البناء الصوتي للشعر. وقد ظهر هذا الاهتمام بالأصوات من دراسة (
تروبيتزكوى ) ومن النظرية التي قدمها جاكسون حول الفونيم phoneme
فالمحاضرات التي ألقاها حول " الصوت والمعنى " اعتبرت مدخلا نقديا للأفكار
الشائعة حول الصوات وأثرها من المعاني ، حيث أن هذه المحاضرة شكلت أساسا
لعلم اللغة البنيوي.

الموضوع الأصلي : حياة المتنبي كاملة // المصدر : /منتديات رأس الوادي نت/ الكاتب: Admin



توقيع العضو: Admin

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معلومات العضو




معلومات إضافية
إحترام قوانين المنتدى إحترام قوانين المنتدى:
المهنة:
ذكر
السٌّمعَة: 57
عدد النقاط: 13620
معلومات الاتصال
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
مُساهمةموضوع: رد: حياة المتنبي كاملة السبت 17 سبتمبر 2011 - 15:37

حياة المتنبي كاملة
- الدراسات الصوتية :

يعد رومان جاكسبون أول من تحدث عن الفونيم، أي الوحدة الصغرى في
اللغة ، وهو تلك الوحدة غير القابلة للانقسام ، أو التحليل ، بل هو الوحدة
غير القابلة لأن تعوض بوحدة أخرى ، لأن بناء كل فونيم مختلف ضرورة عن بناء
فونيم آخر ، ولم يتوقف جاكبسون عند مستوى الوصف الدقيق للأصوات بل تجاوز
ذلك إلى الربط بين الصوت والمعنى ، إذ أن كل مشابهة ظاهرة في الصوت ، خصوصا
في الشعر ، تقوم بمنطق المشابهة أو المغايرة في المعنى . " فرمزية الصوات
عبارة عن علاقة موضوعية لا تنكر ، وهي علاقة قائمة على ربط ظاهراتي بين
مختلف الوسائل الحسية التي أجريت في هذا المجال ، غامضة وأحيانا قابلة
للنقاش. فإن ذلك يعود إلى نقص في العناية من مناهج البحث النفسي و/أو
اللساني " .

فالشعر عند ياكبسون منطقة تتحول فيها العلاقة بين الصوت والمعنى
من علاقة خفية إلى علاقة جلية. فالتراكم المتواتر لمجموعة من الفونيمات أو
التجميع المتباين لطائفتين متعارضتين في النسيج الصوتي لبيت شعري أو مقطع
أو قصيدة يلعب دور تيار خفي.

2- مفهوم التوازي :

يعد مفهوم " التوازي " إحدى الركائز الجوهرية في تحليل الشعر عند
الشكلانيين خاصة عند جاكبسون ، الذي استهواه هذا المفهوم منذ أن كان طالبا
، أي في الفترة التي كانت فيها حلقة موسكو تتخذ من الشعر الفلكلوري الروسي
كموضوع أول للدراسة .

لقد لفتت دراساته حول التراث الشفوي الروسي انتباهه إلى التنظيم الداخلي وإلى التوازي الذي يربط الأبيات المتجاورة.

يذكر جاكبسون في حوار له ، أن الشاعر " جيرار مانلي هوبكنس "
(1844-1889) هو أول من انتبه إلى هذا المفهوم حيث يقول " إن الجانب الزخرفي
في الشعر ، بل وقد لا نخطئ حين نقول بأن كل زخرف يتلخص من مبدإ التوازي.
إن بنية الشعر هي بنية التوازي المستمر الذي يمتد مما يسمى التوازي التقني
للشعر العبري والترنيمات التجاوبية للموسيقى المقدسة إلى تعقيد الشعر
اليوناني والإيطالي والإنجليزي " فالوزن هو الذي يفرض التوازي في الشعر ، "
فالبنية التطريزية للبيت ، والوحدة النغمية وتكرار البيت والأجزاء
العروضية التي تكونه تقتضي من عناصر الدلالة النحوية والمعجمية توزيعا
متوازيا ، ويحظى الصوت هنا بالأسبقية على الدلالة حتما ".

يقدم مفهوم التوازي في الشعر سندا للتحليل اللساني لبلورة أدوات
صارمة يمكنها أن تستجلي مختلف تجليات هذا التوازي في مختلف الأشكال الشعرية
، يقول جاكبسون " إننا نستطيع أن نفسر اعتمادا على الإمكانات الخصبة
للتأليف الشعري الوثيق للاتحادات والتعارضات ، والانتشار الواسع والدور
الذي يمكن أن يكون بالغ الأهمية لانساق التوازيات في الشعر العالمي الشفوي
والمكتوب (يكفي أن نذكر بالهيمنة القديمة للتوازيات في الشعر الصيني).
يكتشف الباحثون باستمرار في العالم كله انساقا أخرى من الإبداع الشفوي
القائمة على التوازي المعقد ، والأكثر من هذا إننا نكتشف بفضل أبحاث
الأنتربولوجيين الذين استوعبوا مبادئ المنهجية اللسانية، وجود علاقة حميمة
فيما يتصل بالتوازي بين الشعر والمتيولوجيا ".

يمكن التمييز بين التوازي المعقد الذي يتجلى في نسق التناسبات
المستمرة في مستوى تنظيم وترتيب البنى التركيبية والمقولات النحوية وتأليف
الأصوات. حيث أن هذا النسق يضفي على النصوص الانسجام والتنوع. وبين التوازي
الخفي الذي أبرزه دوسوسير في حديثه على الجناس الــتـصحـيـفي Anagrames
حيث يخضع التوازي للتوزيع لا لمبدإ التعاقب يقول سوسير " إنه لمن المسلم به
مسبقــا أنه يمكن استئناف زوج ما في البيت الموالي أو في حيز عديد من
الأبيات " بمعنى أن الدلالة المحورية للقصيدة قد تكون مستضمرة في توزيع
الصوات داخل فضاء القصيدة ، وأن المحلل يعيد تركيب هذه الأصوات للظفر
بالنواة المركزية للنص.

3-وظائف اللغة والوظيفة المهيمنة :

لقد عملت مدرسة براغ على صوغ النظرية الأدبية الشكلانية ضمن إطار
لسانيات تتفق مع دورسوسير في معظم مبادئه الساسية. وبذلك نحتت مصطلح
البنية ، وتكون بذلك هي المدرسة السباقة لوضع هذا المفهوم، فبالرغم من أن
دوسوسير يعتبر رائدا اللسانيات فإنه لم يستعمل هذا المصطلح بل كان يستعمل
مفهوم النظام والنسق système . ففي المؤتمر الذي انعقد عام 1929 ببراغ ،
قدم مصطلح بنية كمصطلح حاسم في برنامج البحث حول اللغة والأدب. وأصبح موضوع
اللسانيات هو دراسة القوانين البنيوية للمنظومات اللغوية. أي دراسة
العلاقات المتبادلة بين العناصر الفردية. ومن تم صرح فانتيك بوجوب " النظر
إلى العمل الشعري أيضا على أنه بنية وظيفية ، لا يمكن فهم عناصرها
المختلفة إلا من خلال ارتباطها بالمجموع.

لقد حل مفهوم البنية محل النظام عند دوسوسير ، والشكل والأداة
عند الشكلانيين. حيث تتضمن البنية كل أوجه النص. إلا أن هذا المفهوم لدى
مدرسة براغ لا يميز بين النصوص الأدبية وأفـعال الاتصال العادية، لأنها هي
الأخرى تشتمل على بنيتها الخاصة، لهذا ستقـــترح المدرســــة مصــــطلح "
الوظيفة " للتميز بين هذه الأنواع من الخطابات. وفي هذا السياق نادى
جاكبسون في محاضرته " اللسانيات والشعرية " بأن اللغة يجب أن تدرس في كل
تنوع وظائفها. ولكي تتضح طبيعة هذه الوظائف لا بد من تقديم صورة مختصرة عن
العوامل المكونة لكل سيرورة لسانية ولكل فعل تواصلي لفظي.

إن المرسل يوجه رسالة إلى المرسل إليه ، ولكي تكون الرسالة فاعلة
فإنها تقتضي سياقا تحيل عليه وهو المرجع ، سياقا قابلا لأن يدركه
المرسل إليه. وهو إما أن يكون لفظيا أو قابلا لأن يكون كذلك وتقتضي الرسالة
بعد ذلك سننا مشتركا ، كليا أو جزئيا بين المرسل والمرسل إليه، وتقتضي
الرسالة أخيرا اتصالا أي قناة فيزيقية وربطا نفسيا يسمح لهما بإقامة
التواصل والحفاظ عليه.

إن هذه العوامل الستة تتولد عنها وظائف لسانية مختلفة ، وكل
رسالة تتضمن هذه الوظائف بشكل من الأشكال ، ويكمن اختلاف الرسائل من
تراتبية هذه الوظائف حيث تتعلق البنية اللفظية لرسالة ما، بالوظيفة
المهيمنة.

أ- العوامل ووظائفها :

1- تهدف الوظيفة التعبيرية أو الانفعالية المركزة على المرسل إلى التعبير
بصفة مباشرة عن موقف المتكلم اتجاه ما يتحدث عنه ، وهي تنزع إلى تقديم
انطباع عن انفعال معين صادق أو خادع.

2- أما التركيز في الرسالة على المرسل إليه فيولد وظيفة إفهامية تجد تعبيرها النحوي في النداء والأمر.

3- وإذا استهدفت الرسالة المرجع واتجهت نحو السياق فإن الوظيفة ستكون
مرجعية ، ويناسب هذه الوضعية استخدام ضمير الغائب أي الحديث عن شخص ما أو
شيء ما.

4- هناك بعض الرسائل توظف لإقامة التواصل وتمديده أو فصمه ، وللتأكد مما
إذا كانت دورة الكلام تستعمل الكلمة التالية ( آلو ! أتسمعني ؟ أفهمت ؟ )
وتوظف لإثارة انتباه المخاطب أو التأكد من انتباهه وتدعى هذه الوظيفة
بالانتباهية.

5- أجرى المناطقة المعاصرون تمييزا بين مستويين للغة : " اللغة - الموضوع "
أي اللغة المتحدثة عن الأشياء ، " واللغة الواصفة " أي اللغة المتحدثة عن
اللغة نفسها وهي اللغة الشارحة. إلا أن هذه اللغة ليست فقط أداة عملية
ضرورية لخدمة المناطقة واللسانيين بل هي تلعب دورا هاما في اللغة اليومية،
فحينما يتحدث شخصان ويريدان التأكد من الاستعمال الجيد لنفس السنن فإن
الخطاب يكون مركزا على السنن ، وبذلك يشغل وظيفة ميتا-لسانية أي وظيفة
الشرح.

6- إن استهداف الرسالة بوصفها رسالة والتركيز عليها هو ما يطبع الوظيفة
الشعرية للغة وإن هذه الوظيفة لا يمكن اختزالها فقط في دراسة الشعر بل
هي حاضرة في جميع الأجناس الأدبية التي تصبح فيها الرسالة هي الموضوع .

ب- خطاطة العوامل و الوظائف :

سياق

( مرجعية )

مرسل .................. رسالة ..................... مرسل إليه

(انفعالية) (شعرية) (إفهامية)

اتصال

(انتباهية)

سنـــن

(ميتالسانية)

تعكس هذه الخطاطة أثر الرياضيات والفلسفة وعلم النفس على النظرية
التواصلية عند جاكبسون فمع تقدم الأبحاث الرياضية والهندسية سيتوصل
المهندسون إلى وضع نظرية للتواصل في مجال الاتصال الهاتفي، حيث تركز
اهتمامهم على السياق المادي لإيصال المعلومات. ولم ينحصر أثر الرياضيات عند
جاكبسون في ربط العلامات اللغوية باستعمالها الرمزي بل تعدى الأمر ذلك إلى
التوسع في دراسة مفهوم البنية. فقد احتل هذا المفهوم في الرياضيات الصدارة
منذ عام 1870 إثر التطور الذي حصل في حساب التحولات." فقد بلغ التفكير
الرياضي حول مفهوم البنية أوجه في الثلاثينيات عندما وضع " بورباكي
"ومجموعته نظرية " البنيات الأم " structures-mكre ، وهي بنيات يكفي أن
نميز فيما بينها وأن نخلط بين عناصرها لنحصل على كامل البنيات المتخصصة في
مختلف فروع الرياضيات.

إن أهم ما استخلصه جاكبسون من الرياضيات البنيوية هو أهمية مفهوم
الثبات ، حيث أن التحولات التي حددت داخل مجموعة عناصر تتضمن خصائص قابلة
للتغير وأخرى ثابتة ، وقد قدمت الرياضيات أمثلة على هذه العملية بين
الجوهري والعرضي من علم الفلك حيث أن خصائص بنية الفضاء تبقى ثابتة رغم
تحركات المجرات القضائية وانعكاساتها.

أما أثر الفلسفة على جاكبسون فيتجلى في إبقائه على عنصر الذات في
العملية التواصلية ، وقد جاء ذلك نتيجة تأثره بالفلسفة الظاهراتية " فعديد
من تلاميذ هوسرل نشطوا بشكل كبير داخل الحلقة اللسانية في براغ ؛ وذلك
بدعوة من جاكبسون ويظهر تأثير هوسرل بشكل بارز في أعمال جاكبسون خاصة في
ثلاثة مجالات : في تحديد العلاقة بين اللسانيات وعلم النفس ، وفي برنامج "
النحو الكلي " ، وفي الدفاع عن أن علم الدلالة semantique يعتبر جزءا مدمجا
في اللسانيات.

إن أثر الفلسفة الظاهراتية في أعمال جاكبسون جعله يخالف مقولة
البنيويين في تغييب الذات ، من خلال الخطاطة يظهر لنا جليا حضور الفاعل
الذات الذي يتخذ أشكالا عديدة : المرسل والمتلقي والمبدع اللاواعي للرسالة.


فردناند دو سوسير كمقدمة لظهور المنهج البنيوي :

1- النسق مجال الدراسة اللغوية :

سيقلب مجيء دوسوسير ميدان البحث اللغوي رأسا على عقب ، فقد أعاد
التأمل في الظاهرة اللغوية ، محاولا تجاوز أطروحات فقهاء اللغة ، وذلك من
خلال إجابته النوعية حول الأسئلة القديمة المتداولة في حقل الدراسات
اللغوية. لقد واجه سوسير سؤالين أساسيين هما : ما موضوع البحث اللغوي؟ وما
هي العلاقة بين الكلمات والأشياء ؟ لتفادي الإجابات القديمة سيحدث دوسوسير
نسقا ثنائيا من خلاله سيميز بين مستويات في دراسة اللغة ، بين " اللغة " و "
الكلام " أي بين " نسق اللغة الذي هو سابق في وجوده عن استخدام الكلمات ،
والممارسة الفعلية التي هي تلفظ فردي. أما اللغة فهي الجانب الاجتماعي أو
النسق المشترك الذي نعول عليه لا شعوريا بوصفنا متكلمين ، والكلام هو
التحقق الفردي لهذا النسق في الحالات الفعلية في اللغة. فهذا التمييز هو
المهاد الذي تنطلق منه كل النظريات البنيوية اللاحقة ، بمعنى أنه إذا كان
الموضوع الحق للدراسة اللغوية هو النسق الكامن وراء أية ممارسة لسانية دالة
وليس التلفظ الفردي ، فإن الموضوع ألحق للدراسة في العلوم الإنسانية هو
اكتشاف النسق الكامن من القواعد المستخدمة في القصائد أو الأساطير أو
الممارسات الاقتصادية.

إن الهدف من وراء تحديد موضوع علم اللغة في دراسة النسق التجريدي
الذي يستمد منه الكلام اختياراته الفعلية ، هو تخليص هذا العلم من خليط
الموضوعات التي تدخل من اهتمامات علم النفس أو علم الاجتماع أو المنطق
والفلسفة.

إضافة إلى إبراز أن الإنسان يمتاز عن باقي الكائنات في امتلاكه لنسق من القواعد يمكنه من إنتاج عدد لا نهائي من الجمل.

2- الفصل بين الكلمات والأشياء :

لقد كانت الدراسات اللغوية قبل سوسير ترى في اللغة أداة لتسمية
الأشياء ووسيلة تعبيرية فردية ، وقد كان هذا المنظور يغيب دراسة العلامة في
حد ذاتها ، لهذا سيميز سوسور بين وجهي العلامة : الدال signifier ، وهو
الصورة السمعية للكلمة، والمدلول signifiant وهو المفهوم الذي نتصوره أو
نعقله من الكلمة، فلا مكان للشيء في النموذج السوسيري لأن اللغة لا تكسب
معناها نتيجة الصلة بين الكلمات والأشياء بل نتيجة إجراء نسق من العلاقات.
لذا فالعلاقة بين الاسم والمسمى علاقة اعتباطية ، أي لا تلازم تعليلي
motivé بين الاسم وما يشير إليه ، إذ لو كان الأمر كذلك لما تعددت اللغات،
ومن هذا المنطلق تغدو العلامات اصطلاحية وليست توفيقية اجتماعية وليست
فردية.

في هذا الإطار وضع الفيلسوف الأمريكي بيرس تمييزا مفيدا بين
ثلاثة أنماط من العلامة وهي : "النمط التصويري ( الأيقوني ) حيث تتشبه
العلامة مرجعها مثل صورة السفينة أو إشارة مرور عن صخور متساقطة ، والمؤشر
index حيث تترابط العلامة مع مرجعها برباط يمكن أن يكون رباط بسببية،
كالدخان من حيث هو علامة على النار، والرمزي symbolique تكون فيه العلاقة
بين العلامة ومرجعها اعتباطية كما يحدث في اللغة. "

إن خصيصة اللغة عند سوسور هي الاختلاف ، فما يميز العلامة هو
الاختلاف الذي يحصل لها داخل نسق التعارضات والتقابلات ، ففي نظام إشارات
المرور مثلا ليست هناك علاقة طبيعية بين اللون الأحمر والتوقف ، إضافة إلى
أن كل لون لا تتحدد دلالته إلا من خلال علاقة اختلافية مع اللون الآخر.

إن النسق الثنائي الذي تأسست عليه لسانيات سوسير ، سيلقى صدى
كبيرا في ميادين أخرى غير لسانية ، وسيعتبر نموذجا يحتذى به ، تجلى ذلك في
الدراسات الأنتروبولوجية البنيوية خاصة عند كلود ليقي ستراوش الذي نقل
نموذج اللسانيات السوسورية إلى حقل الأنتروبوجية ، فهو يصرح في كتابه "
الأنتربولوجية البنيوية بأنه " توصل إلى ثلاثة نتائج في دراسته لبنية
الأسطورة :

1- إذا كانت الأسطورة تنطوي على معنى ، فلا يمكن أن يتعلق هذا المعنى بعناصر معزولة تدخل في تكوينها بل بطريقة تنسيق هذه العناصر.

2- إن الأسطورة تتعلق بنظام اللسان وتشكل جزءا لا يتجزأ منه ، إلا أن اللسان في الأسطورة يظهر بعض الخصائص النوعية.

3- لا يمكن البحث في هذه الخصائص إلا على مستوى العبارة اللغوية المعتاد
بعبارة أخرى إن هذه الخصائص ذات طبيعة أعقد من تلك التي تصادف في عبارة
لغوية من طراز معين .

وقد كان يهدف هذا النقل للنموذج اللساني إلى طرح أسئلة جديدة في
ميدان دراسة نظام القرابة والأساطير والشعائر ، إذ لم يعد السؤال الأساس هو
البحث عن علل التحريم أو أصول الأساطير بل البحث عن نسق الاختلافات الذي
يكمن وراء الممارسة الإنسانية المحددة.

وقد تعممت مثل هذه المقاربات في ميادين شتى من الممارسات
الحياتية كنظام الموضة والأزياء والطهو والقصص والسينما والأساطير ، كما
قام بذلك المفكر الفرنسي رولان خاصة في عملية " أساطير " 1957 - و " نظام
الموضة " - 1967.

الموضوع الأصلي : حياة المتنبي كاملة // المصدر : /منتديات رأس الوادي نت/ الكاتب: Admin



توقيع العضو: Admin

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معلومات العضو




معلومات إضافية
إحترام قوانين المنتدى إحترام قوانين المنتدى:
المهنة:
ذكر
السٌّمعَة: 57
عدد النقاط: 13620
معلومات الاتصال
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
مُساهمةموضوع: رد: حياة المتنبي كاملة السبت 17 سبتمبر 2011 - 15:38

حياة المتنبي كاملة
المنهج البنيوي: جذوره، ومفاهيمه

1- تحديد مصطلح البنية structure :

قبل الشروع في الحديث عن المنهج البنيوي كتيار فكري ظهر ليتجاوز
النزعة التاريخية والفلسفات التي تعتمد الذات كخلفية مثل الوجودية أو
الظاهراتية ، لا بد من تحديد مصطلح البنية لغة واصطلاحا.

أ- الدلالة الاشتقاقية لكلمة بنية :

تشتق كلمة بنية من الفعل الثلاثي " بنى " الذي يدل على معنى
التشييد والعمارة والكيفية التي يكون عليها البناء. وفي النحو العربي تتأسس
ثنائية المعنى والمبنى على الطريقة التي تبنى بها وحدات اللغة العربية ،
والتحولات التي تحدث فيها، ولذلك فالزيادة في المبنى زيادة في المعنى ، فكل
تحول في البنية يؤدي إلى تحول في الدلالة.

وفي اللغة الفرنسية تشتق كلمة structure من الفعل اللاتيني
struere ويعني بنى وشيد أيضا والبنية موضوع منتظم ، له صورته الخاصة
ووحدته الذاتية، لأن كلمة بنية في أصلها تحمل معنى المجموع والكل المؤلف من
ظواهر متماسكة ، يتوقف كل منها على ما عداه ، ويتحدد من خلال علاقة بما
عداه

ب- الدلالة الاصطلاحية :

سبق لنا الذكر بأن مصطلح البنية قد تبلور لدى لسانيي حلقة براغ
حيث تم " تأكيد مبدأ البنية " كموضوع للبحث قبل سنة 1930على يد مجموعة
صغيرة من اللسانيين الذين تطوعوا للوقوف ضد التصور التاريخي الصرف للسان،
وضد لسانيات كانت تفكك اللسان إلى عناصر معزولة ، وتنشغل بتتبع التغيرات
الطارئة. لقد أطلقنا على سوسور ، وبحق رائد البنيوية المعاصرة وهو كذلك
بالتأكيد إلى حد ما ، ويجمل بنا أن نشير إلى أن سوسور لم يستعمل أبدا ،
وبأي معنى من المعاني كلمة " بنية " إذ المفهوم الجوهري في نظره هو مفهوم
النسق.

لقد عرف تحديد مصطلح البنية مجموعة من الاختلافات ناجمة عن
تمظهرها وتجليها في أشكال متنوعة لا تسمح بتقديم قاسم مشترك ، لذا فإن
بياجيه ارتأى في كتابه " البنيوية " أن إعطاء تعريف موحد للبنية رهين
بالتمييز " بين الفكرة المثالية الإيجابية التي تغطي مفهوم البنية في
الصراعات أو في آفاق مختلف أنواع البنيات ، والنوايا النقدية التي رافقت
نشوء وتطور كل واحدة منها مقابل التيارات القائمة في مختلف التعاليم " إذ
ينفي الاعتراف " بوجود مثال مشترك من الوضوح يصل إليه أو يحاول إيجاده
جميع البنيويين . فيما تختلف نواياهم النقدية إلى ما لا نهاية فيرى البعض
أن البنيوية كما في الرياضيات

تتعارض مع تجزئة الفصول غير المتجانسة محاولين إيجاد الوحدة
بواسطة التشاكلات. أما اللغويين فيرون أن البنيوية تجاوزت الأبحاث التطورية
التي تتناول ظواهر منعزلة لذلك أخذوا بطريقة المجموعات للنظام اللغوي
المتزامن . أما في علم النفس فقد زادت البنيوية من معاركها ضد ميول النزعة
الذرية atomistique التي كانت تسعى لجعل المجموعات مقتصرة على روابط بين
عناصر مسبقة.

إن جان بياجيه يسعى من وراء هذه الإشارات إلى التمييز بين تجليات
التطبيق البنيوي في ميادين معرفية مختلفة وبين المثل الأعلى الذي تنشده
البنيوية ، فهو يميز في تعريفه للبنية بين ما تنتقده البنيوية وما تهدف
إليه. ولذا فهو لا يعرف البنيوية بالسلب أي بما تنتقده البنيوية لأنه
يختلف من فرع إلى فرع في العلوم الحقة والإنسانية. إنه يركز بالأساس في
تعريفه البنية على الهدف الأمثل الذي يوحد مختلف فروع المعرفة في تحديد
البنية باعتبارها سعيا وراء تحقيق معقولية كامنة عن طريق تكوين بناءات
مكتفية بنفسها، لا نحتاج من أجل بلوغها إلى العناصر الخارجية.

وبذلك يقدم جان بياجيه تعريفا شاملا للبنية باعتبارها نسقا من
التحولات : " يحتوي على قوانينه الخاصة ، علما بأن من شأن هذا النسق أن يظل
قائما ويزداد ثراء بفضل الدور الذي تقوم به هذه التحويلات نفسها ، دون أن
يكون من شأن هذه التحولات أن تخرج عن حدود ذلك النسق أو أن تستعين بعناصر
خارجية ، وبإيجاز فالبنية تتألف من ثلاث خصائص هـــــــــي : الكـــــــلية
totalité و التحولات transformations وبالضبط الذاتي auto-reglage . "

يتضمن هذا التعريف جملة من السمات المميزة ، فالبنية أولا نسق من
التحولات الداخلية ، ثانيا لا يحتاج هذا النسق لأي عنصر خارجي فهو يتطور
ويتوسع من الداخل ، مما يضمن للبنية استقلالا ويسمح للباحث بتعقل هذه
البنية.

إن خاصية الكلية تبرز أن البنية لا تتألف من عناصر خارجية
تراكمية مستقلة عن الكل بل هي تتكون من عناصر خارجية خاضعة للقوانين
المتميزة للنسق وليس المهم في النسق العنصر أو الكل بل العلاقات القائمة
بين العناصر.

بينما خاصية التحولات فإنها توضح القانون الداخلي للتغيرات داخل
البنية التي لا يمكن أن تظل في حالة ثبات لأنها دائمة التحول.

أما خاصية التنظيم الذاتي فإنها تمكن البنية من تنظيم نفسها
بنفسها كي تحافظ على وحدتها واستمراريتها. وذلك بخضوعها لقوانين الكل.

أماالانتروبولوجي الفرنسي كلود ليفي ستراوش فإنه يحدد البنية
بأنها نسق يتألف من عناصر يكون من شان أي تحول يعرض للواحد منها أن يحدث
تحولا في باقي العناصر الأخرى " ومن خلال هذا التعريف يتجلى أن وراء
الظواهر المختلفة يكمن شيء مشترك يجمع بينها ، وهو تلك العلاقات الثابتة
التجريبية ، لذلك ينبغي تبسيط هذه الظواهر من خلال إدراك العلاقات لأن هذا
الأخير أبسط من الأشياء نفسها في تعقدها وتشتتها. ومعنى هذا " أن المهمة
الأساسية التي تقع على عاتق الباحث في العلوم الإنسانية إنما هو التصدي
لأكثر الظواهر البشرية تعقدا وتعسفا واضطرابا من أجل محاولة الكـــشف عن "
نظام " يكمن فيما وراء تلك الفوضى وبالتالي من أجل الوصول إلى " البنية "
التي تتحكم في صميم " العلاقات" الباطنية للأشياء ، ولكن المهم في نظر
ليفي ستراوش هو أننا لا ندرك البنية إدراكا تجريبيا على مستوى العلاقات
الظاهرية السطحية المباشرة القائمة بين الأشياء ، بل نحن ننشئها إنشاء بفضل
" النماذج التي نعمد عن طريقها إلى تبسيط الواقع وإحداث التغيرات التي
تسمع لنا بإدراك البيئة ".

إن أهم ما نستشفه من هذا التصور هو النقد الشديد للنزعة
التجريبية التي تقوم على أهمية الملاحظة والرصد الدقيق للوقائع ، واستبدال
ذلك بالتفسير العقلي للظواهر التجريبية. فالبنيويون يؤمنون بأسبقية العقل
عن الواقع الخارجي ، فكلود ليفي ستراوش في أبحاثه البنيوية لا يهدف إلى
الوصول إلى " عادات متشابهة وسط عدد هائل من الملاحظات الأنتروبولوجية التي
يتم إجراؤها في ثقافات متباينة ، بل يؤكد أن ما هو مشترك بين الثقافات لا
يهتدى إليه بوضوح على مستوى الملاحظة ، وإنما على مستوى البناء العقلي،
فالبناء هو الذي يشكل العنصر الكلي الشامل في الثقافة البشرية وهذا البناء
الخفي لا يوجد على السطح الخارجي ، وإنما يكتشف عقليا .

من خلال تعريف بياجيه وليفي ستراوش يتضح بجلاء أن الاتجاه
البنيوي اعتمد خلفية عملية وفلسفية هي التي أكسبته نسقية منهجية وشمولية
ميدانية. فما هي هذه الخلفيات الأيبستيمولوجية لظهور المنهج البنيوي خاصة
في فرنسا.

خلفيات ومسوغات المنهج البنيوي :

إن المنهج بصفة عامة هو حصيلة لمجموعة من التحولات والتغيرات تقع
في الأنساق المعرفية ، وتكون نتاجا لسيرورة جدلية وحوارية مع المفاهيم
السابقة المعرفية ، ولا بد والأمر كذلك أن يستند المنهج إلى منظومة فكرية
وبعد فلسفي وعلمي. وللإجابة عن السؤال الذي طرحناه أعلاه لا بد من استحضار
المناخ الثقافي والعلمي التطورات الحاصلة في بداية القرن العشرين الذي
تبلور فيه المنهج ورست معالمه وخطته.

في البداية يجدر بنا أن نفصل في الحديث عن المنهج بين مستويين :

الأول يتعلق بالبعد المعرفي والثاني بالجانب الأيديولوجي ، فلا
ينبغي أن نخلط بين هذين المستويين حتى نتمكن من تقويم المنهج من خلال
كفايته الوصفية والتفسيرية.

1- النزوع اللامادي وتبعثر المعرفة :

إن السياق التاريخي والمعرفي الذي تبلورت فيه المفاهيم اللغوية
عند سوسير باعتباره الممهد الرئيسي لظهور البنيوية - عرف أزمة عامة في
العلوم بشكل عام ، ففي الفيزياء بدأ الشك يثار حول مفهوم الذرة بوصفها
مادة. وقد انتقل هذا النزوع اللامادي إلى مفهوم النسق عند سوسير الذي أصبح
فيه الشكل هو المضمون وأضحت العلاقة بين الدال والمدلول تدرس في بنيتها
الداخلية ، واستبعد المرجع الخارجي المادي. لأن الحقل الإبستيمولوجي تغير
من مقولة الكينونة والوجود إلى مقولة العلاقة.

إن إلغاء الواقع المادي يستجيب لتصور يعتبر أن معيار الصدق في
المعرفة هو البنية الداخلية ، وقد كان النموذج الرياضي هو المثال الذي
احتذته البنيوية حيث أن الرياضيات لا تحتاج إلى تحقيق خارجي للتدليل على
صحة قضاياها.

إن طبيعة الفكر العلمي والفلسفي تحيل إلى البحث عن نموذج شامل
يعمم على مختلف أنواع المعرفة من أجل توحيدها ، وقد بدا هذا الطموح جليا في
المراحل التي قطعها التفكير الإنساني ، بحيث أن كل مرحلة يهيمن فيها نموذج
خاص ، " فالمثالية اختارت نموذج " المطلق " والنزعة الرومانسية اختارت
نموذج " العضوي " ، في حين أن القرن 18 اختار كلمة " الميكانيك " و في
النصف الثاني من القرن 19 وبداية القرن العشرين بدأ النموذج اللغوي يتسرب
لجميع فروع المعرفة. " 2.

إن نهاية القرن 19 وبداية القرن العشرين مرحلة كانت في حاجة ماسة
لظهور حركة فكرية تلم شعت المعرفة المبعثرة في ثقافات منعزلة لأن السمة
التي ميزت هذه المرحلة هو التبعثر المعرفي الموغل في التخصص " ففلاسفة
اللغة يؤكدون أنه ليس بالإمكان خلق تطابق بين لغتنا والعالم الذي وراءها.

نظرية التــلقي : أسسها ، سياقها ، مفاهيمها

إن الحديث عن نظرية التلقي كقصدية و كوعي منهجي ، يقتضي تناول
محدودية الممارسات النقدية والإجراءات المنهجية السابقة، فتاريخ المنهج
خاصة في أوربا عرف مسارا تطوريا، بحيث أن المنهج اللاحق يتجاوز السابق
محدثا شبه قطيعة مع أسسه النظرية وأدواته الإجرائية.

فقد رأينا في الفصول السابقة أن منهج تاريخ الأدب منذ مدام
دوستايل في كتابها " النظر للأدب في علاقاته بالمؤسسات الاجتماعية "
المنشور عام 1800، ومرورا بسانت بوف وهيبوليت تين ، ووصولا إلى غوستاف
لانسون ، كان يعتمد خلفية له الفلسفة الوضعية التي تهتم بدراسة الأسباب
والعلل التي تنتج الظواهر ، ومن تم راح المنهج التاريخي للأدب يدرس ويحلل
علاقات الأدب بالمكونات الاجتماعية والأخلاقية والسياسية ، ويعلي من شأن
المؤلف ، فسانت يوف يعتبره الوسيط بين العمل الأدبي والمجتمع ، ولهذا السبب
يذهب رولان بارت إلى أن المؤلف شخصية حديثة إذ " يمكننا القول أنها ابتدعت
من طرف منهج تاريخ الأدب من طرف سانت بـــوف ولانسون ، لأنه وإن وجد دائما
شخص يكتب لم يكن دائما مهما أن نعرفه: فهو ميروس لا يعرف هل وجد فعلا ،
وأناشيد البطولة في العصر الوسيط كانت مجهولة المؤلف ، فلم يصبح المؤلف
صورة مركزية إلا ابتداء من القرن 19 بحيث يرى فيه النقد التاريخي مكان
التقاء الأدب بالمجتمع ، وفي الوقت نفسه فالعصر كله قد رقى الفرد المبدع
إلى مصاف الإله .

لقد وجهت انتقادات لأسس المنهج التاريخي ، ولمحدوديته التأويلية ،
وقد كانت أبرز هذه الانتقادات هي تلك التي وجهها رولان بارت في مقالاته
الثلاثة 1 المنشورة بين 1960-1963 .

فقد أبطل ادعاء تاريخ قول الحقيقة حول أعمال راسين بفرضه عليها
معنى واحدا ، أي مقصدية المؤلف ، فهو يرى أن العمل الأدبي ماض وحاضر في
الآن نفسه ، إذ يستمر ويبقى وإن اختلف الحدث التاريخي الذي أنجزه ، وإن هذه
الاستمرارية لهي حجة تثبت أن العمل لم يستنفد كل عطائه في لحظة ظهوره.
فليس هناك " راسين في جد ذاته أو " راسين حقيقي " ، عرف بطريقة نهائية من
طرف تاريخ الأدب ، وإنما هناك فقط فراءات لراسين لها نفس القيمة شريطة أن
تكون منسجمة وشاملة.

وفي مستوى آخر يوجه نقده لغوستاف لانـسون ، مطورا تثريب المؤرخ
لوسيان لوفيفر الذي اتهم تاريخ الأدب اللانسوني بأنه لم يكن بتاتا " تاريخا
بحق " لأنه كان يؤمن " بجوهر زمني للأدب " ، وهو مع ذلك تاريخ نسبي ويتغير
حسب العصور.

وأخيرا ، يبين بارت ، عجز لانسون ، عن فهم العمل الأدبي ضمن
سلسلة من الحقائق التاريخية والاجتماعية والثقافية ، لأن نموذج التفسير
لديه قديم فهو موصوم بوصمة الوضعية ، الموصومة بإيديولوجية وبمفهوم للإبداع
عفى عنهما الزمن اليوم.

وحينما تحول النموذج من سلطة المؤلف إلى سلطة النص عرفت
الدراسات الأدبية نقلة نوعية ، ساهم فيها التطور الذي عرفته اللسانيات
والدراسات الانتربولوجية البنيوية. وقد كان للفلسفة الكانطية والحبشطلتية
وللرياضيات دور كبير في تغيير الرؤية للأدب ، وفي إعادة تحديد المفاهيم ؛
كمفهوم الأدب والأجناس الأدبية والنص والتركيز على مفهوم العلاقة بدل
المرجع ، والاهتمام بالكشف عن أسرار العمل الأدبي من داخله متلافية كل بحث
عن التكون المرتبط بالعالم الخارجي أو التاريخ.

وبالموازاة مع هذا التأثير الفلسفي والعلمي في تحويل وجهة النظر
اتجاه الأدب واستقلاليته عن العالم الخارجي ، كانت هناك بعض الحركات
الإبداعية كالمستقبليين على سبيل المثال. تذلل الطريق أمام المنظرين وتوفر
لهم مجالا خصبا للتطبيق، إضافة أن بعض الأدباء النقاد 1 قد سبقوا إلى
التأكيد على استقلالية النص واعتباره تمرينا لغويا صرفيا.

إن تركيز البنيوية على النص بدل المؤلف سيقود إلى فرضيات أولية
حول القراءة في علاقتها بالكتابة، وهذا ما حدا برولان بارت إلى أن يذهب إلى
أن موت المؤلف إيذان بميلاد القارئ.




المتنبي من خلال منظور التلقي

الموضوع الأصلي : حياة المتنبي كاملة // المصدر : /منتديات رأس الوادي نت/ الكاتب: Admin



توقيع العضو: Admin

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معلومات العضو




معلومات إضافية
إحترام قوانين المنتدى إحترام قوانين المنتدى:
المهنة:
ذكر
السٌّمعَة: 57
عدد النقاط: 13620
معلومات الاتصال
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
مُساهمةموضوع: رد: حياة المتنبي كاملة السبت 17 سبتمبر 2011 - 15:39

حياة المتنبي كاملة
المتنبي و التجربة الجمالية عند العرب ( حسين الواد )

تمهيد :

إن المتتبع للدراسات المتنبئية الحديثة ، يلاحظ أن أغلب هذه
الدراسات اتخذت تاريخ الأدب كمنهج لها ، و قد يرجع السبب في ذلك هيمنة هذا
المنهج في الجامعة ، خاصة في المشرق العربي الذي عرف التقاءا مبكرا بالغرب ،
و قد لعب المستشرقون دورا كبيرا في تركيز هذا المنهج خاصة و أن مجموعة
منهم قد درست في بمصر . وقد وجد الدارسون العرب في المنهج ضالتهم ، إذ
طبيعة المرحلة التاريخية التي ألف فيها مؤرخو الآدب كتابتهم ، اتسمت بوجود
الإستعمار وجودا عسكريا ، و إداريا ، و ثقافيا على أرض البلاد العربية ،
فكان طبيعيا أن يختار هؤلاء الدارسون منهجا يستطعون من خلاله أن يبرزوا
تاريخهم و ثقافتهم و آدابهم و خصوصيتهم في مواجهة الغزو الإستعماري و
الثقافي ، فقد عرف منهج تاريخ الأدب في مراحله الأولى اتجاهين :

- الاتجاه الأول : ينظر فيه أصحابه إلى نشاط العرب الفكري و
المادي في الماضي بعين الرضا و الإعتزاز . فكثيرا من تمجيده و ينتصروا
للعرب ، و إن واجهوا في هذا الماضي بعض الفترات الحالكة يمرون عليها مسرعين
ويبدو هذا الإتجاه ؟ مندرجا في إطار قومي دفاعي يفاخر بالعرب و يرد
علىمنتقصيهم في ماضيهم ، لذلك فإنه يجد في الإبتعاد عن النظرة العلمية
للأشياء وسائل لدرك الغايات التي ارتسمها أصحابه لأنفسهم في كتابة تاريخ
الأدب العربي .

- الإتجاه الثاني : من خصائصه أنه ينظر إلى مصادر التاريخ العربي
و مراجعه نظرة نقدية تعتمد الشك في كل شيء تحتكم إلا إلى العقل، و قد
ارتبط هذا التوجه ببزوغ الطبقة الليبرالية الداعية إلى التحرر الفكري من كل
قيود الماضي .

و على العكس من ذلك ، فالمغرب العربي ، لم يعرف هيمنة منهج تاريخ
الأدب ، بل كان أكثر انفتاحا على المنجز النقدي الغربي ، و بذلك عرف رواج
مجموعة من الإتجاهات ، كالبنيوية و السميائيات ، و التداوليات ، و أخيرا ،
تعاملوا مباشرة مع نظرية التلقي ، و هي أحدث نظرية تعيد قراءة تاريخ الأدب
من منظور جديد . و في هذا السياق ، أنجز حسين الواد دراسته حول المتنبي تحت
عنوان ( المتنبي و التجربة الجمالية عند العرب ) من جهة نظر التلقي ، و
سنقوم في هذا الفصل بقراءة هذه الدراسة محاولين بذلك استجلاء معالم هذه
النظرية ، و طريقة اشتغالها و مدى الجدة التي قدمتها للدراسات المتنبئية .

و قبل أن نشرع في تحليل كتاب حسين الواد ، لابد من الوقوف عند
بعض الدراسات حاولت أن تتناول ديوان المتنبي في أثر دارسيه .

أول من خصص دراسة لتداول ؟ ديوان المتنبي في العالم العربي قديما
و حديثا ، هو المستشرق الفرنسي ريجيس بلاشير تحت عنوان : ( ديوان
المتنبي في العالم العربي وعند المستشرقين ).

إن هذه الدراسة الرصينة تكتسي أهميتها من ريادتها لتناول موضوع
ظل منسيا في الدراسات المتنبئية ، و هو تقويم الحركة النقدية التي تكونت
حول شعر المتنبي و فحص هذا المنجز النقدي من أجل استخلاص الدوافع الحقيقية
التي حركت هذه الدراسات ، سواء تلك التي تصطبع بطابع الهجوم أو تلك التي
انتصبت مدافع عن المشروع الشعري عند المتنبي أو تلك التي وقفت في سواء
السبيل حكما عدلا .

لقد ا ستخلص ريجبيس بلاشير نتيجة أساسية من خلال السيرورة
التي نعمت بها أعمال المتنبي وهي ، الشاعر يتمتع بنوع من أنواع العبقرية ،
وقد طرح السؤال الاهتمام بهذا الشارع إما عطفا أو مناوءة ، و حاول أن
يلتمس لذلك جوابا مفاده ، أن هذا الاهتمام المستمر هو نتاج للتشابه الحاصل
بين البيئة التي قيلت فيها أشعار المتنبي و البيئة المتلقية لهذا الشعر ،
فالأفق الشعري للمتنبي قد تكرر أو أعيد تش كيله . يقو ل بلاشير : ؟ لكي
نعلل الإهتمام العطوف أو المناوئ الذي أعاره العرب لأشعار المتنبي ، ألا
نجرد ، في أي وقت تلك الأشعار عن البيئة التي نظمت و قرئت و أحبت أو نوقست
فيها . ففي كل مرة إذن ، ينشأ فيها محيط مشابه لذلك الذي نشأت فيه آثار
المتنبي الشعرية ، تنعم بهذه الآثار برواج جديد بيد أن المجتمع الإسلامي
لم يبعث أثناء تطوره التاريخي هذا مرات متعددة جدا فحسب ، بل أعاد تكوينه
في الوقت ذاته في أمكنة كثيرة .

و قد سلك بلاشير في عرضه لشروح الديوان و المصنفات التي تناولت
شعر النتنبي بالنقد طريقة نظريته في العواصم الثقافية و المدارس و المراكز
الأدبية التي تعايشت و أثرت إحداهما في الأخرى . و قد سجل صعوبات عديدة
تعترض الدارس في الوقوف على حجم الأثر الذي خلفه الشاعر في الشعراء
اللاحقين خصوصا أن ؟ الكثيرين من الشعراء لم تطبع دواوينهم و بعضهم طبع
شعره جزئيا . أما فيما يخص علاقة هذا الشعر بفعالية النقد ، فإنه لا يمكن
حسب بلاشير أن تعرف على الوجه الأكمل ؟ فقد ضاع الكثير من تلك البحوث أو لم
تحقق هويتها ، أو لأنها لا تزال مدفوعة في أعماق المكتبات الخاصة

لقد رصد تطور حركية التأليف حول المتنبي محاولا إبراز المشاعر
التي أثارها أعمال الشاعر في قرائه، مسجلا بذلك مجموعة من الملاحظات كانت
هي عمدة الدارسين بعد بلاشير الذي تناولوا الحركة النقدية حول المتنبي، ومن
الملاحظات الهامة التي وقف عليها:

- أن حلقة حلب لم تترك أي أثر في الدراسات المتنبئية لأن اصحابها تفرقوا بعد موت سيف الدولة.

- أن حلقة شيراز ذابت في مركز عاصمة الخلافة بغداد التي أخذت في تكوين مركز تسع منه الدراسات حول المتنبي.

- أن موت المتنبي لم يضع حدا في بغداد للخصومة التي كان يضمرها الكتاب
والشعراء والنقاد للمتنبي وقد تجلى ذلك في صمت الأصفهاني عن ذكر المتنبي في
كتابة الأغاني والمرزباني في الموشح.

- الحاتمي يلفت أنظار الجمهور إلى المظهر الوحيد الجذاب في أعمال المتنبي الشعرية ألا وهو البعد الفلسفي .

- النقد المنصف للمتنبي ، يرى أن الوسيلة الوحيدة لتقسيم شعر المتنبي، هو
أن نتناول الديوان ككل فراءة وتفسيرا، حتى نكتشف عشرات الحسنات مقابل سيئة
واحدة.

- الشرط الأساسي لكي يحتل المتنبي مكانته النهائية في الشعر العربي، هي أن
يصل القراء بسرعة إلى فهم واضح لشعره الغامض، وهذا المطلب كان من وراء ظهور
مؤلفات تعني بالمشكل الشعري.

- ابن جني رائد الدراسات المتنبئية، ويعود الفضل في ذلك إلى شرحه الكبير ( الفسر)

- ولع الشرقيين بتنضيد الشرح على الشرح، حرك الشراح للاستدراك على ابن جني وتصحيح بعض تفاسيره الوهمية.

الإشادة بشرح الواحدي باعتباره ارفع مستوى من شروح المؤلفين المعروفين ، حتى أن الشرقيين يعتبرونه أكمل الدراسات التي خصصت للمتنبي.

- ديوان المتنبي يجد في المغرب العربي صدى كبيرا، لم يضعف إلى اليوم ،
وذلك أن ديوان المتنبي وجد هناك مرات عديدة، بيئة مساعدة مماثلة للبيئة
التي شهدت ولادته.

أما الدراسة الثانية التي تناولت هذا الموضوع فهي أطروحة
الدكتورله للباحث المصري عبد الرحمان شعيب ، تحت عنوان : المتنبي بين
ناقديه في القديم والحديث، وقد كان الهدف من هذه الأطروحة هو بيان معارك
النقد التي دارت حول المتنبي منذ تلقف النقاد آدابه، وتصدووا التفسيره
وتقويمه وبيان حسناته وهناته ، وأيضا تتبع نقاد المتنبي على اختلاف مناحيهم
في الدراسة ومناهجهم في البحث واتجاهاتهم في النقد تتبعا يكشف عن مدى
قدرتهم على تطبيق المقاييس النقدية التي كانت في محيط حياتهم وفي متناول
أيديهم. والتي غدت اسسا ينبغي مراعاتها في تناول الآداب مادامت مسلمة من
الناقد، وغدت جزاءا من رصيد الأمة الأدبي .

من خلال هذه الأهداف، المصرح بها في مقدمة الطبعة الأولى، يتضح
لنا أن عبد الرحمان شعيب، يؤرخ للحركة النقدية التي تكونت حول ديوان
المتنبي منذ القرن الرابع إلى حدود إنجازه لأطروحته. وكان سبيله في ذلك هو
عرض آراء النقاد ومناقشتها، والوقوف على زوايا النظر المختلفة التي درس بها
المتنبي، وقد كان الحافز وراء هذه العملية هو وفرة الدراسات حول
المتنبي،هذه الوفرة يعتبرها عبد الرحمان شعيب من مظاهر عظمة هذا الشاعر،
فأول ما يوحي به انشغال هذه الجمهرة لعظمية من الشراح والدارسين والباحثين
والمؤرخين، وأننا امام شاعر عظيم وفحل من فحول الأدب العربي، ولولا ذلك ما
حمل هذا العدد من الدارسبن على تبع ادبه ودراسة ديوانه.

نستخلص من هذا الإهتمام بنقاد المتنبي ودارسيه، أن عبد الرحمان
شعيب، يبحث في تفسير علة استمرارية هذا الشاعر وخلوده، ولقد كان هدفه
مزدوجا، يبحث في طبعة المناهج والمقاييس النقدية المتبعة في قراءة المتنبي،
وأيضا في طبيعة أممزجة هؤلاء النقاد وانفعالاتهم وتأثرهم الشخصي
أثناءتناول النص الشعري.

ولكي يحصر المتن المدروس، خصوصا وأن المساحة الزمنية التي يشتغل
عليها ممتدة جدا ( عشرة قرون )، سيحاول تقسيم هؤلاء النقاد إلى ثلاثة
طبقات.

- الطبقة الأولى هم أصحاب الدراسة الغوية والثانية هم أصحاب الدراسة
الأدبية والثالثة هم أصحاب الدراسة الفلسفية.وبالرغم من التصريح بهذه
الأهداف، فقد جاءت دراسة عبد الرحمان شعيب مفتقرة إلى تفسير وتعليل
الإختلاف الحاصلة بين هؤلاء القراء، حيث اكتفى بعرض آرائهم معيدا بذلك ما
سجلته الكتب النقدية القديمة أو الحديثة، دون هذه القراءات باشروط العامة
لإنجازها. إذ تحولت دراسته من رصد لتطور القراءة إلى رصد لصراع الأفكار.

أما الدراسة الثالثة هي التي انجزها محمد بن شريفة، تحت عنوان :
أبو تمام وأبو الطيب في أدب المغاربة وقد كان الهدف من هذه الدراسة هو ؟
ابراز عناية المغاربة بشعره وإظهار موقعه في أدبهم ، وبالرغم من أن هذا
الهدف قد سبق له بن شريفة في أعمال كل من ، بلاشيروغرسية غومت، وعلال
الفاسفي وابن تاويت الطنجي، فإنه قد نحا منحى مغايرا في تقسيم المادة
وتنظيمها، إذ شرع في دراسته بتسجيل الأسانيد التي وصل من خلالها شعر
المتنبي إلى المغرب، وقد اعتمد هذه الأسانيد من خلال فهرس ابن خير، مبينا
انه لايكاد يخلو برنامج من برامج الأندلسيين من ذكر أسانيد متعددة لرواية
شعر المتنبي، وقد اكد ابن شريفة على دخول ديوان المتنبي إلى صقيلية بواسطة
علي ابن حمزة اللغوي رواية المتنبي في مصر، أما في المغرب الأقصى فلا نعرف
متى درس فيه شعر المتنبي وذلك لضياع أخبار المراكز الثقافية الأولى،
ولكننا نقدر أن شعر المتنبي عرف في المغرب بواسطة الأندلس.

وبمقابل هذا الالتقاء المبكر لديوان المتنبي في المغربي
الإسلامي، يهتبل بن شريفة فرصة الاستشهاد بأربعة أخبار ليؤكد من خلالها
اعتراف أبي الطيب بالشعر في الغرب الإسلامي، ونذكر من هذه الأخبار الذي روي
في الذخيرة وحكي أن ابا الطيب المتنبي على قلة رضاه عن شعر أحد ف إنه على
ماذكر عنه أنشد لجملة من شعراء الأندلس حتى أنشد قول ابن هذيل:

لما وضعت على قلبي يدي بيدي
وصحت في الليلة الظلماء واكبدي ( البسيط)

ضجت كواكب ليلي من مطالعها
وذابت الصخرة الصماء من جلدي


فقال هذا أشعر أهل العرب.

وبعد أن وثق الأسانيد التي روي بها المتنبي، انتقل إلى الحديث عن
الشروح فعرضها دون أن يحلل طبيعتها والفروق بينها، فقط سجل بعض
الاستدراكات على بلاشير حول نفيه لظهور أي كتاب جديد بعد سقوط الموحدين حول
المتنبي لا في المغرب في الأندلس، فذكر أن هنلاك شرحا لأبي الحسن فضل بن
فضيلة المعارفي الأوريولي؟ الذي فسر شعر المتنبي تفسيرا صوفيا وقد سمي
هذاالتفسير شرح الأبيات الكندية، على الطريقة الصوفية؟2. والمعافري هذا عاش
في عهد بني الأحمر، وقد صحح الوهم الذي وقع فيه محقق كتاب؟ سرقات المتنبي
ومشكل معانية؟ محمد الطاهربن عاشور، حيث نسب الكتاب إلى ابن بسام صاحب كتاب
؟الذخيرة؟ ، والكتاب حقيقة هو لشنتريني أخر اسمه محمد بن عبد الملك
السراج3.

أما الملمح النقدي الوحيد الذي استخلصه من الحركة النقدية التي
تكونت حول شعر المتنبي، هي إعمال العنصر الديني في تقويم شعر المتنبي،
فإذا كان الأندلسيون والمغاربة قد اعجبوا بشاعرية أبي الطيب فإنهم لم
يتساهلوا معه فيما يمس الحساسية الدينية.

وحتى يبرز تغلغل شعر المتنبي وسريانه عند المغاربة والأندلسيين،
يذكر المعارضات الشعرية التي أقامها هؤلاء الشعراء مع المتنبي والتضمينات
التي تخللت قصائدهم والاستشهاد والتمثل بشعره في المناسبات، ولا يفوته أن
يذكر بالاحتفال الذي خص به النغاربة المتنبي في ذاكره الألفية سنة 1936،
وقد نشرت أعمال هذا الإحتفال في عدد خاص من مجلة المغرب الجديد 9-10،
مارس1936.

يبقى هذا العمل الذي قام به بن شريفة مهما من ناحية التوثيق
لاستدراك ، لكنها لم تستوف شروط الدراسة والتحليل للمقايس النقدية وللمناهج
التي اتبعها هؤلاء الشراح والنقاد من أجل تبيان خصوصيات المدرسة المغربية
في تاريخ النقد الأدبي العربي.

إن هذه الدراسات استطاعت أن توثق المادة التي تشكلت حول ديوان
المتنبي خلال القرون العشرة السالفة، فأطروحة بلاسستير امتازت بالتوثيق
التاريخي للمصادر في المشرق والمفرب، وكتاب بن شريفة ركز فقط على التوثيق
الخاص بالمغرب، أما عبد الرحمان شعيب، فإنه استفاد من توثيق بلاشيروأضاف
اليه كتابات ظهرت بعد سنة 1935 التي صدر فيها كتاب بلاستير مركزا فقط على
ابراز توازيات بين القدماء والمحدثين، وما غاب في هذه الدراسات هو ربط
المتنبي بالنتلقي، ومحاولة النفاذ إلى آليات اشتغال استقبال شعر المتنبي في
الأوساط الثقافية المختلفة والمتنوعة .

- ديوان المتنبي من منظور التلقي

ينخرط هذا العمل الذي أنجزه الواد حول ديوان المتنبي ضمن مشروعه
النقدي الذي عرف تطورا من حيث الرؤية المنهجية، فقد بدا الواد مشروعه
بتجريب المنهج البنيوي التكويني، في دراسته التي خصصها لرسالة الغفران ثم
انتقل إلى مساءلة منهج تاريخ الأدب، وأخيرا يجرب ما توصلت اليه نظرية
التلقي من خلال هذا المسار يتضح أن الواد كان يجعل من المسالة المهجية اولى
الأوليات لمشروعه النقدي.

لقد عرض الواد للمناهج السابقة مبرزا خصائصها ومفاهيما
ومحدوديتها في مقاربة النصوص الأدبية ، وتبعا لعرضه هذا، سيقتنع بأن
الإهتمام بالقارئ ظل غائبا في نقدنا العربي القديم والحديث، من ثمة فغن
العمل الذي قام به يندرج ضمن تجديد الرؤية النقدية المبنية على تغير وجهة
النظر التي ظلت لزمن طويل، تعنى بالسياق الخارجي وبالمؤلف والنص ، إلى
الاعتناء بالقارئ الذي يهب النص كينونته عن تحليلنا للدراسة التي أنجزها
الواد، سينصب اساسا على مجموعة من القضايا نوجزها فيما يلي

- ما هو السؤال المطروح على حسين الواد وهو يواجه المنجز القرائي لشعر المتنبي في القديم؟

- ماهي طبيعة المتن المدروس؟ وماهي الأعراف الثقافية والمعايير الجمالية والمقاييس النقدية التي استنتجها من هذا المتن؟

- ماهي آفاق الانتظار التي تأسست عبر المراحل القرائية لشعر المتنبي، وكيف استطاع أن يخيب هذه الآفاق أو يعدلها أو يستجيب لها؟

- ماهي طبيعة المعاير التي حددت قيمة شعر المتنبي؟

- ماهو نوع التجربة الجمالية التي تأسس عبر هؤلاء القراء المتتابعين؟

- أهداف الدراسة :

- إن دراسة حسين الواد حول المتنبي تسعى إلى تحقيق مطلبين أساسيين هما:

استكمال المشروع النقدي الذي بدأه أولا بالإهتمام بالخصائص
البنيوية للنص،ثم الإنتقال إلى تاريخ الأدب لدراسة مفاهيمه و مناهيجه، و
أخيرا تتويج هذا المشروع بتجديد النظر في التاريخ الأدبي معتمدا على نظرية
التلقي كما تقررت مفاهيمها عند هانز روبرت ياوس، و بالرغم من أن الواد
يذهب إلى أنه لميجد أي عمل جاد، يمكن أن يرتاح إليه في تحقيق هذه المرحلة
من مشروعه، و آثر أن ينصت للنصوص و إلى خصوصة القدماء حول شعر المتنبي حتى
يتجنب الاسقاط و يستخلص النتائج من مستوى هذه النصوص، فإننا نخالفه هذا
الرأي، خصوصا و أن الخطوات التي اتبعها في معالجته للمتن المدروسة يستضمر
طرائق ياوس في التحليل و يستجليها استخلاص الخصائص التي تتكون منها علاقة
الآثار الأدبية بجمهورها أو سلبا، و قد بنى هذه الفرضية على أساس فرادة
المتنبي، و اعتباره ظاهرة في الأدب العربي القديم، خصوصا و أنه هو الشاعر
الوحيد الذي سرق الأضواء . فكثر فيه الجدل و النقاش حتى قال فيه الثعالبي ؟
و لم يسمع بديوان شعر في الجاهلية و لا في الإسلام شرح هكذا مثل هذه
الشروح الكثيرة سوى هذا اليوان، لا تداول على ألسنة الأدباء في نظم أو نثر
أكثر من شعر المتنب و في اعتقادي فإن حسين الواد اختار المتنبي لهذا السبب
خصوصا و أن نظرية التلقي عند ياوس لا يمكنها أن تشغل إلا على شاعر ظاهرة
تتالت قراءاته عبر الزمان .

-أسئلة البحث وسيل الأجوبة عنها :

هناك سؤالان جوهر يان ينظمان دراسة الواد . أحدهما يتعلق بسؤال
البحث في قيمة شعر المتنبي عند الجمهور القارئ من خلال القضايا التي طرحت
في تآليفهم المتعددة و المتنوعة . أما السؤال الثاني، فأعتقد أنه السؤال
الذي حرك جل الدراسات المتنبئية في العصر الحديث و هو سؤال الاستمرارية و
العناية الفائقة بتغيره .

فإذا كانت المناهج السالفة الذكر قد التمست جوابا لسؤال
الاستمرار ية في طبيعة حياة الشاعر و مضامين شعره أو في تركيبته النفسية و
القيمة التي نادى بها، فإن حسين الواد يمم وجهة أخرى قد تكون هي النهج
القريب من الجواب على هذا السؤال الاشكالي بحيث اعتمد البحث في تنوع
التصانيف حول المتنبي و تعدد مقاصد أصحابها .

و لكي يحقق هذا المطلب سيعيد في بداية ألى تصنيف المؤلفات و
وصفها و تتبع مسيرتها التاريخية بغية استنتاج العوامل المؤثرة في وفرة
المؤلفات حول المتنبي و انحسارها عبر القرون، و إبراز المعايير المعتمدة في
التآليف التي وجهت نقدها للمتنبي و الدوافع التي جعلت شعر المتنبي يهيمن
في مصنفات البلاغة و النقد .

الموضوع الأصلي : حياة المتنبي كاملة // المصدر : /منتديات رأس الوادي نت/ الكاتب: Admin



توقيع العضو: Admin

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معلومات العضو




معلومات إضافية
إحترام قوانين المنتدى إحترام قوانين المنتدى:
المهنة:
ذكر
السٌّمعَة: 57
عدد النقاط: 13620
معلومات الاتصال
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
مُساهمةموضوع: رد: حياة المتنبي كاملة السبت 17 سبتمبر 2011 - 15:40

حياة المتنبي كاملة
إن الوصف الذي قدمه حسين الواد لهذه الأصناف من التآليف كشف له عن مجموعة من الملاحظات ، وهي :

إن الشروح قد انقسمت إلى نوعين:

شروح تناول فيها القدماء ديوان أبي الطيب كاملا مرتبا على حروف المعجم والتدرج الزمني.
شروح اقتصروا فيها على أبياته المشكلة.
أما رسائل الانتقاد فهي مؤلفات رمى بها أصحابها إلى غشفاء النفس من المتنبي أو الانتصار له.

أما المصنفات البلاغية والأدبية والنقدية، فقد نلاحظ أن بعضها
صمت عن ذكر المتنبي كأبي الفرج الأصبهاني و الموشح للمبرزباني، عن هذا
الصمت قد نبه عليه بلاشير وأعاده حسين الواد في تعليقه على رسائل
الانتقاد. أما باقي المصنفات التي ذكر فقد استشهدت بأبيات المتنبي لتحقيق
مطالب ثلاثة :

أ- انسجامها مع طرائق العرب في التعبير وتنفيدها بالنسبة الإبداعية في أعمال الفحول.

ب. تفرد بعض أبياتها، حتى يحتذي بها الآباء الناشئون.

ج. استشاهدهم بأبيات جارحة لتجنيب نائشة الأدب الكتابة على منوالها .

لقد خلص إلى أن شروح الديوان قد بلغت قمتها من حيث الكم في
الأعوام المائة وخمسين بعد مصرع المتنبي وأن رسائل الإنتقاد قد غلبت على
تصانيف الصنف الثاني من القرن الرابع دون غيره من سائر القرون. ويرد ذلك
إلى أن المعركة التي أعلنت على المتنبي في حياته أذكتها أسباب شخصية لعلها
واهية الاتصال بالشعر ونقده. غنها أسباب بجدور عميقة في الموافق المسبقة
والحملات التي نظمها اصحاب النفوذ والجاه للحط من قيمة شاعر لم يساير
أهواءهم أو وقف ضدها عندما تضاربت مع ميوله ومبادئه.

أما بخصوص حركية التأليف فلم تكن منتظمة، ففي القرن السادس
للهجرة تنازل عدد التصانيف إلى عشرة مصنفات فقط في حين أنه كان في القرن
الخامس يزيد على

الستة والعشرين اما في القرن اثامن فقد تنازل عدد المؤلفات فيه
إلى ثلاثة، في حين أنه كان في القرن السابع سبعة مصنفات وليس في القرن
التاسع إلا درجة الخلاء .

ويحاول إرجاع هذا الانتعاش لحركة التأليف حول شعر المتنبي إلى العوامل هي :

1- عوامل تلتحم بالتحولات السياسية والإجتماعية والإقتصادية والى عوامل تتصل بالفكر.

فانحسار المؤلفات في القرن السادس يردها إلى تعرض العالم
الإسلامي إلى الأخطار الخارجية والداخلية كانتشار حركة الحشاشين واقبالها
على الاغتيال السياسي واشتداد الغزو الصليبي وزحف المغول، واستبداد الممالك
الأتراك، إذ لا علم لهم بالعربية ولا شان لهم بالأدب.

أما القرن الثامن فقد هيمن فيه العثمانيون الذين حرصوا على أن
تكون اللغة التركية لغة معاملات ودواوين، ولم يعن بالمتنبي في هذه اللحظات
سوى في مكة في عهد بني تميم ثم سينتقل هذا الاهتمام إلى الهند. إن الفترات
عرفت الاستقرار السياسي أو اتسمت بشيء من النهوض ارتفع فيها عدد التآليف في
شعر هذا الشاعر، والفترات الأخرى التي تعرض فيها العرب إلى الهزات
الداخلية القوية أو إلى الهجمات الخارجية العنيفة، تقلصت فيها التآليف
ونزعت إلى القلة نزوعا ظاهرا.

2.وبالإضافة إلى هذه العوامل الساسية، يلاحظ أن الموؤلفات التي نهضت في
القرن السابع الهجري وبلغت سبعة عشر مصنفا لم تأت بجديد إدذ أعادت واجبرت
فقط ماتوصل إليه السابقون واتسمت أيضا بالاختصار والاختزال والتلخيص.

لم يعلم حسين الواد في هذا الجزء من دراسة سوى على إعادة الوصف
الدقيق الذي قدمه المستشرق الفرنسي ريجبس بلاشير للمصنفات التي ألفت حول
المتنبي، وحتى الأسباب المتحكمة في حركية التأليف وانحساره في القرن السابع
الهجري هي نفسها التي أوردها بلاشيرر، حيث يقول: إن قيام المماليك في
الشام ومصر في النصف الثاني من القرن السابع الهجري لم يغير شيئا من هذا
الوضع، فقد اعتبر ديوان المتنبي في الأوساط المتعلمة في القاهرة الذي أخذ
فيه العلم الشرقي يلهث تعبا ويتجمع في موسوعات ومختصرات وموجزات قبل أن
يستسلم إلى رقاد دام أربعة قرون، كانت الدراسات المتبينة تلقى المصير ذاته.
ويردأيضا انحسار الدراسات المتنبئية طوال القرن التاسع والعاشر إلى الفوضى
التي كانت تتخبط فيها مصر والشام، وان قيام التراك لم يعمل سوى على زيادة
هذا الانحطاط.

3- طبيعة المتن المدروس:

يتكون المتن اذي اختاره حسين الواد موضوعا لبحثه من مجموعة من
التصانيف خصصت للمتنبي على مدى ثمانية قرون، وشملت مدارا جغرافيا امتد من
أرض فارس إلى الأندلس، والحالة هذه، فقد شهد العالم الإسلامي طيلة هذه
القرون تحولات سياسية واقتصادية كبيرة جدا، بالإضافة إلى أن الذين تصدوا
لشرح ديون المتنبي ونقده، صدروا عن اتجاهات عقائدية مختلفة وعن ولاءات
ساسية متبانية، فمنهم من كان متشيعا ومنهم من كان معتزليا ، ومنهم من كانت
أهواءه مع العرب و أطماعه مع الفرس أو الإسماعيلية و قل منهم من لم يهد
عمله إلى سلطان أو حاكم كان متعلقا بخدمته شديد الولاء له .

و السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو : هل الإختلاف العقائدي و
المذهبي سيكون له أثر في القراءات المنجزة حول المتنبي ؟ فإن كان الجواب
بالإيجاب ، فكيف سنتوصل إلى استخلاص المعايير النقدية و الأعراف الثقافية
من هذا المنجز المتعدد .

مما لا شك فيه أن الإتجاهات المذهبية و الفكرية تكون لها تأثير
كبير في عملية القراءة و توجيهها ، و لتأكيد هذه الفرضية سنضرب بعض الأمثلة
تتجلى فيها هذه العلاقات ، فابن جني ، هو أول من شرح ( ديوان المتنبي)
سيسلك في شرحه طريقة تعكس مجالت اهتمام المعتزلة ، فالملمح البارز في شرحه
المطول ، الفسر، هو الإعتناء بقضايا اللغة ، و من المعروف أن المعتزلة خصوا
اللغة بعناية فائقة ، من حيث ألفاظها و تراكيبها و تصاؤيفها و مجازاتها ، و
هذا الملمح هو ما لم يفطن له نقاد ابن جني ، حيث عدوا اهتمامه باللغة عيبا
من عيوب شرحه فوت عليه العناية بالشعر و معانيه ، لكن ابن جني بهذا الصنيع
كان يهدف إلى تأكيد العلاقة بين الشعر و اللغة ، باعتبار هذه الأخيرة هي
المجال الذي يطرح المشكلة الأساسية في الفكر الإعتزالي و هي مشكلة التأويل ،
و نتيجة لذلك ، فقد ذهب ابن جني في شرحه إلى تأويل شعر المتنبي مضيفا عليه
معاني بعيدة و مرامي نائية ، و من هنا اتهم أنه لم يكن وفيا للشعر ، إن
هذا الإتهام فوت على أصحابه بعد نظرا ابن جني الذي فتح أفقا للشراح ، و هو
أفق تعدد المعاني و أن الشعر حمال ذو وجوه . و الملمح الثالث الذي دشنه ابن
جني هو الفصل بين نوايا الشاعر و الطاقات الإيمائية لشعره ، مما فسح
المجال أمام الشراح إلى تعدد القراءات و الإبتعاد عن مقاصد الشاعر .

و من الأمثلة الأخرى التي تعكس تحكم المذاهب في القراءة ، هو ما
ألمحنا إليه سلفا من أن المغاربة لم يساهموا مع الأبيات التي أساء فيها
المتنبي الأدب مع المقدسات الدينية ، و ذلك لأنهم متشبعون بالمذهب السني
المحافظ على الأصول العقدية ، و كل جرأة على هذه المقدسات تخرج صاحبها من
دائرة الإسلام .

أمام هذا التحكم المذهبي في القراءة ، سيحاول حسين الواد أن
يختار اتجاها من بين اتجاهين ممكنين في التعامل مع القراء بغية استخلاص
المعايير المتحكمة في القراءة . يحدد Host STEINMETZ ، في مقالته التلقي و
التأويل اتجاهين في العلاقة التي تقوم بين العمل الأدبي و الجمهور ، هما :


- الإتجاه الأول : يذهب فيه أصحابه إلى المتعامل مع العمل
الأدبي لا يأخذ منه ما وافق رؤيته للعالم ، و سر ذلك العمل الأدبي بنية
دالة يمنحها القارىء مدلوله . هذا المدلول لا يخلو من الذاتية ، و علينا من
خلال المقارنة بين القراءات العديدة لنفس العمل أن نصل إلى القاسم المشترك
الذي تنبني عليه هذه الذاتيات المختلفة .

الإتجاه الثاني : يقوم على دراسة القراءات المختلفة للعمل الأدبي
الواحد التماسا للمتفق عليه ثابتا من ثوابثها .أما ما تختلف فيه هذه
القراءات فلا يعتد به . و إن المتفق عليه ثابت في القراءات العديدة سواء في
العصر الواحد أو على امتداد العصور المختلفة هو الذي يتكون منه جوهر
الآثار الأدبية و تنبني عليه وظيفتها الأساسية إذ لا يتفق الناس المختلفون
في الأعصر المختلفة إلا على ما هو موضوعي

إن الواد يختار الإتجاه الثاني ، و ذلك أنه بني عمله في المستوى
التحليلي لمعايير القراءات من خلال الشروح على البحث في المتفق عليه .

إن أولى الخطوات التي اتبعها في تحقيق هذا الإقتراض، هي اعتباره
لابن جني و الحاتمي مدشنين أساسيين لجميع الشروح و الدراسات حول المتنبي في
القديم يقول : دعت أسباب عديدة استخرجناها من هذه التصانيف ، على تباعد ما
بينهما في الزمان و تنائي ما بين أصحابها في المذهب و المعتقد و الثقافة
إلى أن نقضي بأن ما تعامل به القدماء مع شعر المتنبي يكاد يكون نصا واحدا
كبيرا جامعا لمسائل التعامل مع الشعر و قضاياه . و قد وضع أسس هذا النص
الشيخ ابن جني و أسهم في وضعه الحاتمي و تداول عليه الشيوخ فناقشوا أقسامه و
تفريعاته و أضاف إليه كل منهم على حسب الإستعداد و الثقافة و الجهد و
حوروا من متنه ما لا ينسخ أصوله حتى إذا انكسرت حركة الإبداع و الإجتهاد و
اكتفى أسلافنا من هذه المادة بالحذف و الإختصار و التخليص حفاظا على
الذاكرة و حفظا للذكرى . و قد تجلت معالم هذا النص الجامع في طريقة الشرح
التي تقوم على نقل البيت الشعري إلى الإنتثار مع التعليق على معناه . و في
توحد الأصول النظرية و في الطابعالتكاملي لا التنافري لهذه الشروح .

إن طبيعة المتن المدروس موسوعة بطابع التكامل و التوسع لا
التنافر و الإنقطاع . إضافة إلى أنها عرفت مرحلتين أساسيتين الأولى تمتد من
النصف الثاني من القرن الرابع إلى نهاية القرن الخامس و هي مرحلة الإزدهار
و الإبداع في قراءة المتنبي أما المرحلة الثانية فتمتد من نهاية القرن
الخامس إلى العاشر و هي مرحلة الإنحسار و التراجع و التكرار .

إن تفسير هذا الإزدهار و هذا الإنحسار رهين بمعرفة آفاق الإنتظار
التي ورد في سياقها شعر المتنبي إذ بإحاطتنا بطبيعة هذه الآفاق سندرك
الدوافع الحقيقية للعناية الفائقة التي أولاها الجمهور الأول لشعر المتنبي و
الفتور الذي عرفته مرحلة الإنكسار و التكرا ر . فما هو الأفق الذي تشكل
فيه شعر المتنبي ؟

4- إعادة تشكيل أفق انتظار القراء الأوائل :حسب تحديد باوس ، يتشكل أفق الإنتظار من ثلاثة عناصر هي :

ضبط قواعد الجنس الأدبي و معرفة الموضوعات التي تهيمن في الجنس و التمييز بين اللغة الشعرية و اللغة العملية .

و هذا التصور حول أفق الإنتظار يطبق في المقام الأول على تجربة القراء
الأوائل الذين غالبا ما يتفاعلون إيجابا مع نصوص التي تخيب أفق انتظارهم
بذلك يقدمون قراءة إبداعية للنص الجديد و حتى حين لا يخرق المؤلف القواعد
الآتية : لنسق موجود سلفا في شيء فإن التلقي يفترض من عصر لعصر تجسيدات
متغيرة فيحرك نتيجة لذلك تاريخ زمنيا فبنسبة لشعر المتنبي فقد لقي استجابة و
قبولا لدى الجمهور الأول ، أما بالنسبة لأولئك القراء الذين حاولوا النيل
منه أو الصمت عنه ، فلم يكن ذلك نتاج تقويم جمالي و فني بقدر ما كان رد فعل
شخصي .

و يرى حسين الواد أن السبب في هذا التعلق هو أن المتأمل في الظرف
الذي جاء فيه المتنبي و في علاقة القراء به يميل إلى الإعتقاد في أن شعره
قد جاء أهل زمانه على الإرتقاب و الإنتظار . فقد سبقت هذا الشاعر حركة
التجديد الإبداعية في القرن الثاني و كانت قد طبعت الأذواق و الإذهان
بجديدها ثم كانت تجربة الطائيين أبي تمام و البحتري ، في الرجوع إلى عمود
الشعر و تحليته بألوان البديع و التفتن في المعاني ، فإذا بالمتنبي يخطفهذه
التحولات و يتمثلها و يرسل في الناس شعرا فيه قوة الأوائل و طرافة
المجددين و عمق الطائيين .

إن طبيعة أفق الإنتظار للجمهور الأول تشكلت من طرائق التعبير في
الشعر الجاهلي و في محاولات تجديدية في العصر العباسي ، و بمقتضى هذا النوع
من الآفاق ، فالشاعر المرشح لأن يلفت إليه الإنتباه هو الشاعر الذي يستطيع
أن يحقق في شعره عناصر القدامة و الحداثة . و من خلال تعامل الشراح
الأوائل مع ديوان المتنبي سيحاول الواد أن يبرز المواطن التي اجتذبت
الجمهور إلى هذا الشعر من خلال التمييز بين الأبيات المتوقعة و الأبيات
المفاجئة . إن الأبيات الشعرية التي نالت استحسان الجمهور الأول هي الأبيات
التي جاءت وفق المعايير التي كونت أفق انتظاره ، و هي التي كانت منسجمة مع
التراث الشعري و خاضعة لتقاليد الإبداع عند العرب ، و مرد ذلك إلى أن هذه
التقاليد تأسست منذ العصر الجاهلي حيث أن الشعر العربي منذ ذلك الحين

أفرز أغراضه المعروفة من معانيه المشهورة و أفرز معها طرق
الصياغة و الأداء … و مما نتج عن تقيد الشعراء في إبداعهم بالتقاليد التي
سنها السلف أن الجمهور المتقبل لم يطالبهم باختراع جديد بقدر ما كان
يطالبهم باستحضار القديم و الإهتداء بهديه و النسج على منواله . فقيمة
الشاعر كانت تقاس عند أسلافنا بقدرته على تمثل تلك المعطيات الأولية التي
توفرت عليها كاملة أعمال المتقدمين و أصبحت شرائح لكل إبداع و قوانين له ..
من خلال هذا التصور يطرح علينا سؤال يتعلق بنوع العلاقة التي يحددها النص
الجديد مع المتلقي الأول و بأي مستوى يمكننا إدراج هذه العالقة بين الجمهور
الأول و شعر المتنبي؟ هل قيمة العمل تتحدد من خلال تكرار النماذج ؟

من خلال التحديد الذي وضعه ياوس، حول العلاقات بين النص و أفق
انتضار المتلقي، سجلنا أن هذه العلاقات تتحدد في التخييب و التعديل و
الاستجابة .

و كل مستوى من هذه المستويات يفرز نوعا من أنواع التاقي، و ما
نحن بصدده يندرج ضمن مستوى الإستجابة التي يترتب عليها نوع من الرضى و
الارتياح في تقبل العمل . إن هذه الاسستجابة و هذا الارتياح الذي استقبل به
أسلافنا القدامي شعر المتنبي لا يعني ذلك أننا أمام تلق سلبي و كسول بل هو
تلق محكوم بنسق ثقافي تأسس منذ القديم و حوفظ عليه. و قد تأسست معالم هذا
النسق في المفاهيم مفهوم الصنعة، فمفهوم الشعر عند العرب صناعة، فالشاعر
القديم عندما يضع شعره لا يشغل نفسه بالواقع الذي يعبر عنه أو فيه بقدر ما
يهتم بالمعاني و طرائف إخراجها على نحو لا يخرق به قوانين صناعته، فكأن
الشعر يسعى إلى إرضاء حاجة الناس إلى القول و الإبانة عن المعاني أكثر مما
يسعى إلى التقيد بالتجارب المستقاة من الحياة . إن شعر العرب في معظمه شعر
نماذج تحتذي أكثر منه شعر التجربة . و قد ترتب عن هذا التصور أن سلك
الشراح في تعاملهم مع الشعر طريقة المراونة بين الشعراء و تفسير
الشعربالشعر و ما ذلك إلا إيمانا منهم بأن الإبداع الشعري هو تفاعل النصوص و
تكرار لمعلني مطروقة بأدات مبتكرة و مختلفة. و الذي يهم القدماء من تعاقب
الشعراء على المعنى الواحد ليس المعنى في حد ذاته

و إنما يهمهم من ذلك طريقة الأداء و الإفصاح عنه . فإذا أفلح
الشاعر في تجويد الصياغة و الترقي بها في مدارج الحسن، نسب التفوق إليه و
انفراد بالمعنى و فاز به .

لهذه الأسباب كلها، يسجل حسين الواد أن تعامل الشراح مع شعر
المتنبي عرف ارتياح مع الشعر الذي حافظ فيه المتنبي على قوانين الصنعة
الشعرية كما تقررت عند الشعراء الأوائل.

من هذا المنطق، نلخص إلى نتيجة مفادها أن تحطيم القانون و
المعيار لا يكون دائما سببا في إقبال القراء على النص الجديد، بل العكس
يكون هو الصحيح. إذن، فمعيار الجدة ليس هو الصحيح . إذن ، فمعار الجدة ليس
هو المعيارالوحيد للتقويم إذ يبدو أن العصور الماضية قد استتحسنت أعمالا
بسبب تماثلها مع الأعراف التقليدية بنفس القدر الذي استحسنت به أعمالا بسبب
اختلافها و خلال أزمنة القرون الوسطى مثلا، فإن الإلحاح على الإنتاج الفني
كان يركز عاى تكرار بعض البنيات أكثر من التركيز على تحطيمها .

غير أننا في مواجهة وضعية المتنبي في تاريخ الشعر العربي سنصطدم
بمجموعة من الأسئلة هي التي ستحددلنا معايير تقويم شعره، فإذا سلمنا بأن
الشعر المتوقع المنسجم مع المعيار هو الذي نال إعجاب الشعراء فما هو مرد
الضجة النقدية التي نشبت حول هذا الشاعر؟ لا بد و أن يصدر من الشاعر تمط من
القول جاء على طريقة مخالفة للمألوف سببت صدمة في التلقي و قد نتج عن هذه
الصدمة أن تنبه الشراح إلى الشيء الجديدفي شعره،فأفردوا لهذا الجديد
المفاجئ مصنفات خاصة أطلقوا عليها اسم شرح المشك من شعر المتنبي . وفي
هذا المستوى سيحاول الواد الوقوف على ما أسماه بالأبيات المفاجئة في شعر
المتنبي و قد سرد عدة أمثلة من هذا النوع الشعري الذي أربك القراء وجعلهم
يفترقون فيه بين مدافع عن هذا النوع تعسفا و فساد ذوق و تفاصحا ليخلص إلى
أن تعلق القدماء بهذا النمط الشعري يرجع إلى طبيعة اهتمام القدماء بالشعر .
ففي هذه الأبيات،أجرى المتنبي العربية ألفاظها وتراكيبها على نحو ينزع إلى
التقادم و الإغراب ….و في هذه الأبيات أجرى بعض المعاني و التشبيهات على
غير ما ألفه الناس من الشعراء قبله .

لقد كان المتنبي على وعي تام بأن تجربته الشعرية كانت موجهة إلى
قارئ مثقف مدرك أسرار اللغة لذلك كان يعتمد أن يخرج بعض أبياته في حلة
مستغلة و غامضة حتى تظل محل عناية و تأمل، و كل يخرج منها بمعنى معين . و
الملاحظ أن هذه الأبيات ليست من أجود شعر المتنبي . و مع ذلك، ورغم اعتياص
مبانيها و انغلاق دلالاتها أو عسر تمثلها، فقد ظلت تشد إليها القراء شدا
محكما و تفرض نفسها عليهم فرضا لم يخفف من شدة وقعه مضى الزمن أو كثرة
الإجتهادات النازعة إلى إخضاعها للفهم . فكأنها تقيم مع الأذهان صراعا
مطردا تجود فيه ببعض الأسرار و تضن بالكليات فتنطوي عليه . ما نستخلصه من
طبيعة الأفق الذي تشكل لدا القراء الأوائل في علاقته بشعر المتنبي هو أن
التلقي الأول لشعر المتنبي أبرز لنا النص الذي يلقي عناية و حفاوة هو النص
الذي يحقق مطلبين أساسيين هما : التروع نحو الحفاظ على المعيار و خلخلة بعض
جوانبه،إضافة إلى أن التلقي الأول كان محدد أساسيا لتتابع القراءات فكأن
ما يهم الشراح الذين جاءوا بعد ابن جني هو توسيع المشروع القرائي الذي قام
به لتقديم قراءة مغايرة و مرد ذلك في اعتقاده هو وحدة النسق المنهجي و
الرؤية النقدية التي يصدر النقاد القدامى .

إن عمل حسين الواد في مجمله يسعى إلى استخلاص هذا النسق النقدي
انطلاقا من عملية الشرح التي خص بها ديوان المتنبي إضافة إلى الوقوف على
طبيعة التجربة الجمالية عند العرب . فما هي طبيعة هذا النسق؟ .

الموضوع الأصلي : حياة المتنبي كاملة // المصدر : /منتديات رأس الوادي نت/ الكاتب: Admin



توقيع العضو: Admin

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معلومات العضو




معلومات إضافية
إحترام قوانين المنتدى إحترام قوانين المنتدى:
المهنة:
ذكر
السٌّمعَة: 57
عدد النقاط: 13620
معلومات الاتصال
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
مُساهمةموضوع: رد: حياة المتنبي كاملة السبت 17 سبتمبر 2011 - 15:41

حياة المتنبي كاملة
- النسق النقدي من خلال شروح الديوان :

إن طريقة الشرح الشعري تتضمن المعايير و المقاييس النقدية التي
وضع أسسها النقاد من خلال تعاملهم مع الشعر القديم، و قد تقررت لديهم خطة
عامة يتدرج فيها الشرح من الكلمة إلى التركيب وصولا للمنعى أو الدلالة.

إن تعامل الشراح مع ديوان المتتنبي قد أفرز خصائص النظرية
النقدية للشعر عند العرب. و قد انصب اهتمام حسين الواد على إبراز النظرية و
الوظيفة التي يقوم بها هذا الشعر . و لما كان الشراح يصدرون عن تصور نظري
محدد فإن تعاملهم مع شعر المتنبي لم يكن متساويا إذ ضربوا صفحا عن مجموعة
منةالأبيات و القصائد و لم يعنوا بشرحها وركزوا اهتمامهم على أبيات و قصائد
بعينها .

فما هي الأسباب و الدواعي لهذا الانتقاء؟

من خلال تصريحات الشراح التي اعتمدها حسين الواد استخلص أن الشعر
الذي الذي أهمل شرحه أو وجد فيه الشراح امتعاظا أثناء المرور عليه يتكون
من ثلاث مستويات :

- الأول يتكون من المقطوعات التي قالها المتنبي ارتجالا. والثاني يتكون من
الأبيات التي تتضمنها قصائد التي قالها المتنب في صباه و فيها تطاول على
المقدسات الدينية و الدعوة إلى التمرد و الثورة و الغلو . و الثالث من
أبيات هجا فيها أبو الطيب أو تغزل فتعدى التمليح إلى التصريح .

إن هذه المستويات الثلاثة التي لم تلق عنابة من الشراح فيها ما
يرجع لأسباب جمالية فنية و فيها ما يتصف بالبعد العقائدي و اليني و فيها ما
يتصف بالبعد الأخلاقي.

أما هذه الدواعي التي زهد في الوقوف على بعض أشعار المتنبي قد
يتبادر إلى الذهن أن النظرية النقدية العربية تحكم هذه الأسباب في تقويم
الشعر. والحالة هذه نجد أن المعيارين العقائدي والديني والأخلاقي لم
يتحكموا أبدا في تقويم الشعر، والأدلة على ذلك كثيرة. أما السبب الجمالي
فهو الآخر لايقوم حجة لإهمال الشعر الذي ارتجله المتنبي خصوصا وان الشراح
قد أهملوا أيضا قصائد تعتبر من عيون المتنبي والقصيدة قالها في مصر عن
الحمى التي اصابته قد أجمع أسلافنلا على انها من البديع

المخترع والرائع الذي لا نظير له في شعر العرب، ومع ذلك لم يقفوا
عليها بالنقد ولم تلق أبياتها احفاوة التي تساير قيمتها عندهم.

ولما لم تكن هذه الأسباب هي المتحكمة في إهمال جزء من شعر
المتنبي، فلا بد من التماس سبب معقول، إن هذا اسبب سيستقيه حسين الواد من
تصريحات بعض الشراح مثل ابن فورجة وابن الشجري، وهو ما أسماه بمواطن
الاهتمام إن هذه المواطن تختلف حسب الرؤية والاتجاه فالذي يتعلق به نظر
الشارح، أول ما يتعلق، إنما هو إزالة العوائق التي تنتصب حجبا بين القارئ
وفحوى البيت أو مقاصد صاحبه منه. أما نظر الناقد فيتعلق أكثر بالأمارات
ادالة على جودة الشعر أو رداءته… اما خصوم ابي الطيب فيهمهم من شعره ويشد
أنظارهم إليه كل ما من شأنه أن يدل على أنه من المقصرين… وبالمقابل فإن
أذي يهم أنصاره إنما يتمثل في كل العناصر التي تساعد على إظهار موقفهم
والاقناع به إن هذا المفهوم الذي تنبه له أسلافنا القدامى لهو مفهوم إجرائي
وأساسي يمكننا من خلاله أن نصل إلى الأسباب التي تدفع القراء إلى
الاهتمام بنص ما وإهمال غيره.

وسنوظف بدورنا هذا المفهوم لابراز الفرق بين القراء التي قدمها
القدماء والقراء التي أنجزها المحدثون لشعر المتنبي، من خلال تتبعنا للمسار
الذي قطعه شراح الديوان، ألفينا أن الابيات والنصوص التي أوهموها كانت هي
موطن المحدثين. فقد رأينا في الفصول السابقة أن سامي اليوسف وعلي كامل
وجمال الدين بن الشيخ قد ركزوا على قصائد الصبا وعلى قصائد التي تطاول فيها
على المقدسات وعلى القصائد التي بدا فيها غلو المتنبي في دعوى الشجاعة،
وأيضا على الأبيات التي تدعو فيها للمترد والثورة. وقد بينا من خلال
التحليل أن هذه المقطوعات والقصائد هي العمد التي أسست عليها قراءة

هؤلاء الدارسين، لأنها اسعفتهم في الكشف عن المكونات النفسية
لديه وأيضا ساعدتهم على الكشف طبيعة الأنساق البنيوية المتحكمة في شعره.

وكان الدارسين المحدثين بتركيزهم على هذا النوع من الشعر الذي لم
يتعلق به لاقدماء يسعون إلى الاستدراك على مافات القدماء وكان خارجا عن
مقاييسهم النقدية.

إن عودة المحدثين إلى الشعر المهمل تعكس لنا في النظر للشعر وفي
المعايير الجمالية والمقايس النقدية خصوصا وأن تعلق القدماء بالشعر كان
ينصرف في المقام الأول اى الصنعة والصياغة وكان جانب المضمون يأتي في
المرحلة اللاحقة. اما المحدثين فقد لوحظ أن لديهم تعلقا بالمضمون والفكرة
أكثر من الصوغ الشعري. ومن ثم، وجدناهم يكتفون بشعر المتنبي الذي لم يجد
القدماء شيئا يضيفونه له حجبا يكشفون عنها الغطاء.

فالقصيدة التي قالها المتنبي في جرد قتله رجلان يعلق عليها ابن
وكيع قائلا: لو كان طرحها من ديوان لاستغني ولا نلتمس لمثلها استخراج سرقة
لفراغها، ومن هذا التعليق نستشيف موطن الاهتمام الذي ينحصر عند هذا الناقد
في الاحالات الشعرية المتضمنة حتى إذا انتقلنا من هذا النوع من الاهتمام
إلى اهتمامات المحدثين نجد أن هذه القصيدة نفسها قدمت لها قراءة مغايرة
استجلت من خلالها الميزة الخاصة في شعر المتنبي ألا وهي السخرية. إن هذا
الملمح الجوهري عند المتنبي نبه عليه محمود شاكر وهو يتناول هذه القصيدة
بالتحليل. يقول : مر المتنبي برجلين قد قتلا جرذا وأبرزاه يعجبان الناس من
كبره فقال:

لقد أصبح الجرذ المستغير
أسير المنايا صريع العطب ( المتقارب)

رماه الكناني واعامري
وتلاوة للوجه فعل العرب

كلا الرجلين أتلى قتله
فأيكما غل حر السلب

وأيكما كان من خلفه
فغن به عضة في الذنب


قتل الرجلان الكناني والعامري، هذا الفأر الكبير فأخبره ليعجبا
الناس من كبره، وهذا سخف منهما، إذ شغلا نفسيهما بعبث لا معنى لمثله عند
المتنبي الذي في نفسه قتل الملوك فمن هنا قال : الذي أغار عليهما كما تغير
الجيوش، ثم فرع من حعله كذلك، ذكر أن هذا الفأر قد وقع في أسر المنايا كما
يقع العدو في الأسر حين رماه الكناني والعامري باسهم، كما يرمي العدو،
وبذلك يسخر من رجلين يجمعان قلبهما على قتل، ثم لا يكون المقتول إلا فأرا ،
ثم لا يكتفي صاحبنا بهذا ، بل يقول أنهما أخدا يصارعانه كما يصارع العربي
خصمه مستعينا عليه بالقوة حتى يكبه على وجهه مقتولا وذلك قوله : تلاه للوجه
فعل العرب… وانت إذا عدت فقرأت الأبيات على ماتكلفنا شرحه، رأيت بلاغة
الرجل في السخرية ودقته في اختيار اللفظ وايجاز الصورة التي يريد أن يتفكه
لك بها.

وحتى القصيدة التي أجمع عليها الأسلاف بانها من اروع قصائد
المتنبي وهي القصيدة التي قالها لما نالته لاحمى بمصر سنة 348هــ ، مر
عليها الواحدي مرورا سريعا فلم يستوقفه في مبانيها أو معانيها شيئ ذو بال،
وكان كلام العكبري عليها موجزا ومختصرا. اما المحدثون فقد خصوا هذه القصيدة
بعناية فائقة حيث أن محمود محمد شاكر اعتبرها من القصائد التي وصف فيها
المتنبي بدقة الحياة الفاسدة بمصر وبغيرها من البلدان العربية آنذاك. لقد
خصها عصام السيوفي بدراسة مطولة.

إن هذا الاختلاف في مواطن الاهتمام هو المعيار الذي نزن به
اختلاف المقاييس النقدية والرؤى المنهجية التي تفصل بين نظروة القدماء
والمحدثين لشعر المتنبي.

5 - المتنبي من خلال التجربة الجمالية عند العرب

لقد كان عرض حسين الواد للمستويات التي تناولها الشراح بالدرس
والتي هي الكلمة والتركيب والمعنى، يعكس الخصومة النقدية حول المتنبي. هذه
الخصومة أسفرت عن مجموعة من المعايير النقدية ترسخ بعضها قبل مجيئ المتنبي
والبعض الآخر كان نتاجا للتفاعل النقدي في المتن الشعري لديه.

ولقد انتهى الواد من وقوفه على التعامل مع هذه المستويلت إلى نتيجتين هما :

- أولا، فالقدماء أدركوا من خصائص الشعر المميزة له النثر دقائق كثيرة ولطائف عديدة.

- ثانيا : إن القدماء استعملوا ما في أحكام الألفاظ المفردة وأحكام
التراكيب وأحكام المعاني من خصائص لدفع أبيات عديدة والطعن فيها أو قبولها
واستحسانها من غير أن تكون تلك الخصائص نفسها هي الأسباب الحقيقية التي
دعتهم إلى نبذ ما نبذوه من شعر أبي الطيب وقبول ما قبلوه منه .

إن هذه النتيجة الأخيرة يلزم عنها البحث عن أسباب للاستحسان والاستهجان
خارج إطار خصائص اللفاظ المفردة واحكام التراكيب والمعاني. لقد انتبه
القدماء إلى مسألة

أساسية في إطار التعامل مع الشعر تهم بادرجة الأولى قضية الذوق
لافني والمتعة الجمالية. يقول القاضي عبد القاهر الجرجاني : والشعر لايحبب
إلى النفوس بالنظر والمحاجة ولا يحلي في الصدور بالجدال والدال وامقايسة،
وإنما يعطفها عليه القبول والطلاوة ويقربه منها الرونق والحلاوة. وقد يكون
الشيئ متقنا محكما، ولا يكون حلوا مقبولا، ويكون جيدا وثيقا وإن لم يكن
لطيفا رشيقا . إن الحيث عن المتعة واللذة في التعامل مع الشعر بالنسبة
للقدماء لم يكن فيها أي حرج كما هو بالنسبة لنقادنا الحجيث الذي يعتبر أن
الحديث عن هذه اللذة يحيل النقد إلى انطباعات نقدية.

إن مايميز التجربة الجمالية عند العرب هو أن التلدد بالكلام
والتمتع به واستحلائه لايتم إلا بحظ من العلم والمعرفة لابد منه فلم يحدث
عن أسلافنا ذلك التعارض المشهور بين المعرفة والمتعة . ينطلق حسين الواد
من أن المؤثر في التجربة الجمالية عند العرب شيئان هما :

- أولا : الإحساس الذي خامر الإنسان منذ استعمال اللغة بان بعض الكلام يفضل بعضاويفوقه قوة في الواقع على النفس وتحركها.

- ثانيا : هناك عامل خاص بالعرب ناتج عن الحديث القرآني من حيث أن المعجزة فيه معجزة بيانية4.

ولقد أقام العرب اسس تجربتهم الجمالية على تلخيص العلم بالشعر من أحكام
رجال السياسة والورع الديني ومن تحكم العلماء باللغة والأخبار والنحو
والانساب لأن هؤلاء يغلبون جانب المعرفة على الجودة التي تتعلق بها
المتعة. لما كانت مسالة الجودة الشعرية مرتبطة بردرود أفعال النفس، احتاج
العرب في تجربتهم الجمالية مع الشعر إلى من يتقون فيه ويكون أهلا لهذه
العملية الجسيمة.

لقد كانت معركة الجودة في شعر المتنبي منصبه في الوقوف على مدى
الذي جسده فيه المتنبي القيمة الجمالية للشعر العربي. أمام هذه المشكلة ذهب
انصار المتنبي إلى أن هذا الأخير قد تجسدت فيه هذه القيمة الجمالية
المطلقة أما المناوئون فهم لم ينفوا عنه اجودة وإنما نفوا أن يكون المتنبي
هو التجسيد المطلق لهذه القيمة الجمالية، وقد كان سلاحهم في ذلك أن لأكثروا
في تتبع سرقاتهم وسجلوا التفاوت الحاصل بين أشعاره، في حين أن أنصار ركزوا
على إبراز سلطة شعر المتنبي حتى على أعداءه. وقد رووا في ذلك مجموعة من
الأخبار مثل ما وقع لابن العميد. يقول عنه بعض أصحابه: دخلت عليه يوما قبل
دخول المتنبي فوجدته واجما وكانت قد ماتت اخته عن قريب فظنته واجما لأجلها،
فقلت لايحزن الله الوزير. فما الخبر؟ قال غنه ليغيضني امر هذا المتنبي
وإجهادي في إخماد ذكره وقد ورد علي نيف وستون كتابا في التعزية مامنها وقد
صدر بقوله:

طوى الجزيرة حتى جاءني خبر
فزعت فيه بآمالي إلى الكذب( البسيط)


إن هذا الخبر يعزز ماذهب إليه انصار المتنبي من أن هذا الخير قد
حقق في شعره القيمة الفنية للشعر العربي. فماهي إذن المواطن الشعرية الأكثر
سلطة على القارئ عند المتنبي؟

يحصر الواد هذه المواطن في شيئين أساسيين هما :

- الحكمة الشعرية: فحكمة الشعر عند التمنبي نالت استحسان الجميع وذلك أن
معانيها تدور حول حقائق بسيطة من قبل البديهيات التي تتعلق بالسلوك الفردي
الفاضل أخلاقيا، وهي عصارة التجربة البشرية ثم انها تميل إلى الانفتاح على
التجربة العامة، فهي تنزع إلى الاستقلال عن السياق الذي قيلت فيه وعن ذات
مبدعها فهي موجهة بالأساس ببقارئ ثم إنها تضطلع بقيمة تعليمية تصل الشعر
بوظيفته الإجتماعية التي كان يقوم بها في القديم. فأبيات الأمثال والحكم
تمنح الشعر تلك القدرة على الإسهام في خلق القيم لاناجعة أو الفاضلة
للسلوك الإجتماعي لامن باب حمل الناس عليها حملا قسريا يعتمد الزحر أو
افبانة، وإنما من باب إظهارها بمظهر المثل والقدرة التي إذا فازت بالهوى
والقبول واعتناقها الناس أصبحت قواعد اختاروها اختيار واجمعوا عليها إجماعا
وتعاقدوا على تجليتها اعتقادا لأنجه الإلزام فيه. عن الحكمة اشعرية تنقل
للمتلقي خبرة شؤون الحياة ومن ثم تتلقى باستحسان.

- الروعة في التصوير: لقد توقف شراح الديوان على مجموعة من الصور اعتبرت
آيات في البيان ووسائل من ادخال الإمتاع على النفوس والحواس. ومن النماذج
التي ذكرها حسين الواد لهذه الصورة قول الشاعر:

سلكت تماثيل القباب الجن من
شوق بها فأذرن فيك الأعينا( الكامل)


فقد علق ابن جني و جاراه الواحدي على هذا البيت بقوله : ما أعلم
أنه وصفت صورة بأنها تكاد تنطق لأحسن من هذا . و لقد اعتمد الواد في
التنقيب عن الوظيفة الإمتاعية للشعر على ما أنجزه عبد القاهر الجرجاني في
كتابيه دلائل الإعجاب و أسرار البلاغة ، لأنه يعد من النقاد الذين توسعوا
في دراسة هذه الوظيفة للصور الشعرية

و لقد كان مرد هذا الإستحسان للصور الشعرية عند المتنبي إلى
الوظيفة التخيلية التي سيثيرها هذا الضرب من الشعر في نفسية المتلقي و
مخيلته .

نستنتج أنه من خلال التجربة الجمالية التي تأسست حول شعر المتنبي
أن الباعث على استمرارية شعره يتركز في الشعر الذي يحمل شيئين أساسيين
هما: مخاطبة المتلقي بمعاني مشتركة و [افكار ثابتة مركزة في النفس . و
إشباع ذات المخاطب بصورة تضفي الغرابة على المألوف و تحرك المخيلة و تشغل
الحواس.

7- أسئلة الحاضر و أجوبة الماضي :

إذا كانت نظرية التلقي عند ياوس ، هي محاولة جادة لإعادة النظر
في التاريخ الأدبي و محاولة لتجديد المنهج و تجاوز المناهج السابقة التي
عرفت أزمة في تناولها للأدب ، فإن حسين الواد هو الآخر ينحو هذا المنحى .
فالسؤال المضمر في دراسته : كيف نتجاوز المناهج الحديثة تناولت االمتنبي ، و
نقيم قراءة لهذا الشاعر من خلال تمثل الجمهور الأول شعره و الذي على يده
تأسست المعايير الأولى لقراءته .

إن عودة حسين الواد إلى هذه الفترة التاريخية و التي أنجزت فيها
قراءات للمتنبي المتتالية لم يكن الهدفمنها هو الرجوع للقبض على هذه
المرحلة في تاريخها و إنما كان رجوعا محملا بأسئلة الحاضر .

هذه الأسئلة تتجلى فيها إمكانية قيام حوار فعال مع المنجز النقدي العربي
القديم ، باعتباره جهازا مفاهيميا يفيدنا كثيرا في خصوصية أدبنا . و سبب
هذا الرجوع هو أن حبل التواصل قد انقطع بين الأسلاف و الأحفاد إذ لم نتسطع
أن نكمل المشروع النقدية الذي دشنته العقلية العربية . و قد تجلت هذه
الأسئلة في إعادة تقويم مجموعة من القضايا انشغل بها النقاد محدثون ،
كمسألة العلاقة المباشرة بين الشعر و الواقع و الإنشغال بشخصية الشاعر و
انفعالاته الذاتية و القراءة العقائدية للشعر .

إن هذه القضايا لم تلق أي اهتمام من طرف القدامى لأن الوجهة التي
صدروا عنها كانت تهتم بالدرجة الأولى الشعر في حد ذاته . فالذي يخرج به
المتأمل في مسيرة التعامل مع الشعر المتنبي في التاريخ إنما يوقر في
الأذهان أن المذاهب المسيطرة لم تحدث أثرا لا ف ي إقبال أهل الثقافة على
هذا الديوان و لا في دفعهم عنه ، إذ أن العهود التي ازدهرت فيها تآليف في
أبياته لا تختلف عقائديا عن العهود التي لم تزدهر فيها أو منيت بكثير من
الإنحسار و كأن حسين الواد باستحضاره لهذا التجرد العقائدي في تناول شعر
المتنبي يوجه نقده لكل الدراسات الحديثة التي تناولت المتنبي في وجهة نظر
عقائدية . أما بخصوص ربط الشعر بالواقع و بشخصية صاحبه ، فهذا المبحث لم
يكن داخلا في دائرة اهتمام القدامى فأسلافنا لم يردوا شعر إبي الطيب إلى
شخصيته أو انفعالاته الذاتية و لم ينسبوه إلى مذهبه العقائدي أو إلى وقائع
سيرته الغنية بالتجارب المثيرة ،فنحن لا نجد في أعمالهم ذلك المبحث المألوف
لدينا اليوم كثيرا و الذي يعد مرآة تنعكس عليها ذاتية المبدعو و يتضمن
مختلف التحولات التي تجريها تجاربه على شخصيته و كأن في نظره يصدر عن قائله
، يصبح مكتفيا بذاتيه، لا تجري عليه أحكام الصدق و الكذب في علاقته بقائله
لم تجر عليه أحكام التجويد و التقصير في علاقته بصناعة الشعر و علاقته
عناصر التعبير بعضها .

إن هذا الإنشغال بالشعر في حد ذاته بعيدا عن البحث عن شخصية
الشاعر من خلال شعره أو التأريخ للحياة الشعرية من خلال الواقع المعيش كانت
تقرب نظرة القدماء إلى المنهج البنيوي الذي يهتم بالنص و بالصياغة
الجمالية ، و من ثم فحسين الواد يعتبر كل الدراسات التي أنجزت حول المتنبي و
التي كانت تبحث عن شخصية الشاعر من خلال شعره ، لم يكن لها موضوع أصلا ، و
إذا كانت الصلة بين الشعر و السياق التاريخي عند النقاد العرب القدامى
محكومة بالإستقلالية ، فما ذلك إلا لشعورهم بأن ربط هذا الشعر بالسياق
المحدود هو قتل له و لاستمراريته . فغايتهم كانت هي جعل الشعر بناء مفتوحا
على التأويل بسهم القارئ في صياغته و إعادة كتابته .

لقد كان النقاد العرب على وعي تام بالتمييز بين اللغة الشعرية و
الكلام العادي ، فإذا كان هذا الأخير يقيم علاقة مباشرة مع المرجع الخارجي ،
فإن اللغة الشعرية تتم العلاقة فيها بالتجاور اللفظي .

من ثم فإن الذهن يلتمس لهذه التراكيب مدلولاتها من خلال هذه العلاقة و لا مجال للمرجع الخارجي في هذا السياق .

و أخيرا ، يستنتج حسين الواد أن القدماء رغم اهتمامهم بالعوالم
الداخلية للنصوص ، فإنهم لم يغفلوا الوظيفة الإجتماعية التي ينهض بها الشعر
. فالشعر ينقل للناس عصارة علاقتهم بالمحيط الطبيعي الذي يجدون فيه
لذتهم فيعرفهم بأشيائه و بنوعية العلاقات التي تقوم بين هذه الأشياء و
بالمواقف التي يتخذونها منها . إن الإنسان يقرأ العالم حوله في الشعر مثلما
في اللغة و في سائر وسائل التعلم .

إن هذه الوظيفة الإجتماعية و التي ركز عليها ياوس في سياق حديثه
عن التجربة الجمالية يقف عليها الواد في النظرية النقدية العربية القديمة
لينبه على الدور الذي يقوم به الشعر في جمع الناس على تقديس القيم التي
يعدونها حسنة .

و نصل في الاخير إلى أن العمل الذي قام به حسين الواد هو تطبيق
موفق لنظرية التلقي من خلال مفاهيمها عند ياوس . و قد تمكن من الوصول إلى
اقتراح تفسيرات معقولة حول دواعي استمرارية المتنبي عبر العصور و ذلك أنه
انتهج طريقة ملائمة للإجابة عن هذا السؤال المربك، فلم يبحث عنها في شعر
المتنبي في حد ذاته أو في محيطه و شخصيته ، و إنما بحث عنها في تمثيلات
القراء المتتاليين له .

الموضوع الأصلي : حياة المتنبي كاملة // المصدر : /منتديات رأس الوادي نت/ الكاتب: Admin



توقيع العضو: Admin

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

حياة المتنبي كاملة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة
صفحة 1 من اصل 2انتقل الى الصفحة : 1, 2  الصفحة التالية

مواضيع ذات صلة


صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 ::  ::  :: -
خط خارجي - راس الوادي نت

اعلن عن موقعك مع AD4arb.com